![]() |
قيام رمضان للألباني
* ليلة القدر وتحديدها :
2- وأفضل لياليه ليلة القدرِ ، لقوله - صلى الله عليه وسلم - : " من قام ليلة القدر ( ثم وفقت له ) ، إيمانا واحتسابا ، غفِر له ما تقدم من ذنبه " ( 9 ) . 3- وهي ليلة سابع وعشرين من رمضان على الأرجح ، وعليه أكثر الأحاديث منها حديث زِر بن حبيش قال : سمعت أبي ابن كعب يقول وقيل له : إن عبد الله بن مسعود يقول : من قام السنة أصاب ليلة القدر ! فقال أبي رضي الله عنه : رحمه الله ، أراد أن لا يتكل الناس ، والذي لا إله إلا هو ، إنها لفي رمضان - يحلف ما يستثني - ووالله إني لأعلم أي ليلةٍ هي ؟ هي الليلة التي أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقيامها هي ليلة صبيحة سبع وعشرين ، وأمارتها أن تطلع الشمس في صبيحة يومها بيضاء لا شعاع لها. ورفع ذلك في رواية إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ( 10 ) . ------------- * مشروعية الجماعة في القيام : 4- وتشرع الجماعة في قيام رمضان ، بل هي أفضل من الانفراد ، لإقامة النبي - صلى الله عليه وسلم - لها بنفسه ، وبيانه لفضلها بقوله ، كما في حديث أبي ذر رضي الله عنه قال : ( صمنا مع رسول الله رمضان ، فلم يقم بنا شيئا من الشهر ، حتى بقي سبع فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل ، فلما كانت السادسة لم يقم بنا ، فلما كانت الخامسة قام بنا حتى ذهب شطر الليل ، فقلت : يا رسول الله! لو نفلتنا قيام هذه الليلة ، فقال : " إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حسِب له قيام ليلة " . فلما كانت الرابعة لم يقم ، فلما كانت الثالثة ( 11 ) جمع أهله ونساءه والناس ، فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح . قال : قلت : ما الفلاح ؟ قال : السحور ، ثم لم يقم بنا بقية الشهر ) ( 12 ). * السبب في عدم استمرار النبي - صلى الله عليه وسلم - بالجماعة فيه : 5- وإنما لم يقم بهم عليه الصلاة والسلام بقية الشهر خشية أن تفرض عليهم صلاة الليل في رمضان ، فيعجزوا عنها كما جاء في حديث عائشة في " الصحيحين " وغيرهما ( 13 ) وقد زالت هذه الخشية بوفاته - صلى الله عليه وسلم - بعد أن أكمل الله الشريعة ، وبذلك زال المعلول ، وهو ترك الجماعة في قيام رمضان ، وبقي الحكم السابق وهو مشروعية الجماعة ولذلك أحياها عمر رضي الله عنه كما في " صحيح البخاري " وغيره( 14 ) * مشروعية الجماعة للنساء : 6- ويشرع للنساء حضورها كما في حديث أبي ذر السابق ، بل يجوز أن يجعل لهن إمام خاص بهن ، غير إمام الرجال ، فقد ثبت أن عمر رضي الله عنه لما جمع الناس على القيام ، جعل على الرجال أبي بن كعب ، وعلى النساء سليمان بن أبي حثمة ، فعن عرفجة الثقفي قال : ( كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يأمر الناس بقيام شهر رمضان ويجعل للرجال إماما وللنساء إماما ، قال : فكنت أنا إمام النساء ) ( 15 ) . قلت : وهذا محله عندي إذا كان المسجد واسعا ، لئلا يشوش أحدهما على الآخر . -------------- ( 11 ) : يعني ليلة سبع وعشرين ، وهي ليلة القدر على الأرجح كما سبق ، ولذلك جمع فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - أهله ونساءه ، ففيه استحباب حضور النساء هذه الليلة . ( 12 ) : حديث صحيح ، أخرجه أصحاب السنن وغيرهم ، وهو مخرج في " صلاة التراويح " (ص16-17) و " صحيح أبي داود " (1245) و " الإرواء " (447) . ( 13 ) : انظر سياقه وتخريجه في " التراويح " (ص12-14) . ( 14 ) : انظر تخريجه وكلام ابن عبد البر وغيره عليه في المصدر السابق (ص49-52). ( 15 ) : أخرجه والذي قبله البيهقي (2/494) ، وأخرج الأول منهما عبد الرزاق أيضا في " المصنف " (4/258/8722) ، وأخرجهما ابن نصر أيضا في " قيام رمضان " (ص93) ، ثم احتج بهما على ما ذكرنا (ص95) . * عدد ركعات القيام : 7- وركعاتها إحدى عشرة ركعة ، ونختار أن لا يزيد عليها اتباعا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فإنه لم يزد عليها حتى فارق الدنيا ، فقد سئلت عائشة رضي الله عنها عن صلاته - صلى الله عليه وسلم - في رمضان ؟ فقالت : " ما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة ، يصلي أربعا فلا تسل عن حسنهن وطولهن ، ثم يصلي أربعا فلا تسل عن حسنهن وطولهن ، ثم يصلي ثلاثا " ( 16 ) . 8- وله أن ينقص منها ، حتى لو اقتصر على ركعة الوتر فقط ، بدليل فعله - صلى الله عليه وسلم - وقوله : أما الفعل ، فقد سئلت عائشة رضي الله عنها : بكم كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوتر ؟ قالت : " كان يوتر بأربع ( 17 ) وثلاثٍ ، وست وثلاثٍ ، وعشر وثلاثٍ ، ولم يكن يوتر بأنقص من سبعٍ ، ولا بأكثر من ثلاث عشرة " ( 18 ) . وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - فهو : " الوتر حق ، فمن شاء فليوتر بخمس ، ومن شاء فليوتر بثلاث ، ومن شاء فليوتر لواحدة " ( 19 ) . * القراءة في القيام : 9- وأما القراءة في صلاة الليل في قيام رمضان أو غيره ، فلم يحد فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - حدا لا يتعداه بزيادة أو نقص ، بل كانت قراءته - صلى الله عليه وسلم - فيها تختلف قصرا وطولا ، فكان تارة يقرأ في كل ركعة قدر } يا أيها المزمل } ، وهي عشرون آية ، وتارة قدر خمسين آية ، وكان يقول : " من صلى في ليلة بمئة آية لم يكتب من الغافلين " . وفي حديث آخر : " ... بمئتي آية فإنه يكتب من القانتين المخلصين " . وقرأ - صلى الله عليه وسلم - في ليلة وهو مريض السبع الطوال ، وهي سورة ( البقرة ) ، و ( آل عمران ) ، و ( النساء ) ، و ( المائدة ) ، و ( الأنعام ) ، و ( الأعراف ) ، و ( التوبة ) . وفي قصة صلاة حذيفة بن اليمان وراء النبي عليه الصلاة والسلام أنه - صلى الله عليه وسلم - قرأ في ركعة واحدة ( البقرة ) ثم ( النساء ) ثم ( آل عمران ) ، وكان يقرؤها مترسلا متمهلا ( 20 ) . وثبت بأصح إسناد أن عمر رضي الله عنه لما أمر أبي بن كعب أن يصلي للناس بإحدى عشرة ركعة في رمضان ، كان أبي رضي الله عنه يقرأ بالمئين ، حتى كان الذي خلفه يعتمدون على العِصِي من طول القيام ، وما كانوا ينصرفون إلا في أوائل الفجر ( 21 ) . وصح عن عمر أيضا أنه دعا القراء في رمضان ، فأمر أسرعهم قراءة أن يقرأ ثلاثين آية ، والوسط خمسا وعشرين آية ، والبطيء عشرين آية ( 22 ). وعلى ذلك فإن صلى القائم لنفسه فليطول ما شاء ، وكذلك إذا كان معه من يوافقه ، وكلما أطال فهو أفضل ، إلا أنه لا يبالغ في الإطالة حتى يحيي الليل كله إلا نادرا ، اتباعا للنبي - صلى الله عليه وسلم - القائل : " وخير الهدي هدي محمد " ( 23 ) . وأما إذا صلى إماما ، فعليه أن يطيل بما لا يشق على من وراءه لقوله - صلى الله عليه وسلم - : " إذا قام أحدكم للناس فليخفف الصلاة ، فإن فيهم ( الصغير ) والكبير وفيهم الضعيف ، و ( المريض ) ، ( وذا الحاجة ) ، وإذا قام وحده فليطل صلاته ما شاء " ( 24 ) . ----------- ( 16 ) : أخرجه الشيخان وغيرهما ، وهو مخرج في " صلاة التراويح " (20-21) و " صحيح أبي داود " (1212) . ( 17 ) : قلت : منها ركعتا سنة العشاء البعدية أو الركعتان الخفيفتان اللتان كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفتتح صلاة الليل بهما ، على ما رجحه الحافظ ، أنظر " صلاة التراويح " (ص19-20) . ( 18 ) : رواه أبو داود وأحمد وغيرهما وهو حديث جيد الإسناد ، وصححه العراقي ، وهو مخرج في " صلاة التراويح " (ص98-99) و " صحيح أبي داود " (1233) . ( 19 ) : رواه الطحاوي والحاكم وغيرهما وهو حديث صحيح الإسناد كما قال جماعة من الأئمة ، وله شاهد فيه زيادة منكرة ، كما بينته في " التراويح " (ص 99-100) . ( 20 ) : هذه الأحاديث كلها صحيحة مخرجة في " صفة الصلاة " (117-122) . ( 21 ) : رواه مالك بنحوه . انظر " صلاة التراويح " (ص52) . ( 22 ) : انظر تخريجه في المصدر السابق (ص71) ورواه عبد الرزاق أيضا في " المصنف " (4/261/7731) والبيهقي (2/497) . ( 23 ) : هو بعض حديث رواه مسلم والنسائي وغيرهما ، وهو مخرج في " أحكام الجنائز " (ص18) و " الإرواء " (608) . ( 24 ) : أخرجه الشيخان واللفظ والزيادات لمسلم ، وهو مخرج في " الإرواء " (512) و " صحيح أبي داود " (759و760) . * وقت القيام : 10- ووقت صلاة الليل من بعد صلاة العشاء إلى الفجر ، لقوله - صلى الله عليه وسلم - : " إن الله زادكم صلاة ، وهي الوتر ( 25 ) ، فصلوها بين صلاة العشاء إلى صلاة الفجر " ( 26 ) . 11- والصلاة في آخر الليل أفضل لمن تيسر له ذلك لقوله - صلى الله عليه وسلم - : " من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله ، ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل ، فإن صلاة آخر الليل مشهودة وذلك أفضل " ( 27 ). 12- وإذا دار الأمر بين الصلاة أول الليل مع الجماعة ، وبين الصلاة آخر الليل منفردا ، فالصلاة مع الجماعة أفضل ، لأنه يحسب له قيام ليلة تامة كما تقدم في الفقرة ( 4 ) مرفوعا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلى ذلك جرى عمل الصحابة في عهد عمر رضي الله عنه ، فقال عبد الرحمن بن عبد القاري : ( خرجت مع عمر بن الخطاب ليلة في رمضان إلى المسجد ، فإذا الناس أوزاع متفرقون ، يصلي الرجل لنفسه ، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط ، فقال : والله إني لأرى لو جمعت هؤلاء على قارىء واحد لكان أمثل ، ثم عزم ، فجمعهم على أبي بن كعب ، قال : ثم خرجت معه ليلة أخرى ، والناس يصلون بصلاة قارئهم ، فقال عمر : نعمت البدعة هذه ، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون - يريد آخر الليل - وكان الناس يقومون أوله ) ( 28 ). وقال زيد بن وهب : ( كان عبد الله يصلي بنا شهر رمضان ، فينصرف بليل ) ( 29 ) . * الكيفيات التي تصلى بها صلاة الليل : 13- كنت فصلت القول في ذلك في " صلاة التراويح " (ص101-115) فأرى أن ألخص ذلك هنا تيسيرا على القارئ وتذكيرا : الكيفية الأولى : ثلاث عشرة ركعة ، يفتتحها بركعتين ، خفيفتين ، وهما على الأرجح سنة العشاء البعدية ، أو ركعتان مخصوصتان يفتتح بهما صلاة الليل كما تقدم ، ثم يصلي ركعتين طويلتين جدا ، ثم يصلي ركعتين دونهما ، ثم يصلي ركعتين دون اللتين قبلهما ، ثم يصلي ركعتين دونهما ، ثم يصلي ركعتين دونهما ، ثم يوتر بركعة . الثانية : يصلي ثلاث عشرة ركعة ، منها ثمانية يسلم بين كل ركعتين ، ثم يوتر بخمس لا يجلس ولا يسلم إلا في الخامسة . الثالثة : إحدى عشرة ركعة ، يسلم بين كل ركعتين ، ويوتر بواحدة . الرابعة : إحدى عشرة ركعة ، يصلي منها أربعا بتسليمة واحدة ، ثم أربعا كذلك ، ثم ثلاثا . وهل كان يجلس بين كل ركعتين من الأربع والثلاث ؟ لم نجد جوابا شافيا في ذلك ، لكن الجلوس في الثلاث لا يشرع ! الخامسة : يصلي إحدى عشرة ركعة ، منها ثماني ركعات لا يقعد فيها إلا في الثامنة ، يتشهد ويصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم يقوم ولا يسلم ، ثم يوتر بركعة ، ثم يسلم ، فهذه تسع ، ثم يصلي ركعتين ، وهو جالس. السادسة : يصلي تسع ركعات منها ست لا يقعد إلا في السادسة منها ، ثم يتشهد ويصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم ... إلخ ما ذكر في الكيفية السابقة . هذه هي الكيفيات التي ثبتت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نصا عنه ، ويمكن أن يزاد عليها أنواعا أخرى ، وذلك بأن ينقص من كل نوع منها ما شاء من الركعات حتى يقتصر على ركعة واحدةٍ عملا بقوله - صلى الله عليه وسلم - المتقدم : " ...فمن شاء فليوتر بخمس ، ومن شاء فليوتر بثلاث ، ومن شاء فليوتر بواحدة " ( 30 ) . فهذه الخمس والثلاث ، إن شاء صلاها بقعود واحد ، وتسليمة واحدة كما في الصفة الثانية ، وإن شاء سلم من كل ركعتين كما في الصفة الثالثة وغيرها ، وهو الأفضل ( 31 ). وأما صلاة الخمس والثلاث بقعود بين كل ركعتين بدون تسليم فلم نجده ثابتا عنه - صلى الله عليه وسلم - ، والأصل الجواز ، لكن لما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد نهى عن الإيتار بثلاث ، وعلل ذلك بقوله : " ولا تشبهوا بصلاة المغرب " ( 32 )؛ فحينئذ لا بد لمن صلى الوتر ثلاثا من الخروج عن هذه المشابهة ، وذلك يكون بوجهين : أحدهما : التسليم بين الشفع والوتر ، وهو الأقوى والأفضل . والآخر : أن لا يقعد بين الشفع والوتر ، والله تعالى أعلم . ------------- ( 25 ) : تسمى صلاة الليل كلها وترا لأن عددها وتر ، أي : عدد فردي . ( 26 ) : حديث صحيح ، أخرجه أحمد وغيره عن أبي بصرة ، وهو مخرج في " الصحيحة " (108) و " الإرواء " (2/158) . ( 27 ) : أخرجه مسلم وغيره ، وهو مخرج في " الصحيحة " (2610) . ( 28 ) : أخرجه البخاري وغيره وهو مخرج في " التراويح " (ص48) . ( 29 ) : أخرجه عبد الرزاق (7741) وإسناده صحيح ، وقد أشار الإمام أحمد إلى هذا الأثر والذي قبله حين سئل : يؤخر القيام - أي التراويح - إلى آخر الليل ؟ فقال : ( لا ، سنة المسلمين أحب إلي ) رواه أبو داود في " مسائله " (ص62) . ( 30 ) : أنظر الفقرة 8 (ص22) . ( 31 ) : فائدة هامة : قال ابن خزيمة في " صحيحة " (2/194) بعد أن ذكر حديث عائشة وغيره في بعض الكيفيات المذكورة : ( فجائز للمرء أن يصلي أي عدد أحب من الصلاة مما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه صلاهن ، وعلى الصيغة التي رويت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه صلاها ، لا حظر على أحد في شيء منها ) . قلت : وهذا بمفهومه موافق تمام الموافقة لِما اخترنا من التزام العدد الذي صح عنه - صلى الله عليه وسلم - وعدم الزيادة عليه ، فالحمد لله على توفيقه ، وأسأله المزيد من فضله . ( 32 ) : أخرجه الطحاوي والدارقطني وغيرهما . أنظر " التراويح " (99و110) . |
تتمة الموضوع
* القراءة في ثلاث الوتر :
14- ومن السنة أن يقرأ في الركعة الأولى من ثلاث الوتر : } سبح اسم ربك الأعلى } ، وفي الثانية : } قل يا أيها الكافرون } ، وفي الثالثة : } قل هو الله أحد } ويضيف إليها أحيانا : } قل أعوذ برب الفلق } و : } قل أعوذ برب الناس } . وقد صح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قرأ مرة في ركعة الوتر بمئة آية من ( النساء ) ( 33 ) . * دعاء القتوت وموضعه : 15- وبعد الفراغ من القراءة وقبل الركوع ، يقنت أحيانا بالدعاء الذي علمه النبي - صلى الله عليه وسلم - سِبطه الحسن بن علي رضي الله عنهما وهو : " اللهم اهدني فيمن هديت ، وعافني فيمن عافيت ، وتولني فيمن توليت ، وبارك لي فيما أعطيت ، وقني شر ما قضيت ، فإنك تقضي ولا يقضى عليك ، وإنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، لا منجا منك إلا إليك " ( 34 ) ، يصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - أحيانا ، لما يأتي بعده ( 35 ). 16- ولا بأس من جعل القنوت بعد الركوع ، ومن الزيادة عليه بلعن الكفرة ، والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - والدعاء للمسلمين في النصف الثاني من رمضان ، لثبوت ذلك عن الأئمة في عهد عمر رضي الله عنه ، فقد جاء في آخر حديث عبد الرحمن بن عبد القارى المتقدم ( ص 26 27 ) : ( وكانوا يلعنون الكفرة في النصف : اللهم قاتل الكفرة الذين يصدون عن سبيلك ، ويكذبون رسلك ، ولا يؤمنون بوعدك ، وخالف بين كلمتهم ، وألق في قلوبهم الرعب ، وألق عليهم رجزك وعذابك ، إله الحق ) ثم يصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ويدعو للمسلمين بما استطاع من خير ، ثم يستغفر للمؤمنين . قال : وكان يقول إذا فرغ من لعنه الكفرة وصلاته على النبي واستغفاره للمؤمنين والمؤمنين ومسألته : ( اللهم إياك نعبد ، ولك نصلي ونسجد ، وإليك نسعى ونحفد ( 36 ) ، ونرجو رحمتك ربنا ، ونخاف عذابك الجد ، إن عذابك لمن عاديت ملحق ) ثم يكبر ويهوي ساجدا ( 37 ). * ما يقول في آخر الوتر : 17- ومن السنة أن يقول في آخر وتره (قبل السلام أو بعده) : " اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك ، وبمعافاتك من عقوبتك ، وأعوذ بك منك ، لا أحصي ثناء عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك " ( 38 ). 18- وإذا سلم من الوتر ، قال : سبحان الملك القدوس ، سبحان الملك القدوس ، سبحان الملك القدوس ، ( ثلاثا ) ويمد بها صوته ، وبرفع الثالثة ( 39 ) . * الركعتان بعده : 19- وله أن يصلي ركعتين ، لثبوتهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعلا ( 40 ) بل إنه أمر بهما أمته فقال : " إن هذا السفر جهد وثقل ، فإذا أوتر أحدكم ، فليركع ركعتين ، فإن استيقظ وإلا كانتا له " ( 41 ) . 20- والسنة أن يقرأ فيهما : } إذا زلزلت الأرض } و : } قل يا أيها الكافرون } ( 42 ) . ---------------- ( 33 ) : رواه النسائي وأحمد بسند صحيح . ( 34 ) : أخرجه أبو داود والنسائي وغيرهما بسند صحيح ، أنظر " صفة الصلاة " (ص95و96 ط 7) . ( 35 ) : وانظر تعليقي على " فضل الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - " (ص33) ، و " تلخيص صفة صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - " (ص45) . ( 36 ) : أي : نسرع . ( 37 ) : رواه ابن خزيمة في " صحيحه " (2/155-156/1100) . ( 38 ) : صحيح أبي داود (1282) و " الإرواء " (430) . ( 39 ) : " صحيح أبي داود " (1284) . ( 40 ) : رواه مسلم وغير أنظر " التراويح " (ص108-109) . ( 41 ) : رواه ابن خزيمة في " صحيحه " والدارمي وغيرهما ، وهو مخرج في " الصحيحة " وقد كنت متوقفا في هاتين الركعتين برهة مديدة من الزمن ، فما وقفت على هذا الأمر النبوي الكريم بادرت إلى الأخذ به ، وعلمت أن قوله - صلى الله عليه وسلم - : " اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا " إنما هو للتخيير لا للإيجاب ، وهو قول ابن نصر (130) . ( 42 ) : أخرجه ابن خزيمة (1104 ، 1105) من حديث عائشة وأنس رضي الله عنهما بإسنادين يقوي أحدهما الآخر ، وأنظر " صفة الصلاة " (ص124) . الاعتكاف * مشروعيته : 1- والاعتكاف سنة في رمضان وغيره من أيام السنة ، والأصل في ذلك قوله تعالى : } وأنتم عاكفون في المساجد } ، مع توارد الأحاديث الصحيحة في اعتكافه - صلى الله عليه وسلم - ، وتواتر الآثار عن السلف بذلك ، وهي مذكورة في " المصنف " لابن أبي شيبة وعبد الرزاق ( 43 ). وقد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اعتكف آخر العشر من شوال ( 44 ) ، وأن عمر قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - : كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام ؟ قال : " فأوف بنذرك " ، ( فاعتكف ليلة ) ( 45 ) . 2- وآكده في رمضان لحديث أبي هريرة : " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعتكف في كل رمضان عشرة أيام ، فلما كان العام الذي قبِض فيه اعتكف عشرين يوما " ( 46 ) . 3- وأفضله آخر رمضان ، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله عز وجل ( 47 ). * شروطه : 1- ولا يشرع إلا في المساجد لقوله تعالى : } ولا تباشروهن ( 48 ) وأنتم عاكفون في المساجد } ( 49 ) ، وقالت السيدة عائشة : ( السنة في المعتكف أن لا يخرج إلا لحاجته التي لا بد له منها ، ولا يعود مريضا ، ولا يمس أمراته ، ولا يباشرها ، ولا اعتكاف إلا في مسجد جماعة ، والسنة فيمن اعتكف أن يصوم ) ( 50 ) . 2- وينبغي أن يكون مسجدا جامعا لكي لا يضطر للخروج منه لصلاة الجمعة ، فإن الخروج لها واجب عليه ، لقول عائشة في رواية عنها في حديثها : (...ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع ) ( 51 ). ثم وقفت على حديث صحيح صريح يخصص ( المساجد ) المذكورة في الآية بالمساجد الثلاثة : المسجد الحرام ، والمسجد النبوي ، والمسجد الأقصى ، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم - : " لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة " ( 52 ) . وقد قال به من السلف فيما اطلعت حذيفة بن اليمان ، وسعيد بن المسيب ، وعطاء ، إلا أنه لم يذكر المسجد الأقصى ، وقال غيرهم بالمسجد الجامع مطلقا ، وخالف آخرون فقالوا : ولو في مسجد بيته . ولا يخفى أن الأخذ بما وافق الحديث منها هو الذي ينبغي المصير إليه ، والله سبحانه وتعالى أعلم . 3- والسنة فيمن اعتكف أن يصوم كما تقدم عن عائشة رضي الله عنها ( 53 ) . * ما يجوز للمعتكف : 1- ويجوز له الخروج منه لقضاء الحاجة ، وأن يخرج رأسه من المسجد لِيغسل ويسرح ، قالت عائشة رضي الله عنها : ( وإن كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليدخل علي رأسه وهو ( معتكف ) في المسجد ، ( وأنا في حجرتي ) فأرجله ، ( وفي رواية : فأغسله وإن بيني وبينه لعتبة الباب وأنا حائض ) ، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة ( الإنسان ) ، إذا كان معتكفا ) ( 54 ) . 2- ويجوز للمعتكف وغيره أن يتوضأ في المسجد لقول رجل خدم النبي - صلى الله عليه وسلم - : توضأ النبي - صلى الله عليه وسلم - في المسجد وضوءا خفيفا ( 55 ). 3- وله أن يتخذ خيمة صغيرة في مؤخرة المسجد يعتكف فيها ، لأن عائشة رضي الله عنها كانت تضرب للنبي - صلى الله عليه وسلم - خِباء ( 56 ) إذا اعتكف ، وكان ذلك بأمره - صلى الله عليه وسلم - ( 57 ). واعتكف مرة في قبةٍ تركيةٍ ( 58 ) على سدتِها حصير ( 59 ) . * إباحة اعتكاف المرأة وزيارتها زوجها في المسجد : 4- ويجوز للمرأة أن تزور زوجها وهو في معتكفه ، وأن يودعها إلى باب المسجد لقول صفية رضي الله عنها : " كان النبي - صلى الله عليه وسلم - معتكفا (في المسجد في العشر الأواخر من رمضان) فأتيته أزوره ليلا ، (وعنده أزواجه ، فرحن) ، فحدثته (ساعة) ، ثم قمت لأنقلب ، (فقال : لا تعجلي حتى أنصرف معك) ، فقام معي ليقلبني ، وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد (حتى إذا كان عند باب المسجد الذي عند باب أم سلمة) ، فمر رجلان من الأنصار ، فلما رأيا النبي - صلى الله عليه وسلم - أسرعا ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " على رسلِكما ؛ إنها صفية بنت حيي ، فقالا : سبحان الله ! يا رسول الله ! قال : إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم ، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شرا ، أو قال : شيئا " ( 60 ). بل يجوز لها أن تعتكف مع زوجها ، أو لوحدها لقول عائشة رضي الله عنها : ( اعتكفت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - امرأة مستحاضة (وفي رواية أنها أم سلمة) من أزواجه ، فكانت ترى الحمرة والصفرة ، فربما وضعنا الطست تحتها وهي تصلي) ( 61 ). وقال أيضا : (كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله ، ثم اعتكف أزواجه من بعده) ( 62 ). قلت : وفيه دليل على جواز اعتكاف النساء أيضا ، ولا شك أن ذلك مقيد بإذن أوليائهن بذلك ، وأمن الفتنة والخلوه مع الرجال ؛ للأدلة الكثيرة في ذلك ، والقاعدة الفقهية : درء المفاسد مقدم على جلب المصالح . 5- ويبطله الجماع لقوله تعالى : } ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد } . وقال ابن عباس : (إذا جامع المعتكف بطل اعتكافه ، وأستأنف) ( 63 ). ولا كفارة عليه لعدم ورود ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه . وسبحانك اللهم وبحمدك ، أشهد أن لا إله إلا أنت ، أستغفرك وأتوب إليك . ------------------- ( 43 ) : كان هنا في الطبعة السابقة حديث في فضل " من اعتكف يوما . . " فحذفته ؛ لأنه تبين لي ضعفه ، بعد أن خرجته وتكلمت عليه بتفصيل في " سلسلة الأحاديث الضعيفة " (5347) ، فكشفت فيه عن علته التي كانت خفيت علي ، وعلى الهيثمي قبلي ! ( 44 ) : هو قطعة من حديث لعائشة ، رواه الشيخان وابن خزيمة في " صحاحهم " ، وهو مخرج في " صحيح أبي داود " (2127) . ( 45 ) : رواه الشيخان وابن خزيمة ، والزيادة للبخاري في رواية كما في " مختصره " (995) ، وهو مخرج في " صحيح أبي داود " أيضا (2136-2137) . ( 46 ) : رواه البخاري وابن خزيمة في " صحيحيهما " ، وهو مخرج في المصدر السابق (2126-2130) . ( 47 ) : رواه الشيخان وابن خزيمة (2223) ، وهو مخرج في " الإرواء " (966) و " صحيح أبي داود " (2125) . ( 48 ) : أي لا تجامعوهن . قال ابن عباس : المباشرة والملامسة والمس جماع كله ، ولكن الله عز وجل يكني ما شاء بما شاء . رواه البيهقي (4/321) بسند رجاله ثقات . ( 49 ) : ( البقرة : 187 ) ، قد استدل الإمام البخاري على ما ذكرناه بهذه الآية . قال الحافظ : ( ووجه الدلالة من الآية أنه لو صح في غير المسجد لم يخص تحريم المباشرة به ، لأن الجماع مناف للاعتكاف بالإجماع ، فعلم من ذكر المساجد أن المراد أن الاعتكاف لا يكون إلا في فيها ) . ( 50 ) : رواه البيهقي بسند صحيح ، وأبو داود بسند حسن ، والراوية الآتية عن عائشة له ، وهو مخرج في " صحيح أبي داود " (2135) و " الإرواء " (966) . ( 51 ) : روى البيهقي عن ابن عباس قال : إن أبغض الأمور إلى الله البدع ، وإن من البدع الاعتكاف في المساجد التي في الدور . ( 52 ) : أخرجه الطحاوي والإسماعيلي والبيهقي بإسناد صحيح عن حذيفة ابن اليمان رضي الله عنه ، وهو مخرج في " الصحيحة " (رقم 2786) ، مع الآثار الموافقة له مما ذكرنا أعلاه ، وكلها صحيحة . ( 53 ) : رواه البيهقي بسند صحيح ، وأبو داود بسند حسن ، وقال الإمام ابن القيم في " زاد المعاد " : ( ولم ينقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه اعتكف مفطرا ، بل قد قالت عائشة : لا اعتكاف إلا بصوم ، ولم يذكر سبحانه الاعتكاف إلا مع الصوم ، ولا فعله - صلى الله عليه وسلم - إلا مع الصوم ، فالقول الراجح في الدليل الذي عليه جمهور السلف أن الصوم شرط في الاعتكاف وهو الذي كان يرجحه شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية ) . قلت : ويترتب عليه أنه لا يشرع لمن قصد المسجد للصلاة أو غيرهما أن ينوي الاعتكاف مدة لبثه فيه ، وهو ما صرح به شيخ الإسلام في " الاختيارات " . ( 54 ) : رواه الشيخان ، وابن ابي شيبة ، وأحمد ، والزيادة الأولى لهما ، وهو مخرج في " صحيح أبي داود " (2131-2132) . ( 55 ) : رواه البيهقي بسند جيد ، وأحمد (5/364) مختصرا بسند صحيح . ( 56 ) : الخِباء أحد بيوت العرب من وبرٍ أو صوف ولا يكون من شعر ، ويكون على عمودين أو ثلاثة . " نهاية " . ( 57 ) : رواه الشيخان من حديث عائشة ، وفعلها للبخاري ، والأمر لمسلم ، وتقدم تخريجه (ص34) التعليق (2) . ( 58 ) : أي قبة صغيرة . والسدة كالظلة على الباب لتقي الباب من المطر ، والمراد أنه وضع قطعة حصير على سدتها لئلا يقع فيها نظر أحد كما قال السندي ، وأولى أن يقال : لكي لا ينشغل بال المعتكف بمن قد يمر أمامه تحصيلا لمقصود الاعتكاف وروحِه ، كما قال الإمام ابن القيم : ( عكس ما يفعله الجهال من اتخاذ المعتكفِ موضع عِشرةٍ ومجلبة الزائرين وأخذهم بأطراف الأحاديث بينهم ، فهذا لون ، والاعتكاف النبوي لون ، والله الموفق ) . ( 59 ) : هو طرف من حديث لأبي سعيد الخدري ، رواه مسلم وابن خزيمة في " صحيحيهما " وهو مخرج في " صحيح أبي داود " (1251). ( 60 ) : أخرجه الشيخان ، وأبو داود ، والزيادة الأخيرة له ، وهو مخرج في " صحيح أبي داود " (2133و2134) . ( 61 ) : رواه البخاري وهو مخرج في " صحيح أبي داود " (2138) ، والرواية الأخرى لسعيد بن منصور كما في " الفتح " (4/281) لكن سماها الدارمي (1/22) : ( زينب ) . والله أعلم . ( 62 ) : أخرجه الشيخان وغيرهما ، وسبق تخريجه (ص35) التعليق رقم (2) . ( 63 ) : رواه ابن أبي شيبة (3/92) وعبد الرزاق (4/363) بسند صحيح . والمراد من قوله : ( استأنف ) أي أعاد اعتكافه ) . |
| الساعة الآن 05:38 |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات دفاتر © 1434- 2012 جميع المشاركات والمواضيع في منتدى دفاتر لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة المنتدى بل تمثل وجهة نظر كاتبها