![]() |
سيرة محمد بن عبد الكريم الخطابي ح3
الحلقة الثالثة
عبد الكريم يناقش مع أبيه مضامين المعاهدة الفرنسية الإسبانيةhttp://74.53.192.83/media/866/small.jpg هذه هي قصة شعب «الريف» وقد هب في العشرينيات من هذا القرن، بقيادة رجل يدعى عبد الكريم، يحارب إسبانيا الطامعة في أراضيه، وذلك بالسلاح الذي يكسبه منها في ميادين القتال، فينزل بها هزائم يشهد المؤرخون أن أية دولة استعمارية لم تمن بمثلها قط، كما يشهدون على أنه كان لها أكبر الأثر في تطور الأحداث في ما بعد في إسبانيا بالذات. سرت مع سعيد عبر باحة جامعة أبيه القديمة وتفقدت الحجرات الصغيرة التي كان الطلبة يتجمعون فيها حول أساتذتهم. ههنا استكمل عبد الكريم معرفته بالشرع واستمتع بالحياة الطلابية، وإن بارقة زهيدة من الرجل تتضح منذ تلك الأيام. إن رسالة وردت من والده معلنة عن زيارة له ومبينة أنه قد يسبق الرسالة موجة عارمة من النشاط. كان عبد الكريم قد أصبح على بعض الإهمال في تطبيق الطقوس الدينية، ومن المؤكد أن انعدام الطشت والإبريق في حجرته سيكشف النقاب عن تقاعسه عن غسل يديه وقدميه خمس مرات كل يوم. ولما خرج مسرعا من الغرفة كي يستعير هذه الأدوات الأساسية من أجل القيام بالطقوس الدينية طرق سمعه صدى خطوات على السلم وصوت أبيه يستفسر عن ابنه. ولقد تمكن عبد الكريم من الحصول على الطشت والإبريق من جاره في الوقت المناسب قبل أن يدلف والده إلى حجرته. ولقد كان كريم الأب سعيدا جدا برؤية ولده بحيث لم يلاحظ أن الطشت فارغ من المياه. وناقش عبد كريم الأب مع ابنه مضامين المعاهدة الفرنسية الإسبانية التي تقسم مراكش إلى مناطق نفوذ، واعترف بأنه حين سمع بها للمرة الأولى لم يكن معارضا كل المعارضة لانتشار النفوذ الإسباني في الريف. كان يعتقد بأن الريف سيكسب كثيرا من شركة على قدم المساواة مع أمة متمدنة. إن أهل الريف أناس متأخرون، وهم يحتاجون إلى الأطباء، والمعلمين، والمهندسين، لمساعدتهم في استخدام مواردهم الطبيعية. لكنه بلغه أن في نية الإسبانيين أن يستغلوا أهل الريف لا أن يساعدوهم. وحين تكلم ضد معاهدة أجدير، أرسل حاكم قلعة الجزيرة فصيلة من الجنود إلى الشاطئ وأحرق داره. ولم يغب عن أعين الأب والابن على السواء الفوضى التي تتردى فيها مراكش والخطر الإسباني على استقلال الريف، وعاد عبد الكريم إلى أجدير بعد تخرجه عام 1909، ومن هناك انطلق مع أبيه للانضمام إلى التحالف الريفي الذي تشكل، بفضل جهود عبد كريم الأب حتى درجة بعيدة، من أجل مقاومة غزو الروغي. وحضر عبد الكريم في هذه الحملة القصيرة «القتال الفعلي» من دون أن يسهم فيه شخصيا. وحين عاد إلى أجدير أرسله أبوه إلى مليلا كي يمارس القانون فيها ويكتسب الخبرة المباشرة من الإسبانيين ويقف على نواياهم. ووصل عبد الكريم إلى مليلا حين كان النزاع بشأن حقوق التنقيب عن المناجم في جبل ويكش في أوجه، وما أعقبه من قتال استمر، حاميا تارة فاترا تارة، لسنوات طوال. وحصل على عمل بالتدريس في مدرسة محلية، ثم ترك هذا العمل بعد سنة كي يصدر الصفحة المحررة باللغة العربية في برق الريف، وكي يعمل سكرتيرا في مكتب الشؤون المحلية. وأصبح عام 1913 مستشارا لدى محكمة الجنايات، ثم رفع بعد سنتين إلى منصب رئيس العدل، قاضيا في القضايا الجنائية والمدنية على السواء بالنسبة إلى المولدين. كان الإسبان يسعون بهذه التعيينات إلى كسب عبد الكريم للتعاون معهم، بل لقد عرضوا عليه عرضا أشد إغراء، إذ وعدوه أن يكون حاكما للريف بعد احتلالهم إياه. ورفض عبد الكريم أن يرتشى، وأخبرالإسبانيين أنه مستعد للتعاون معهم إذا استطاعوا أن يقنعوه بنواياهم الطيبة، وفي هذه الحال فقط. إن مناصب عبد الكريم في النفوذ والسلطة قد جعلته على احتكاك مع الرسميين الإسبانيين من جهة واحدة، ومع مهندسي المناجم وعملاء المخابرات الألمان من جهة ثانية، هؤلاء الذين كانوا يخططون من أجل خلق المتاعب للفرنسيين. ولقد ارتبط بأواصر الصداقة مع ممثل ما نيسمان اخوان، المؤسسة الألمانية التي تعاقدت على حفر المناجم في ويكش، وقد مكنته مهنته من الاطلاع على الوثائق التي كانت تكشف النقاب عن الخطط الإسبانية من أجل استثمار الريف، والتي كانت تبرهن في الوقت نفسه عن العجز والفساد الإسبانيين. |
| الساعة الآن 18:20 |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات دفاتر © 1434- 2012 جميع المشاركات والمواضيع في منتدى دفاتر لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة المنتدى بل تمثل وجهة نظر كاتبها