![]() |
التعليم المنزلي: عودة الظاهرة وتناميها في العديد من الدول
التعليم المنزلي عودة الظاهرة وتناميها في العديد من الدول ثمة العديد من التساؤلات التي تنشأ على هامش عودة قضية التعليم المنزلي إلى السطح؛ ابتداء من الاحترازات الدينية والثقافية والأخلاقية لدى البعض من الأفراد والجماعات، وانتهاء برغبة بعض أولياء الأمور في تشكيل أجيال جديدة ضد أنماط التماثل التي تفرضها طبيعة التعليم النظامي في مختلف أنحاء العالم. وإذا كانت احتمالات السلب والإيجاب في مخرجات هذا النمط من التعليم ترتبط بالكثير من الحيثيات والتصورات والمدارس النظرية، فإن عودة هذا النمط من التعليم مرة أخرى، لاسيما في الولايات المتحدة التي تسمح تشريعاتها الفدرالية بمرونة واسعة في هذا الصدد مع بعض الضوابط والاشتراطات؛ تفرض على المهتمين بالشأن التربوي في العالم العربي تحديات كثيرة في مواجهته كظاهرة سهلت من بروزها العديد من آليات التواصل التقنية على مستوى وسائط التعليم : الإنترنت والتعلم عن بعد من ناحية، وتدني مستويات النظام التعليمي في بعض الدول من ناحية أخرى بالإضافة إلى تفشي العديد من الظواهر وأنماط السلوك المتصلة ببعض العادات السيئة بين الطلاب في بعض البلدان. ولأن للقضية زوايا مختلفة منها التربوي والديني والأخلاقي والفلسفي والسياسي، فإن الكثير من تجلياتها تستدعي بالضرورة جدلاً تربويًا على مستوى التشريعات التعليمية ومنهجيات رصد نمط الأداء التعليمي في نظام التعليم المنزلي. في هذا الملف نستعرض بعض وجوه قضية (التعليم المنزلي) ونكشف عن شيء من جوانبها المتصلة بالحدود والتشريعات المنظمة لظاهرة التعليم المنزلي في العديد من البلدان مثل الولايات المتحدة والدول الأوربية. إذ بين الولايات المتحدة التي تسمح تشريعاتها الفدرالية بمرونة واسعة في حرية التعليم المنزلي مع الضوابط المنهجية والتشريعية المصاحبة؛ وألمانيا التي تحظر هذا النمط من التعليم حظرًا مشددًا، تتراوح العديد من البلدان في تشريعاتها حيال التعليم المنزلي. بيد أن المؤكد هو البحث عن سبل مختلفة لإيجاد خيوط في تلك التشريعات تربط بين منظومة التعليم الحكومي، وطبيعة التعليم المنزلي بالعديد من القواسم المشتركة في العملية التعليمية. والسؤال الذي يطرح نفسه: هل ستشكل عودة الظاهرة مرة أخرى تحديًا للنمط التعليمي المدرسي ومؤسساته الحكومية، أم أنها تمثل ردود فعل طبيعية تنامت مصاحبة لتطور وسائل التقنية الحديثة، دون أن تفرز بالضرورة نمطًا آخر من التعليم؟ جدل التعليم المنزلي في مدارسهم.. أم في منازلهم؟ مـا بين مؤيد ومعارض، يظل التعليم المنزلي يراوح مكانه، ويبدو أنه سيظل كذلك لسنوات قادمة، برغم أنه هو الأصل في تاريخ التعليم، حين لم يكن للمدارس النظامية وجود. وإذا كان المدافعون عنه لهم حججهم القوية، فإن جعبة المهاجمين له لا تخلو من أسلحة المبررات، ومن ثم يتحدد قبوله أو رفضه، على مستوى الدول، وفقــًا للاتجاهات والمتطلبات التعليمية في كل دولة، بل كل مقاطعة أو ولاية أو محافظة داخل الدولة الواحدة، بما يحقق في النهاية الصالح العام. بقلم : حازم حسني مجلة المعرفة - دجنبر 2012 في أبسط تعريف له ، فإن التعليم المنزلي home schooling، هو تعليم الأطفال في المنازل ، بدلاً من المدارس، وعادة ما يتم من قبل الوالدين، وإن كان في بعض الأحيان يعهد إلى معلمين موثوق بهم، القيام بهذه المهمة.. وهو فكرة ليست مستحدثة، بل طبقت في الحضارات القديمة.. وخلال السنوات الماضية، استفاد هذا النوع من التعليم، وبشكل كبير، من معطيات التقانة، والبرمجيات التعليمية الميسرة للدراسة، وكذا من الخدمات التي توفـرها شبكة الإنترنت..ويخطئ من يظن أنه تعليم عشوائي، حيث إن الدول التي تعتمده قانونيــًا، تضع له اشتراطات ومعايير محددة، يجب على أولياء الأمور الالتزام بها، منها التسجيل والمتابعة والتقويم، وثمة عوامل رئيسة، يجب مراعاتها والعمل في إطارها، لكي يؤتي التعليم المنزلي ثماره المرجوة، من أهمها: · توفير الكتب الدراسية، والأدوات الأساسية، مثل الأقلام والكشاكيل وأدوات الرسم والتصميم ونحوها. · وجود جهاز حاسوب، مجهز بالبرمجيات التعليمية المناسبة، مع إمكانية توصيله بالإنترنت عند الحاجة. · تهيئة مكان المذاكرة، بحيث يكون هادئــًا ومريحــًا. · إعطاء الوقت المناسب للمذاكرة لهم، الذي يكون فيه الذهن والنفس مستعدين للتلقي والفهم والحفظ، إذا كان ثمة نصوص مقرر حفظها. · إعداد جدول أشبه بجدول الحصص المدرسية، بحيث يكون منظمـًا للتعامل مع المواد الدراسية المتعددة والمتنوعة، ويفضل أن يوضع جدول للشهر، يتفرع منه جدول الأسبوع، ومن ثم جدول يومي. · أن يكون بدء اليوم الدراسي، بالمواد التي يحبونها، حتى ينشطوا نفسيـًا وذهنيـًا، ويتشجعوا ويتفاعلوا مع دروسهم. · ضرورة إعطاء فسحة من الوقت للراحة والاسترخاء، بحسب حالة المتعلم، ويمنح إجازة أسبوعية، للترفيه عنه، من خلال رحلة خلوية، أو نـزهة ترفيهية في الحدائق ونحوها. · التفاعل الجيد مع المتعلم، من خلال استخدام الوسائل المتنوعة، كالقصة، وضرب الأمثال، التي تخدم المادة التعليمية. الـمـؤيـدون..لـلـتـعـلـيــم الـمـنـزلــي والتعليم المنزلي، من وجهة نظر المؤيدون له، يحقق الكثير من الفوائد، يمكن إبراز أهمها في النقاط التالية: - يحقق مبدأ حرية التعليم، ويساهم في تسهيل حصول الإنسان على العلم والمعرفة، دون الارتباط بقيود المكان والزمان. - يعزز دور الأسرة، ويدعم مساهمتها الفاعلة، في بناء المواطن الصالح، ويوفــر فرصة لتأكيد عدد من القيم والأعراف لدي الأسرة، وغرسها في نفوس أبنائها. -القضاء على المعاناة، التي يتعرض لها الأطفال، جراء انتقالهم اليومي إلى مواقع الدراسة. - يعطي خيارات واسعة، للرغبة في الدراسة، وإتاحة التوقيت المناسب. - ترسيخ مبدأ الاعتماد على الذات، والتعليم عن بعد. - اكتشاف المواهب بسهولة، ومن ثم إتاحة الفرصة أمامها، والتشجيع على تنميتها، في مختلف العلوم والفنون. - إتاحة فرص التعلم أمام ذوي الإعاقة، وتمكينهم من اللحاق بأقرانهم. - تـساهم بشكل كبير في الحد من ظاهرة محو الأمية، التي مازالت تـعاني منها كثير من المناطق النائية، في بلدان العالم النامي. - تخفيض كلفة التعليم الأساسي. - توسيع دائرة العلم والمعرفة للجميع. - يساهم في الحد من إشكاليات زملاء السوء، والضغط النفسي، وتفادي التأثيرات التي يمكن أن يقع فيها المتعلم من السلوكيات الخاطئة، أو التدخين، ونحو ذلك. وفي كتابه «دولة الرفاهية..لا رحمة للطبقة المتوسطة»، يقول جويل تورتبل، محلل السياسة التعليمية «عندما يجبر الأطفال على دراسة مناهج تـصيبهم بالملل، فإنهم يتعلمون فقط أن يكرهوا التعليم، إن بنيامين فرانكلين وجورج واشنطون وتوماس أديسون ومارك توين، قد ذهب كل منهم إلى المدرسة الرسمية، لمدة أقل من عامين اثنين فحسب، بينما تعلموا جميعــًا تعليمـًا منزليـًا، على أيدي آبائهم، أو تعلموا ذاتيــًا، بعد أن عرفوا مبادئ القراءة»..وفي نفس الإطار ، يشير د . جون جاتو ، في كتابه «هل نحن أغبياء؟!»، إلى أن معظم الأطفال «يمكنهم أن يتعلموا القراءة والكتابة، والعمليات الحسابية الأساسية في100ساعة فحسب من الدراسة المركزة، هذا بينما نجعل أطفالنا في المدارس12عامــًا، ليتعلموا القراءة بالكاد، وأنه إذا قدر الآباء أعمار أبنائهم، ونجاحهم المستقبلي في الحياة، توجب عليهم حينئذ الالتجاء إلى التعليم المنزلي» . وكانت دراسة استطلاعية حديثة، قد أفضت إلى أن «ثلاثة أخماس الآباء في بريطانيا، لم يعودوا يثقون في التعليم المدرسي، وعبر 31% ممن شملهم الاستطلاع، عن رغبتهم في أخذ أطفالهم من نظام التعليم المدرسي، للتعليم المنزلي في وقت ما من حياتهم، وكشف 34% ممن يفضـلون التعليم المنزلي، أن ذلك يعود بالأساس إلى خوفهم في انتشار المخدرات، بينما 26% بسبب الجريمة والعنف المتزايد وبعض النعرات الطائفية والعنصرية، و17% بسبب نفقات المعيشة، و12% بسبب ما أسموه «رداءة التعليم». وكانت شبكة CNN، قد عرضت تقريرًا حول أهمية التعليم المنزلي، في الولايات المتحدة الأمريكية، متضمنــًا تجربة طبيبة أطفال تدعى بيثاني جاردنر، التي أخذت بخيار التعليم المنزلي لأبنائها، ومما ذكرته في تجربتها: «كنت من مخرجات المدارس الحكومية، وأعتقد أن النظام التعليمي التقليدي كان جيدًا، ولكوني طبيبة أطفال، فإنني أستمع كثيرًا إلى كلام الأطفال المرضى، وكذا أستمع إلى آبائهم، وقد تنبهت إلى موضوع كان يتكرر مرات عديدة من مختلف العائلات، لقد كانوا يشكون من الإرهاق في ظل الحياة المتسارعة، ومن حالة العبثية، التي تجعلهم يشعرون وكأنهم مجبرون ليضعوا سقف توقعات معينة لحياتهم، التي لم يستطيعوا التماشي معها، فمنهم من كان يناضل في وجه نظام تعليمي يعاقب الأطفال المرضى، الذين تغيبوا عن حصص كثيرة، ومنهم من كان يحاول أن يتحدى مشكلة شعور الطلاب بالملل داخل الحصة، وآراء حول تشخيص حالات عدم التركيز، وهموم حول المهام الوظيفية أو الأعمال الأخرى، التي كانت تأخذ من اللحظات العائلية، وغيرها من الهموم والمشاعر، التي انتقلت من الآباء إلى أبنائهم، كنت كلما أتأمل هذه الحقائق، أجد نفسي وقد بدأت أفقد نمط الحياة، الذي يتمحور حول العائلة، وأحاول جاهدة الموازنة بين الحياة المهنية والعائلية. لقد أدركت أنه لكي يكون لي تأثير على عائلتي وأطفالي، بأكثر طريقة إيجابية ممكنة، فإنني أحتاج إلى التحكم بعملية تعليم أبنائي، بما يلبي احتياجاتهم، واحتياجات بقية أفراد العائلة، فاستطعت أن أعلمهم حب التعليم، وهذا شيء مفقود لدى كثير ممن يدرسون في المدارس التقليدية، وفي حين كنت أقوم بتلبية حاجات أطفالي، استطعت أيضـًا أن أحسن حياتي العائلية، إذ ازداد وقت اهتمامي بشؤونها»، ورغم أن بيثاني جاردنر، تؤكد انجذابها إلى فكرة التعليم المنزلي بفوائدها، إلا أنها أبدت بعض القلق، حيث قالت: «قد تكون غير متدربــ، لتكون معلمــًا، أو صبورًا، أو مبدعـًا في التعليم، وقد تقلق من أن العملية ستأخذ وقتـًا طويلاً، بما يعيق استمرارك في إنجاز أعمالك الأخرى». الـمعـارضـون..لـلـتـعـلـيــم الـمـنـزلــي · أن التعليم المنزلي، يجعل الطالب بمعزل عن المجتمع، ويضعف قدرته على الاستعداد للحياة الواقعية، التي ملؤها المواقف والتجارب المتباينة، بين الإيجابية والسلبية، فالأبناء الذين يمارسون التعليم المنزلي، عادة ما يقتصر تفاعلهم الاجتماعي، على جماعات بعينها، تتشابه في قيمها وأسلوب حياتها، وهذا الأمر - بحسب غير واحد من كبار خبراء التربية الحديثة - لا يؤهـل الأبناء للتفاعل مع الحياة الواقعية، بكل ما فيها من تناقضات، على نحو جيد. · الحرية الزائدة، التي تمنحها عائلات التعليم المنزلي، يمكن أن تؤثـر على سير العملية التعليمية للأبناء، خاصة في حال اختلال الالتزام والكفاءة التعليمية، من قبل الوالدين. · يفتقر أبناء التعليم المنزلي إلى الفصل الدراسي، ومن ثم يحرمون الاستفادة من الكم الكبير من المعطيات والتعليقات والأفكار والتوجهات، التي يطرحها أقرانهم في الفصل، وهذه - كما أفضت نتائج دراسات تربوية متقدمة - لها أثر كبير في مساعدة التلاميذ على التفكير بأساليب مختلفة، في القضايا التي تـثار أمامهم. · التعليم المنزلي يضعف قدرة الأبناء، عند العمل تحت ضغط، ويقلل قدرتهم على تحمل المسؤولية. · الافتقار إلى الموارد، التي تتمتع بها المدارس، مثل المنشآت الرياضية، والرحلات الجماعية، والمعدات والأجهزة التعليمية، والخبراء المدربين في مختلف النواحي التعليمية. وإذا كان لنا كلمة، نختتم بها،فإننا نؤكد: أنه مخطئ من يظن أن ثمة منافسة، أو مبارزة، بين التعليم المدرسي والتعليم المنزلي، حيث إنه في ظل النـظم التعليمية الحديثة، صارت المدرسة أصلاً في التعليم، ويأتي التعليم المنزلي ليكمل ويدعم هذا الأصل، فلا انفصال بين المدرسة والبيت، في تعليم الأبناء على نحو أفضل . التعليم المنزلي في الولايات المتحدة الأمريكية فكرة قديمة عاودت الظهور الكاتبة: باتريشا م. لاينز - ترجمة : ديمة المقرن مجلة المعرفة - دجنبر 2012 أصبح التعليم المنزلي أحد أهم الظواهر الاجتماعية خلال نصف القرن الماضي. ويمثل عودة ظهور ممارسة قديمة لأسباب حديثة وهي انتزاع السيطرة من مؤسسات التعليم البيروقراطية وإعادة تأسيس الأسرة بوصفها مركزًا أساسيًا لتعلم الطفل. ويبقى التعليم المنزلي دائمًا مسألة اختيار فالمدارس موجودة ولكن الأسر التي تطبق التعليم المنزلي تختار عدم اللجوء إليها. شكَّل النمو السريع لحركة التعليم المنزلي مفاجأة لمؤسسة التعليم الرسمي, حيث بلغ عدد الأطفال الذين يتلقون التعليم المنزلي 50 ألفًا في عام 1985, وحقق العدد ارتفاعًا يتراوح بين 250 إلى 355 ألف طفل بحلول عام1990 ليصل مع بدايات القرن الـ21 لما يتجاوز 750 ألفا، واعتمدت في ذلك الوقت على ثلاثة مصادر مختلفة وهي: بيانات وكالات التعليم الحكومي, وتوزيع مجموعات مناهج للتعليم المنزلي, وتقديرات جمعيات التعليم المنزلي الحكومية لعدد مؤيديها, وعندما أصبحت بيانات الدولة أكثر موثوقية اكتفيت بهذا المصدر وحده, وواصل العدد النمو كما بدأ النقاد في الاستشهاد بتقديراتي. مازالت الأرقام تحقق ارتفاعًا مستمرًا, وإن كانت معلومات الولايات الموثوقة هي مؤشرات جيدة لبقية الدولة فإن عدد الطلاب الخاضعين للتعليم المنزلي تضاعف ثلاث مرات خلال السنوات الخمس حيث كان هناك على أفضل تقدير حوالي مليون طالب في التعليم المنزلي. وهناك عدة أدلة مثل الدراسة المسحية السنوية في فلوريدا عن الطلاب المسجلين في التعليم المنزلي تثبت أن العدد يزداد بنسة 15 إلى 20% سنويًا. ولا أعرف أي ولاية ينخفض فيها العدد, ومن الصعب التكهن بوقت يبدأ فيه هذا المد بالانحسار, وإن واصل الرقم الارتفاع بنفس المعدل فسيكون هناك نحو مليون ونصف إلى مليوني طفل في التعليم المنزلي بحلول عام 2015 (حوالي 3 إلى 4 بالمئة من الطلاب بعمر الدراسة على مستوى الدولة). ولعدة أسباب مختلفة فقد الآباء ثقتهم في الفصول الدراسية الأمريكية, وأصبح التعليم المنزلي بديلًا مهمًا ومتناميًا. مقارنة بين تعليمين كانت المدارس الخاصة عادة ملاذًا للمعارضين لمناهج المدارس العامة, لذلك جاء وقع منافسة التعليم المنزلي أشد وطأة عليها من المدارس العامة, وتشير استطلاعات الرأي إلى أن عددًا متفاوتًا من الأطفال الذين توجهوا للمدارس بعد أن كانوا يخضعون للتعليم المنزلي التحقوا بمدارس خاصة. وقد بدأت حركة التعلم الحر التي نشطت في المدارس الخاصة خلال ستينيات القرن الماضي بالتراجع بعد أن توجه العديد من طلابها إلى الجانب الليبرالي لحركة التعليم المنزلي أو إلى مدارس التعليم العام التي تقدم برامج اختيارية متنوعة. كما فقدت المدارس المسيحية التي نشأت في التسعينيات بعضًا من طلابها بسبب توجههم إلى التعليم المنزلي, لكن منحنى نموها ظل إيجابيًا بما يكفي لتبقى قوية, وهذه المدارس تنافس أيضًا في مضمار لا يمكن للمدارس العامة الركض فيه وهو التعليم الديني. ومع ذلك في حين يتوقع المرء تطور التعليم الخاص فإنه يسير على وتيرة واحدة, ليمنح التعليم المنزلي فرصة تعويض هذا الركود. بدأت حركة التعليم المنزلي المعاصرة في منتصف القرن الماضي بوصفها بديلًا متحررًا لا محافظًا عن المدارس العامة. وقليل من الأسر لا يتعدى عددها 10آلاف في أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات رأت أن المدارس شديدة المحافظة, واتبعوا بالمقابل فلسفة ليبرالية للتعليم كالتي نادى بها تربويون مثل الراحل جون هولت الذي اعتقد أن أفضل طريقة للتعلم تحدث دون وجود منهج متبع, وأنه ينبغي أن يمارس الطفل اهتماماته الخاصة بدعم وتشجيع من الوالدين وغيرهما من البالغين. وفي الثمانينيات مع جنوح ثقافة المدرسة إلى اليسار وجدت العائلات الدينية والمحافظة نفسها كثقافة مضادة وتحول العديد منها إلى المدارس المسيحية بينما بدأ آخرون في التعليم المنزلي. حيث يؤمن البعض أن تعليم الأبناء واجب ديني, بينما سعى الآخرون إلى الدمج بين الدين والتعليم والحياة الأسرية. وتنشط حركة التعليم المنزلي اليوم لدى اليمين واليسار على حد سواء, فقد اتخذ عديد من الأسر هذا الخيار لأسباب دينية وفلسفية, كما انضم إليهم عدد آخر من الأسر التي اختارت التعليم المنزلي لسبب بسيط وهو طلب مستوى أعلى من التعليم لم تعد المدارس العامة والخاصة قادرة على توفيره. فكرة قديمة التعليم المنزلي ليس فكرة أو ممارسة جديدة, فقد تعلم الأطفال منذ قرون خارج مقاعد المدرسة, حتى عندما كانت المدارس متاحة بسهولة. وقد رفض العديد من المفكرين من مختلف المدارس الفلسفية التعليم الرسمي لعدد من الأسباب, منهم على سبيل المثال جون لوك الذي أصر على أن الهدف الأساسي من التعليم هو الفضيلة وأن المنزل هو أفضل مكان لتعليمها. حتى جون ديوي عبر عن أسفه على حال التعليم الرسمي وقال: المجتمع هو مجموعة من الناس يعيشون معا لأنهم يعملون على أسس مشتركة, وتربطهم روح مشتركة وأهداف مشتركة... والسبب الجذري لعجز المدرسة الحالية عن تنظيم نفسها كوحدة اجتماعية طبيعية هو غياب عنصر النشاط المشترك المثمر. ديوي يرى أن المدرسة فصلت نفسها عن المجتمع, وانعزلت عن الظروف والدوافع العادية للحياة فكانت المكان الوحيد في العالم الذي يصعب أن تحصل فيه على الخبرة. وأشار إلى أنه متى ما كان الوالد ذكيًا بصورة كافية لمعرفة ما هو أفضل لطفله وقادرًا على توفير ما يحتاجه سنجد أن الطفل يتعلم. لكن ديوي لم ينادي بالتعليم المنزلي بل أمل عوضًا عن ذلك أن يتم محاكاة البيئة المنزلية لتأسيس مدرسة مثالية. ويعتقد أنه يمكن أن يتم التعليم في المنزل لكن بصورة عشوائية ضعيفة مقارنة بالمدارس. في حين أنه لو كان عليه الاختيار بين التعليم المنزلي أو النظام المدرسي الجامد الذي يركز على تلقين المعلومات الضرورية فقد يوصي بالتعليم المنزلي. وكثيرًا ما ننسى أن التعليم العالمي الإجباري الشامل ليس إلا ابتكارًا حديثًا نسبيًا. فلم تأمر المجالس التشريعية للدولة حكومات الولايات ببناء المدارس وأولياء الأمور بتسجيل أبنائهم فيها إلا بحلول القرن التاسع عشر. وحتى في ذلك الحين كان التعليم الإجباري يمتد لبضعة أشهر في السنة فقط. ولم يصبح التخرج من المدارس الثانوية هدفًا واقعيًا قبل منتصف القرن العشرين, وتستمر اليوم بعض المجتمعات التقليدية مثل السبتيين والمورمون والأميش في إبقاء الأطفال بعمر المدرسة في المنزل. ولم نبدأ سوى منذ عهد قريب في التعامل مع التدريس كعمل يحتاج إلى تفرغ ويوكل إلى معلمين مهنيين. وفي فترة وجيزة من الزمن بدأ معظم أفراد الدولة بقبول أن التعليم في الفصول الدراسي هو الأساس, فجاء وقع النمو السريع في حركة التعليم المنزلي كالمفاجأة. قبل ثلاثة إلى أربعة عقود مضت كان التعليم المنزلي ممارسة مرفوضة ولا تحقق متطلبات التعليم الإلزامي في معظم الولايات, وقد بدأ الرواد الأوائل للحركة المعاصرة بالخفاء وكانوا يدفعون الغرامات حين يتم اكتشافهم وكثيرًا ما تعرضوا للسجن. وبالتدريج غيرت المجالس التشريعية قوانينها حتى أصبح التعليم المنزلي مقبولًا في جميع الولايات من الناحية القانونية كبديل للتعليم العام. ومع ذلك تتفاوت القوانين من ولاية لأخرى ولكن يجب على الأسرة على أقل تقدير أن ترسل المعلومات الأساسية إلى الولاية أو إدارة التعليم المحلية. وبعض الولايات تضع متطلبات إضافية مثل تقييم الطلاب الذين يدرسون في المنزل أو تقييم الحد الأدنى من المستويات التعليمية, أو اختبار الشخص الذي يقوم بالتعليم المنزلي. رغم ذلك مازال العديد من الأسر يمارسون التعليم المنزلي سرًا خوفًا من تغير البيئة القانونية مرة أخرى أو لمخالفهتم بعض الأنظمة. لمحة عن التعليم المنزلي تتمثل الصعوبة الحقيقية في الحكم على حركة التعليم المنزلي في محدودية البيانات ونقصها, فليس هناك قائمة نهائية بجميع طلاب التعليم المنزلي, لذلك يعتمد الباحثون عادة على عدد محدود من الأسئلة في استطلاع ترعاه الحكومة الفيدرالية أو على عينات محدودة, وفي حال الاعتماد على قوائم العينات فإنها تمثل مجموعات يتم اختيارها شخصيا من أعضاء جمعيات التعليم المنزلي, والعائلات التي قدمت أوراقها للولاية في الولايات التي تتطلب ذلك, والمشتركين في مجلات ونشرات التعليم المنزلي. لكن بعض العائلات ترفض الرد على بعض الاستطلاعات المحددة مثل أن تتحفظ عائلة مرتابة على الإجابة عن استطلاع حكومي بينما تجيب على استطلاع تقوم به إحدى جمعيات التعليم المنزلي. أو أن ترفض عائلة علمانية الرد على استطلاع له علاقة بجامعة دينية. ويصبح الأمر أكثر صعوبة لأن فلسفة عدد كبير من العائلات التي تطبق التعليم المنزلي تخالف التعاون مع الباحثين. لكن رغم كل هذه الصعوبات لايزال من الممكن الخروج ببعض الملاحظات الهامة حول الحركة. فوفقًا لاستطلاعات الرأي فإن الأسر التي تختار التعليم المنزلي عادة ما تكون أسرا متدينة ومحافظة من العرق الأبيض وذات دخل متوسط وأفضل تعليمًا من عامة السكان. كما تميل الأسر لأن تكون ثنائية الأبوين وعادة ما يكون لديها طفلان بعمر الدراسة يحصلون على التعليم المنزلي, وطفل ثالث أصغر سنًا. وتكون الأم في الغالب هي التي تتحمل الجزء الأكبر من مسؤولية التدريس رغم اشتراك الأب, وفي عدد كبير من الأسر يصل إلى واحدة من كل عشرة أسر يلعب الأب الدور الأساسي في مهمة التدريس. وبغض النظر عن السائد في هذه اللمحة العامة فإن من الواضح أن جميع العائلات الأمريكية تحاول تطبيق التعليم المنزلي أو تفكر به كخيار. النمو المستقبلي قد يحدث بوتيرة أسرع بين الأقليات العرقية, ورغم أن الأمريكان من أصل إفريقي وغيرهم من الفئات ذات الأصول غير القوقازية لم يمثلوا نسبة كبيرة من الأسر التي تطبق التعليم المنزلي، إلا أن الجيل القادم من الأقليات يفكر بالموضوع بجدية أكبر. ففي دراسة أجريت على فئات محددة في جامعة فاندربيلت وكلية ناشفيل للتقنية (جامعة انتقائية خاصة, وكلية بنظام السنتين) قال حوالي45,5% من الطلاب الأمريكان من أصل إفريقي «نعم» أو «ربما» عندما سئلوا إن كانوا سيعلمون أطفالهم في المنزل في المستقبل. ومن بين الفئات غير القوقازية الأخرى كانت إجابة الثلثين «نعم» أو «ربما», بينما مادون الربع من الطلاب البيض أجابوا بالمثل. ومع أن الدراسة صغيرة(شملت 254 طالبًا) وغير عشوائية إذ مثلت طلابًا من الفئات التي يدرسها الباحثون إلا أن النتائج كانت مذهلة. وربما سيجد التربويون في التعليم العام والذين يعتمدون على ولاء الأقليات العرقية باعتبارها العمود الفقري للعملاء في المدن الكبرى مفاجأة أخرى. المنهج في حين أن كلًا من الأسباب التقدمية والدينية للتعليم المنزلي تظل مهمة إلا أن أغلبية الأسر تتجه إليه لعدم رضاها عن جودة التعليم في المدارس العامة. فعلى سبيل المثال أوضح استطلاع للرأي أرسلته إدارة التعليم بولاية فلوريدا للأسر التي تدرس أبناءها في المنزل خلال عقد من الزمان, أن غالبية العائلات ذكرت الدين كسبب أساسي لاختيار التعليم المنزلي. وتغير هذا في السنوات الأخيرة عندما وللمرة الأولى أصبح السبب الأهم لاختيار التعليم المنزلي هو عدم الرضا عن البرامج التعليمية في المدارس العامة, وفي العام الأخير من الاستطلاع ذكر العدد الأكبر من الأسر أن عدم الرضا عن بيئة التعليم العام وخاصة الأمان والمخدرات وأصدقاء السوء هو السبب الرئيسي. الصورة النمطية للتعليم المنزلي في الإعلام هي أطفال يبدؤون يومهم بالصلاة ثم يلتفون حول طاولة المطبخ لتلقي دروس منظمة. وهذه الصورة ليست خاطئة وحسب بل تغفل عن تقديم الصورة الكاملة لجميع الممارسات. فمعظم طلاب التعليم المنزلي يقضون وقتهم في المتاحف والمكتبات والمصانع ودور الرعاية والكنائس ويحضرون دروسًا تقدم في مدارس التعليم العام أو كليات المجتمع أو إدارات المنتزهات وغيرها من الأماكن. وفي العادة يخطط الوالدان البرنامج التعليمي وينفذانه, وفي بعض الأحيان يوكلان المهمة إلى معلم خاص أو يتيحون للأطفال الكبار تنظيم برنامجهم التعليمي الخاص. وقد يكون التعليم منظمًا أو حرًا, كما قد يكون تابعًا لمدرسة خاصة أو عامة, وكثيرًا ما يشتمل على دروس مشتركة مع أسر التعليم المنزلي الأخرى. رؤية نقدية يسلط النقاد أحيانًا الضوء على قلة المصادر التعليمية المتاحة للتعليم المنزلي. لكن في جميع الأحوال يمكن للآباء العثور عليها من خلال مجموعات الدعم التي يتم خلالها تبادل الخبرات وتنظيم الأنشطة المشتركة, ومساعدة الجدد على البدء. وكذلك جمعيات التعليم المنزلي التي تقدم النصح والمعلومات, وتنظم المؤتمرات في القضايا القانونية والفلسفية والتربوية, كما تراجع المواد التعليمية في أجنحة المعارض بالإضافة إلى مجموعات النقاش الإلكترونية الكثيرة المتخصصة في التعليم المنزلي. كما يمكن للآباء الحصول على الإرشاد من الكتب والمجلات والنشرات الدورية في مواضيع تتنوع بين القضايا القانونية وصعوبات التعلم وسبل تجنب الإرهاق. وتعكس المصادر أيضًا التنوع الفلسفي والتربوي للآباء الذين يمارسون التعليم المنزلي، حيث توفر مجلة درينكينغ غارد قراءات للكتب التي تتناول التنوع الثقافي والعرقي. وتنشر صحيفة ناثان نيوز التي تصدر عن شبكة صعوبات التعليم المنزلي الوطنية المتحدة مقالات يكتبها آباء وخبراء حول مواضيع مثل استراتيجيات وأنشطة الذاكرة السمعية, وتصميم برامج خاصة لذوي صعوبات التعلم, وطريقتي في البدء. كما يجد الآباء النصح والنصوص والخدمات والمناهج من المدارس العامة الخاصة وغيرها من المؤسسات. ففي ألاسكا درس الطلاب على مدى عقود من خلال التعليم بالمراسلة. وفي كاليفورنيا يمكن للطالب الانضمام لبرنامج الدراسة المستقلة في المدارس العامة ولكن تعتمد دراسته على المنزل (لاتحب الولاية تسمية هذا النوع بالتعليم المنزلي). وتعطي بعض الولايات مثل واشنطن وأيوا الأسر الحق في ضم أبنائها لفصول المدرسة بشكل جزئي وتسمح للمدرسة برفع طلب بحصول الطالب على دعم الدولة للالتحاق. بعض المدارس ترعى مراكز تحصل فيها الأسر على المصادر التعليمية والدعم التعليمي والدروس. وعادة ما يبدأ المعلمون المهتمون أو غيرهم من المهنيين في المدارس العامة بالدخول في هذه الشراكة التجريبية, ولا يمكن في الوقت الحاضر تقييم هذه البرامج لأنها حديثة ومتنوعة لكن كلا الطرفين المشتركين من معلمين وآباء يبدون حماسًا حول الإمكانات. تقرير الطالب الدراسي عندما يسأل الناس كيف يبلي الطلاب في التعليم المنزلي. فهم يريدون معرفة نتائج الاختبارات. وبالطبع يرفض الكثير من الآباء في التعليم المنزلي هذا المعيار لأن مهمتهم ليست تعليم المهارات ببساطة بل نقل مجموعة من القيم المحددة. وتشير كل بيانات التقارير إلى أن طلاب التعليم المنزلي يحققون نتائج أعلى من المتوسط وأحيانًا أعلى بكثير. وقد يؤثر الاختيار الذاتي للعينة على هذه النتيجة كما قد يؤثر على بقية جوانب البحث حول التعليم المنزلي. وحتى في حال كانت قوانين الولاية تتطلب الخضوع لاختبار فإن أعدادا كبيرة من الطلاب لا تمتثل لها. لكن الأدلة المتاحة تشير إلى نجاح ثابت, فعلى سبيل المثال وجدت ولاية ألاسكا التي استمرت باختبار طلاب التعليم المنزلي لعقود أن الطلاب بشكل عام يحققون درجات أعلى من المتوسط. وفي دراسة مختلفة أجريت بتكليف من جمعية الدفاع القانوني عن التعليم المنزلي قام لورانسس رودنر من جامعة ماريلاند بجمع وتحليل نتائج أكثر من 12ألف طالب ممن استخدموا خدمات الاختبار بجامعة بوب جونز من مختلف أنحاء الدولة, واحتل طلاب التعليم المنزلي مرتبة بين 62 و91 ضمن المعايير الوطنية, اعتمادًا على مستوى الدرجات ومجالات الاختبارات. وبالطبع لا نعرف كيف سيبلي هؤلاء الأطفال لو كانوا في المدارس، لكن ليس هناك دليل واحد يشير إلى أن التعليم المنزلي يضر بالتقدم الأكاديمي للطلاب. وأشار عدد من الدراسات إلى أن التحصيل العلمي لطلاب التعليم المنزلي لا علاقة له بالمستوى التعليمي للوالدين اللذين يقومان بالتدريس. وهذا يتفق مع دراسات التدريس الخصوصي التي تذكر أن مستوى المدرس الخصوصي ليس له تأثير واضح على مستوى التحصيل الأكاديمي للطالب الذي يقوم بتدريسه. وأحد التفسيرات لذلك هو أن مزايا التدريس الفردي تفوق مزايا التدريب المهني. كما يحقق طلاب التعليم المنزلي نجاحًا كبيرًا في الحصول على القبول الجامعي, وقد عمل كارل م.بوندي أحد مؤيدي التعليم المنزلي من مينيسوتا على تحديث صفحة ويب تطرح قائمة بأكثر من 900 جامعة وكلية قبلت طلابًا من خريجي التعليم المنزلي. وقبل عدة سنوات اتصلت هاتفيًا بعدد من موظفي القبول لمعرفة كيف يتعاملون مع نماذج طلاب التعليم المنزلي, وأجاب موظفو معهد كاليفورنيا للتقنية وكليات هارفارد رادكيف وجامعة هوارد وجامعة ستانفورد وجامعة تكساس وجامعة ويسكنسون أنه يسعدهم النظر إلى طلبات القبول من خريجي التعليم المنزلي. وأجمع الموظفون على أنهم يقبلون بدرجات اختبارات القبول الموحدة إلى جانب مواد مساندة تصف المواد التي تم دراستها وغيرها من الخبرات ذات العلاقة. ويعتقد البعض أن طلاب التعليم المنزلي المؤهلين تأهيلًا جيدًا يعدون إضافة جيدة للتنوع الطلابي في الجامعة أو الكلية. وقدر معظم الموظفين أنهم قبلوا ما يعادل 1% من طلاب البكالوريوس على هذ الأساس, ويعتقد الكثير منهم أن بعض طلاب التعليم المنزلي تسللوا إلى الجامعة بتقديم وثيقة من مدرسة ثانوية تم الحصول عليها إما ببرامج خاصة أو بالتعليم عن بعد. القيم السائدة كثيرًا ما يثير النقاد ضعف التنشئة الاجتماعية كأبرز أوجه القصور في التعليم المنزلي, لكن هذه الانتقادات تستند إلى افتراضات محددة حول طبيعة التنشئة الاجتماعية السليمة. وفي الحقيقة فإن العديد من الأسر التي تطبق التعليم المنزلي تقلق بشأن القيم السائدة في برامج المدارس العامة وتأثير الأقران السلبي, ويعتقدون أن من الأفضل للطفل أن يقضي وقتا أطول مع البالغين, لكن هذا لا يعني أن يكون طلاب التعليم المنزلي معزولين عن أقرانهم. فهم يشتركون في مجموعات دعم التعليم المنزلي وفي المجموعات الكشفية والكنائس وغيرها من الجمعيات. لا أحد يعرف ما هي الطريقة المثلى للتنشئة الاجتماعية على وجه التحديد, وهناك اختلافات جذرية حول الطرق السليمة لتنشئة الطفل تنشئة صالحة. لكن يمكن للمرء أن يسأل حول عناصر محددة يمكن قياسها في النمو الاجتماعي. على سبيل المثال في دراسة حول المهارات الاجتماعية لطلاب التعليم المنزلي وطلاب التعليم المدرسي كلتا المجموعتين حققتا درجة جيدة ضمن معايير لقياس العدوانية لدى الطفل وموقفه من الاعتماد على الآخرين وقبول الدعم من الآخرين, وتصوره للحدود التي ينبغي اتباعها والعلاقات الداخلية مع أفراد العائلة. وليس مستغربًا أن يحقق طلاب المدارس درجات أعلى نوعا ما في حل المشاكل غير الشخصية مع غيرهم من الأطفال. وفي دراسة أخرى مضبوطة سجل الباحث أشرطة فيديو لسبعين طفلا يحصلون على التعليم المنزلي, وسبعين طفل يدرسون في المدارس خلال وقت اللعب. وشاهد المستشارون المدربون أشرطة الفيديو وقيموا كل طفل على حدة دون معرفة وضع الطفل الدراسي, ووجدوا أن المشاكل السلوكية لدى الأطفال الذين يدرسون في منازلهم أقل. وبالطبع هذا النوع من الدراسات محدود لكن نتائجه تظهر أنه ليس هناك أساس للتشكيك في النمو الاجتماعي للأطفال الذين يدرسون في منازلهم. القبول الشعبي تشير كل الدلائل إلى أن التعليم المنزلي سيبقى, رغم أنه من الصعب تحديد متى سيصل النمو إلى ذروته. فالتشريعات اليوم أصبحت مرنة في جميع الولايات، والمصادر التعليمية صارت متوفرة بسهولة، بقي عامل واحد مهم هو الذي سيسهم في استمرار نمو التعليم المنزلي وهو الدعم الشعبي. ووفقًا لإحدى الدراسات قال 95% من الآباء الذين يطبقون التعليم المنزلي أنهم يريدون أو يحتاجون إلى الدعم من الأسرة والأصدقاء والكنيسة والمجتمع. وفي الثمانينيات الميلادية لم يبد معظم الأمريكيين دعمهم أو تشجيعهم وقال 18% فقط من المشاركين في استطلاع منظمة غالوب السنوي أن حركة التعليم المنزلي «أمر جيد» مقابل 73% ممن قالوا أنه «أمر سيئ», و28% صنفوه «أمرًا جيدًا» مقابل 59% ممن عارضوه. وقفز عدد المؤيدين له إلى 36% بينما انخفضت نسبة المعارضين إلى 57%. وفي استطلاع غالوب نفسه كان من بين الأسئلة الموجهة للآباء: هل ينبغي أن يمتلك الآباء الحق القانوني في تعليم أبنائهم في المنزل؟ وقال معظم المشاركين 53% «نعم» و39% قالوا «لا». وعندما سئلوا إن كانوا يعتقدون أنه على المدارس المنزلية أن تحقق معايير شهادة المعلم كما في المدارس العامة قال 82% «نعم» بينما 12% فقط قالوا «لا», وسأل الاستطلاع أيضًا إذا ما كان ينبغي على العائلات التي تطبق التعليم المنزلي أن تضمن أقل مستوى من الجودة التعليمية قال 88% «نعم». ويتضح أن الميل الشعبي العام يتجه إلى التأييد مادام الأمر منظمًا. لكن أهم العوامل في تحديد مستقبل التعليم المنزلي هو حالة التعليم الخاص والعام. ففي القرن التاسع عشر عندما كانت المدارس بروتستانتية التوجه ظهرت حركة المدارس الكاثوليكية, واليوم مع تحول المدارس إلى العلمانية ظهرت حركة المدارس المسيحية بقوة, واليوم كلتا المدرستين العامة والخاصة تعملان كمؤسسات بيروقراطية صغيرة معتمدة على الخبرة المهنية في معظم جوانب برامجها. وطالما هناك آباء يرفضون الطبيعة البيروقراطية الحالية للمدارس أتوقع أن يزدهر التعليم المنزلي. مواطنون صالحون ويرى النقاد في طلاب التعليم المنزلي أفرادًا انعزاليين وغير ديموقراطيين, ويعتقدون أن التعليم المنزلي ينتهك القيم المثلى للتعليم مثل الالتزام العام الذي يجب امتلاكه ولو جزئيًا من خلال التعاون المتبادل في المجتمع. ولكن هل هذه الصورة دقيقة عن التعليم المنزلي؟ تشير أدلة قوية على أن الغالبية العظمى لأسر التعليم المنزلي أكثر فاعلية في الشؤون المدنية من الأسر التي يتعلم أبناؤها في المدارس. وجد باحثان من جامعة كارولينا الشمالية مستندين على إجابات المشتركين في الدراسة الوطنية للتعليم المنزلي أن الآباء الذين يدرس أبناؤهم في المنزل بالإضافة إلى الأسر التي تختار مدارس خاصة لأبنائها تحتل مراتب أعلى في المشاركة في النشاط المدني من العائلات التي تدخل أبناءها المدارس العامة. وشملت هذه الدراسة المدارس الكاثوليكية وغيرها من المدارس الدينية الخاصة والمدارس العلمانية والتعليم المنزلي، وكانت هذه المجموعات أكثر مشاركة بالتصويت ومساهمة بالمال لأغراض سياسية وتواصلًا مع المسؤولين المنتخبين للتعبير عن آرائهم, حضورًا للمجالس العامة أو المظاهرات, وانضمامًا لمجموعات المجتمع والجمعيات التطوعية. ووجد الباحثان أن هذه النتيجة صحيحة حتى عند مقارنة العائلات التي لها نفس الدخل والعمر والعرق وتكوين الأسرة والمنطقة وعدد ساعات العمل, وتوضح هذه الخصائص بعض أسباب المشاركة المدنية العالية للعائلات التي تختار التعليم المنزلي أو المدارس الخاصة. وهناك العديد من الأدلة التي تشير إلى أن أسر التعليم المنزلي تهتم بالجهود السياسية لإصلاح التعليم بشكل عام, وبالقضايا ذات التأثير المباشر على التعليم المنزلي بشكل خاص. كما أنهم قادرون على العمل السياسي المنظم, فالعديد من المنظمات الوطنية والحكومية قادرة على تحريك مؤيديها متى تعرضت مصالحها للخطر. وربما أشهرها جمعية الدفاع القانوني عن التعليم المنزلي برئاسة مايكل ب. فاريس, التي توظف مجموعة من القانونيين المتخصصين في قانون التعليم المنزلي. وتقوم المؤسسة بمتابعة التطورات في جميع الولايات بشكل روتيني وتبلغ أعضاءها بالحدود القانونية لسلطة موظفي التعليم, وهي على استعداد للمفاوضة والتقاضي عندما تتعرض مصالح أحد أعضائها للتهديد. ويتبع لها المركز الوطني للتعليم المنزلي التي لها برنامج يعمل بقانون من الكونغرس ومزود بنظام اتصالات إلكترونية متطور. وهناك العديد من المنظمات الأخرى مثل مؤسسة كلونلارا للتعليم المنزلي وهي مؤسسة علمانية في ولاية متشيغان وتقدم الدعم لأسر التعليم المنزلي في أنحاء العالم وتقوم بالمثل في دوائرها الانتخابية. كما تقوم مؤسسات الدولة أيضًا بنفس النشاط لذلك فإن الجهود التي تبذل لتمرير لوائح أكثر صرامة أو قوانين تهدد سلطة الوالدين في التعليم المنزلي من المحتمل أن تواجه معارضة منظمة وقوية ودعاوى قضائية أحيانًا. وحتى اليوم نجح مؤيدو التعليم المنزلي بالحصول على عدد من التغييرات السياسية لصالحهم وأبرزها التغييرات في قوانين الدولة للتعليم الإلزامي, كما استعرضوا عضلاتهم السياسية في الكونغرس ففي عام 1994 عرض عضو الكونغرس جورج ميلر تعديلاً طفيفًا على مشروع قانون التعليم الشامل بحيث يطلب من جميع المدارس بما فيها المدارس المنزلية ألا يعمل فيها سوى معلم يحمل شهادة في التدريس, لكن لم يكن هذا العرض صريحا ولم يكن هدفا لأي من أعضاء الكونغرس. وقد حثت جمعية الدفاع القانوني عن التعليم المنزلي أعضاءها على الاتصال بمكاتب الكونغرس الرئيسية وإغراقها بالرسائل والمكالمات الهاتفية. فما كان من ممثلي الكونغرس إلا محاولة تهدئة جماعات ضغط التعليم المنزلي واسترضاؤهم, حيث عرض أعضاء الكونغرس هارولد فورد الابن وديل كيلدي تعديلاً يستبعد التعليم المنزلي صراحة من أي أحكام تشريعية. وخلال المناقشات أشاد ممثلو الكونغرس بالتعليم المنزلي حيث اعترف أحدهم بأنه تلقى تعليمه بالمنزل عندما كان طفلاً وأشار بعضهم بفخر أن أحفاده يحصلون على التعليم المنزلي. وتمت الموافقة على تعديل فورد-كيلدي 424 إلى 1. كما نال التعليم المنزلي تشريعات فيدرالية تضمن المساواة في المعاملة في القروض التعليمية والمنح الفيدرالية للتعليم الجامعي. المستقبل من المبكر القول بأن التعليم المنزلي سيثبت نفسه باعتباره بديلاً رئيسيًا للمدارس الحديثة. لكن هناك بعض الأمور الواضحة: التعليم المنزلي أصبح أكثر شيوعًا ويلاقي القبول على نطاق أوسع, والعائلات الأمريكية من مختلف الأصول تلجأ للتعليم المنزلي لأنها غير راضية عن فلسفة ومحتوى وجودة المدارس الأمريكية, والغالبية العظمى من العائلات التي تطبق التعليم المنزلي ليسوا منعزلين وانفصاليين بل أعضاء فاعلين في المجتمع المدني ويسعون إلى تقدم أمتهم, لكن يريدون تعليم وتنشئة أبنائهم في نفس الوقت. وفي نهاية المطاف قد يساعدون في إلهام التعليم الأمريكي ليبدأ بالتجديد, أو على الأقل الحفاظ على القيم والأفكار الأصيلة داخل المؤسسة التعليمية. |
تتصالح معه الكثير من الدول، والعديد منها يشجعه، ولكن هناك.. حرب ألمانية على التعليم المنزلي!! رغم قدرة دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية على الاتفاق على غالبية القضايا الاقتصادية والسياسية والثقافية، فإن التعليم المنزلي هو أحد المجالات التي تتباين الآراء حولها، بحيث تحاربها ألمانيا بلا هوادة، ولا تتورع عن إصدار حكم بسجن الأهل الذين يفعلون ذلك، وتحرمهم من حق تربية أبنائهم، في حين تتقبلها غالبية دول الاتحاد الأوروبي، بشرط رقابة الدولة على المستوى التعليمي للأبناء، أما الولايات المتحدة فإنها تسمح بها في جميع ولاياتها الخمسين، بل تمنح حق اللجوء السياسي للألمان الذين يريدون توفير هذا النوع من التعليم لأبنائهم. تعليم بلا مدارس يعتقد البعض أن ما تقدمه المدرسة يتضارب مع قناعاته، وهناك بعض أتباع الطوائف الدينية المسيحية، ممن يرون أن تدريس أبنائهم وبناتهم نظرية النشوء والارتقاء لداروين، يتعارض مع فكرة خلق الله للكون، كما يعترضون بشدة على تدريس التربية الجنسية في المدارس، ونشر مفاهيم تتنافى مع العفة، واعتبار أن المثلية الجنسية أمرًا طبيعيًا، ولذلك فإنهم يمنعون أطفالهم من الذهاب إلى المدرسة. وفي المقابل هناك عائلات لا تنطلق من دوافع دينية، بل ترى أن التعليم المدرسي، يسعى إلى إنتاج نماذج متشابهة من البشر، بغض النظر عن الميول والاهتمامات، التي يجري قمعها، بهدف تسوية أية فروق بين الأطفال، وصناعة إنسان ينفع الاقتصاد، ويندمج في الأنظمة السياسية السائدة، ولذلك فإن أولياء الأمور هؤلاء يرون أن تخلص الطفل من التعليم المدرسي، يتيح له فرصة أن يكون هذا الإنسان الذي يتفق مع ذاته. هناك فريق ثالث يرى أن ما تقدمه المدارس من تعليم، لا يرقى إلى طموحاته، فالمعلمون غير مؤهلين بالدرجة التي يتمناها، والمناهج التعليمية دون المستوى -حسب رأيه- كما يرفض المدارس الخاصة، إما لأنها باهظة التكاليف، أو لأنها تتبع طرقًا تربوية أو أيدولوجية مخالفة لتوجهاته، ويصل في النهاية إلى قناعة بأنه لا بديل أمامه، عن إبقاء أطفاله في البيت، وتوفير التعليم الذي يتمناه لهم هناك. فريق آخر يتخذ مثل هذا القرار بسحب أطفاله من المدارس، بعد تعرضهم لمشاكل مع زملائهم، مثل السخرية الدائمة منهم، أو الاعتداءات الجسدية عليهم، وشعور الأهل بأن إدارة المدرسة والنظام التعليمي بأكمله، غير قادر أو غير راغب في حماية أطفالهم من هذه الاعتداءات، التي تتسبب لهم في مشاكل نفسية كبيرة، فيؤثرون الهرب من هذا العذاب لأبنائهم، ويجدون في التعليم المنزلي الملاذ الآمن لهم. وأخيرًا هناك طلاب لا تسمح لهم حالتهم الصحية بالذهاب إلى المدرسة، للإصابة بعاهات كبيرة، لا تستطيع المدارس التعامل معها بصورة مناسبة، أو تكون ظروفهم العائلية غير مستقرة، مثل أطفال العاملين في وظائف تفرض انتقالهم المستمر من منطقة لأخرى، مثل العاملين في السيرك المتنقل أو الأسواق الموسمية أو في التحضير للاحتفالات والمهرجانات. كيفية التدريس في المنزل وهناك من يقرر من البداية الاستعانة بمعلمين مؤهلين، لتدريس أبنائهم وبناتهم في البيت، ويمكن مقارنة ذلك بما يعرف في الدول العربية بالدروس الخصوصية، إلا أن المعلم في حالة التعليم المنزلي، لا يقوم بدور مكمل للمدرسة، بل يكون هو صاحب الدور الأساسي في التعليم، ولكنه لا يتبع لوائح وأنظمة الوزارة، بل يراعي رغبات الأهل، الذين لا يقبلون باستنساخ النظام المدرسي في البيت. البعض يخصص غرفة للتدريس في المنزل، ويضع فيها أثاثًا على شكل صف دراسي، من مقاعد وطاولات، وسبورة وطباشير، ووسائل تعليمية معلقة على جدران الصف، وأخرى للمساعدة على الشرح، ويراعي الجدول الزمني المدرسي، فيبدأ الأطفال يومهم الدراسي، مثل أترابهم في المدرسة، ويلتزمون بنفس عدد الحصص، والاستراحات، وبحضور وغياب، وعلامات على المشاركة، ودفتر تسجيل الدرجات. أما البعض الآخر فيتحرر تمامًا من ذلك الإطار، فيترك الأطفال ينامون فترة أطول، استنادًا إلى دراسات علمية، تشير إلى أن الاستفادة تكون أكبر، إذا بدأ الطفل يومه الدراسي في التاسعة، بدلاً من الثامنة أو حتى السابعة والنصف، كما هو في بعض المدارس، ويحدد الطفل المادة التي يرغب في مذاكرتها، كما يحدد الفترة الزمنية اللازمة لذلك، ومدى الاستعداد للاختبار، وبالتالي تأجيله أو تقديمه. في بعض الحالات يقرر الأهل عودة أطفالهم إلى التعليم المدرسي في المرحلة الثانوية، اعتقادا منهم بأنهم قد وضعوا الأسس الأخلاقية، والفكرية لهم، وبالتالي فإن أطفالهم أصبحوا يتمتعون بمناعة ضد المؤثرات السلبية -برأيهم- من جراء الاختلاط بالمجتمع المدرسي، ويرون أن هذه الخطوة ضرورية حتى يتمكن الأبناء والبنات من الالتحاق بالجامعة، دون صعوبات مستقبلية. نماذج من الغرب ورغم أن الغالبية العظمى من أولياء الأمور تقرر إلحاق أطفالهم بالمدارس، فإن الإحصائيات تتحدث عن مئات الآلاف من الأطفال الذين يدرسون في بيوتهم، في الدول الإسكندنافية، وفرنسا، وبريطانيا. ومن الجدير بالذكر أن هناك دولًا أوروبية مثل أيرلندا وإيطاليا وإسبانيا، تنص في دساتيرها على حرية أولياء الأمور في اختيار طريقة التعليم. ومن الطريف أن دولة مثل إسبانيا التي ينص دستورها على حرية التعليم، بمعنى عدم ضرورة أن يتم التعليم في المدرسة، تفرض على ولي الأمر الحصول على الموافقة بالتعليم المنزلي، وهو ما يتطلب رفع دعوى أمام المحكمة، وكثيرًا ما يكون مصير هذا الطلب الرفض، ويضطر ولي الأمر للجوء إلى محكمة أعلى، حتى يصل إلى هذا الحق الدستوري. أما الدنمارك والنمسا وفنلندا والمملكة المتحدة والنرويج، فإنها لا تضع أي عراقيل أمام التعليم المنزلي، ولا تلزم الأهل بإلحاق أطفالهم بالمدارس، بل بتوفير تعليم مناسب لهم، وتتفاوت هذه الدول في درجات إلزام الأهل بالمنهاج المقرر في المدارس، بل تسمح بعضها بأن تتحقق الأهداف التعليمية، بغض النظر عن الكتب المستخدمة، ودون إلزام بموضوعات بعينها. في السطور التالية يمكن التعرف على الأوضاع في بعض الدول الغربية: بلجيكا وإذا قرر ولي الأمر أن يتعلم أطفاله في المنزل، فإنه مطالب بإبلاغ السلطات التعليمية بذلك، وملزم بأن يكون مستوى التعليم المنزلي مساويًا للتعليم المدرسي، وتقوم إدارة التفتيش التعليمي بإجراء الرقابة على ذلك. الدنمارك إلا أنه من الملاحظ عدم وجود إقبال من الأهل على التعليم المنزلي، وهو الأمر الذي يرجعه الخبراء إلى التنوع الكبير الذي توفره المدارس الخاصة، وعدم وجود مناهج صارمة في المدارس النظامية، مما يتيح الكثير من الحرية للطالب. وتشير الإحصائيات إلى أن حوالي 50 عائلة فقط في جميع أنحاء البلاد، ممن يفضلون تدريس أطفالهم في المنزل. فنلندا وينص الدستور الفنلندي على ما يلي: «وعلى السلطات العامة أن تضمن لكل شخص إمكانية الحصول على التدريس المناسب لقدراته واحتياجاته الخاصة، ليكون تعليمًا أساسيًا له، وحتى يساعده في تطوير قدراته». فرنسا أما العائلات التي لا تتبع دائرة التعليم عن بعد، فإن سلطات التعليم تقوم بزيارة الأطفال في المنزل، بمعدل مرتين في كل عام دراسي، للتأكد من المستوى التعليمي، ومن الحالة الصحية للأطفال. وتشير أحدث الإحصائيات المتوفرة إلى أن هناك حوالي 20000 طفل يدرسون في فرنسا في البيت، وأن هناك زيادة كبيرة في معدلات التعليم المنزلي في الأعوام الأخيرة، حسب تقارير الجمعيات الداعمة للتعليم المنزلي. بريطانيا على أولياء أمور الطفل في سن إلزامية التعليم،الالتزام بأن يحصل الطفل على التعليم الفعَّال، المناسب لعمره وقدراته وميوله، وكل احتياجاته الخاصة، وذلك عن طريق المدرس النظامي، أو عن غير ذلك من الطرق. ولا تلزم السلطات أولياء الأمور بإبلاغها بعدم تسجيل الأطفال في المدارس، ولا توجد رقابة على المستوى التعليمي للأطفال الدارسين في المنزل، ولكن دوائر التعليم تقوم بزيارات منزلية، لأخذ انطباعات عامة عن الأوضاع. في المقابل فإن السلطات الإنجليزية مستعدة لإجبار الطالب على الحضور، بتكليف من أولياء الأمور، وتستند في ذلك إلى العقد الذي وقعه ولي الأمر مع المدرسة، التي قام فيها بتسجيل أطفاله، والذي يجب تنفيذه، مادام ولي الأمر، الذي هو المسؤول عن تعليم أطفاله، راغبًا في ذلك. أيرلندا وقد تأسست دائرة تعليمية جديدة في عام 2000م، يلتزم أولياء الأمور بالرد على أسئلتها، إذا لم يسجلوا أطفالهم في المدارس الحكومية، ويتأكد مسؤولو هذه الدائرة من توفر الحد الأدنى من التعليم في البيت، قبل تسجيل الطفل باعتباره دارسًا في البيت. النمسا وتشترط الأنظمة أن يتقدم ولي الأمر بطلب لدى مكتب التعليم المحلي، قبل بداية العام الدراسي بفترة لا تقل عن شهر، ويحق للمسؤولين رفض هذا الطلب، إذا استقر في ظنهم أن الأهل لن يقدروا على توفير التعليم المعادل لمستوى التعليم في المدرسة، وعندها يمكن لولي الأمر أن يتظلم من هذا القرار، لدى الدوائر التعليمية الأعلى، للبت في ذلك. ويجب على التلميذ أو الطالب، الذي يدرس في البيت، أن يؤدي في نهاية كل عام دراسي، الاختبارات عن طريق الانتساب، في مدرسة حكومية معتمدة، ويتقرر على ضوء نتائج الاختبارات، ما إذا كان قد بلغ مستوى أترابه الملتحقين بالمدرسة، وإذا لم يجتز الاختبارات، فإن السلطات التعليمية تلزم ولي الأمر، بتسجيل الابن في المدرسة، وتصبح الموافقة على التعليم المنزلي ملغاة. سويسرا وتسمح غالبية الكانتونات بالتعليم المنزلي، وتنص قوانين التعليم في كانتون جلاروس في المادة 14 على أن : «الأطفال الذين يستوفون إلزامية التعليم في مدارس خاصة أو في دروس منزلية، يتم إعفاؤهم من حضور المدارس العامة». وتقوم السلطات التعليمية بزيارات إلى الأطفال، الذين يدرسون في منازلهم، ويتعهد الأهل بتطبيق المناهج التعليمية المقررة في الكانتون، الذي يقيمون فيه، وتفرض بعض الكانتونات مثل لوزان وتسوج وشفيتس وزيوريخ، أن يكون القائمون بالتدريس من المعلمين المؤهلين علميًا، وفي المقابل لا تفرض كانتوات أخرى مثل بيرن وآرجاو هذا الشرط. لكن هناك كانتونات قليلة تفرض إلزامية التعليم المدرسي، وتهدد بفرض غرامات مالية، واستخدام الشرطة، وسحب حق الأهل في تربية أطفالهم، إذا لم يلتزموا بذلك، لكن هذه الأمور لا يجري تطبيقها في الواقع. الحرب الألمانية على التعليم المنزلي وينتقد الكثيرون هذه القوانين، باعتبارها متعارضة مع الاتفاقيات الدولية والأوروبية، التي تنص على حق أولياء الأمور في تربية أطفالهم، التي تشمل حرية اختيار التعليم المتفق مع القناعات الدينية والأخلاقية لهم، سواء كانت في المدارس الحكومية أو الخاصة أو التعليم المنزلي. ورغم الانتقادات التي صدرت على لسان المقرر الخاص لمفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في عام 2007م، ضد القوانين الألمانية، التي اعتبرها منتهكة لحقوق الإنسان، فإن المحاكم الألمانية تتمسك بإلزامية التعليم، بل تستنتج منه حق الدولة في إجبار أولياء الأمور على إلحاق أطفالهم بالتعليم المدرسي، حتى ولو خالف معتقداتهم وتقاليدهم، وهو الأمر الذي تنص عليه مثلاً قوانين ولاية بافاريا الجنوبية، التي تسمح للشرطة باقتحام المنازل والأماكن الخاصة، التي يوجد فيها الأطفال، وإجبارهم على حضور المدرسة. وقد قضت المحكمة الإدارية العليا في ألمانيا في عام 1972م، بأن أولياء الأمور والدولة، يتقاسمان المسؤولية عن تربية الأطفال، ولكنها جعلت الأولوية للدولة، رغم وجود قوانين أخرى تسمح للأهل وحدهم بالبت مثلًا في حضور أطفالهم حصص التربية الدينية، أو عدمه. التقارير الإعلامية الألمانية عن أولياء الأمور الذين قرروا تدريس أطفالهم في البيت كثيرة ومثيرة للغاية، فالسلطات الألمانية أصدرت ضدهم غرامات مالية، ثم هددتهم بنقل حضانة أطفالهم إلى عائلات أخرى، بل إن حكمًا بالسجن لمدة 90 يومًا صدر ضد ولي أمر بهذا الشأن. ويضطر الأهل إلى الهرب إلى الأديرة، التي تكفل لهم عدم وصول الشرطة إليهم، لكنها حياة في الظلام، لا يتحملها الكثيرون طويلاً، وهناك من غادر ألمانيا إلى دولة مجاورة مثل النمسا، التي لا تفرض إلزامية التعليم المدرسي، وهناك من يلجأ إلى الاحتيال على السلطات، بزعم تسجيل الأطفال في مدرسة داخلية في مدينة أخرى، أو بإرسالهم إلى خارج البلاد. لكن السنوات الأخيرة شهدت تدخلاً من منظمة مسيحية متشددة من الولايات المتحدة الأمريكية، تدعم أولياء الأمور الألمان الذين يتبنون نفس توجهاتها، ولم يقتصر الأمر على دعمهم ماديًا لرفع الدعاوى أمام القضاء، بل أسهمت في حصول عائلة في مطلع عام 2010م، على حق اللجوء السياسي إلى الولايات المتحدة، بعد أن اعتبر القاضي الأمريكي أن ما يتعرض له أفراد الأسرة من جانب السلطات الألمانية، هو اضطهاد لهم، يستحقون حمايتهم منه. ويقول يان إيدل رئيس جمعية التعليم المنزلي بمبادرات عائلية، إن هناك حوالي 800 طفل في ألمانيا، لم تطأ أقدامهم باب المدرسة، وإن هناك آلاف العائلات، التي تتمنى القيام بهذه الخطوة، لولا الصرامة التي تبديها السلطات الألمانية في التعامل مع ذلك. وفي عام 1980م تأسست (مدرسة فلادلفيا)، على يد ألكسندر بارتي، المعلم السابق، الذي تولى تدريس أبنائه الأحد عشر بنفسه، وهي مدرسة بلا مبان ولا صفوف، ولا وجود لها على أرض الواقع، علاوة على أنها غير معتمدة من السلطات الحكومية، لكن مؤسسها يعتبرها أكبر معهد تعليمي في العالم، لأن لها فروعًا في كثير من دول أوروبا مثل سلوفينيا، وبلجيكا، والمجر، والنمسا، وألمانيا. تنحصر مهمة هذه المدرسة في اختيار المناهج المدرسية، التي تتفق مع المفاهيم الدينية لطائفة مسيحية متشددة، ويتولى مدرسوها الإشراف على العملية التعليمية، من خلال القيام بزيارات متكررة للصفوف المنزلية، للتعرف على مدى استيفائها للشروط المدرسية، وتعليم الأطفال كيفية الاعتماد على النفس في التعليم. ومن خلال الاختبارات الدورية عن طريق البريد أو الانترنت، يتولى بارتي وزملاؤه تقييم مستوى الطلاب، وإصدار شهادات في نهاية كل عام، تحدد نتيجة الطالب من النجاح أو الرسوب، أما بالنسبة للمواد الدينية، فيكون تدريسها على يد رجال الدين الموجودين في المنطقة. تبرر السلطات الألمانية رفضها للتعليم المنزلي، بخشيتها من نشأة مجتمع مواز، له مدارسه وأفكاره وقيمه وعقائده، التي تفضل الانفصال عن المجتمع الأم، ولا ترغب في الاحتكاك به، ولا التعرف على أفكاره، مما قد يهدم تماسك كيان المجتمع متعدد الثقافات والأعراق، الذي يتسع للجميع. ليس كل جديد مفيدًا من يجد في حائط بيته شقوقًا، تدخل منها الرياح والأمطار، يصلح هذه الشقوق، ولا يفكر أن يسكن في العراء، لأن البيت يحميه من شرور أكبر، وكذلك المدرسة، فيها عيوب كثيرة، لكن من الظلم ألا نرى الإيجابيات الناجمة عن احتكاك الطفل بأترابه، وما يتعلمه من زملائه الأخيار، فليس جميع الطلاب أسوأ منه خلقًا، ومهما كثر عدد المعلمين المقصرين فهناك آخرون يعلمون الطلاب والطالبات حسن الخلق، وكيفية التفكير، والكثير من العلم النافع. وهناك ملاحظة جديرة بالاهتمام كتبتها مؤخرًا الدكتورة البريطانية ليسلي سافران، الحاصلة على درجة الدكتوراه في مجال التعليم المنزلي، أوضحت فيها أن أكبر المنظمات المدافعة عن التعليم المنزلي في الولايات المتحدة، واسمها (HSLDA) جمعية الدفاع القانوني عن التعليم المنزلي: (Home School Legal Defense Association)، والتي أقامت مؤتمرًا عالميًا عن التعليم المنزلي في العاصمة الألمانية برلين، في شهر نوفمبر من هذا العام، تحت اسم: (GHEC) Global Home Education Conference 2012، تتبنى فكرًا مسيحيًا متشددًا، وحذرت من أن هذا المؤتمر لا يناقش قضايا تربوية، بل يرغب في ممارسة الضغوط السياسية على الحكومة الألمانية، للتراجع عن سياساتها الرافضة للتعليم المنزلي، كما تسعى الجمعية لنشر أفكارها التبشيرية. فإذا كان هناك أكثر من مليوني طالب في الولايات المتحدة، يدرسون في منازلهم، وإذا كانت غالبية دول الاتحاد الأوروبي تسمح بذلك، فإن ذلك ليس مبررًا للسماح به في كل البلاد، خاصة أنه لا توجد دراسات عملية نزيهة وموضوعية عن نتائج هذا النوع من التعليم، فأغلب التقارير التي يعثر عليها الباحث في هذا الموضوع، يكون مصدره جمعيات داعمة له، فتكون تقاريرها إيجابية بصورة مبالغ فيها. إن مجرد التفكير في التعليم المنزلي، لابد أن يكون ناقوس خطر للمعلمين، ولتعلم جميع وزارات التربية والتعليم، بأن هناك من يشعر باليأس منهم، وأنه مستعد للتنازل عن كل ما يقومون به، لأنه يعتقد أنه قادر على القيام بذلك بصورة أفضل منهم. فهل ينتبهون؟ |
في نظرتها إلى التعليم المنزلي، ليست كُل الدول سواء، فمن حيث مدى القانونية، ثمة دول - وهي بالمناسبة قليلة نسبيــًا - لا تعتمده بصورة قانونية، بينما دول كثيرة تقِر به قانونيــًا، وإن كان ثمة تفاوت كبير فيما بينها، من حيث العناية والاهتمام بهذا النوع من التعليم، حيث تسعى بعض هذه الدول إلى التوسُّع في قاعدة انتشاره وتشجيع المواطنين على ذلك، في حين نرى دولاً أخرى لا تعنى به كثيرًا رغم إقرارها القانوني بمُمارسته. في كندا في الهند وعلى الجانب الآخر من العالم، وتحديدًا جنوب شرق آسيا، فإن الهند تُمثــِّل نموذجــًا جديرًا بالإمعان والتأمل، فيما يتعلق بالتعليم المنزلي، الذي يعود تاريخه إلى أوائل القرن الماضي، وقد لاقى رواجــًا بين فئات المُجتمع الهندي، من خلال دعوات المهاتما غاندي، ورابندرانات طاغور، وهو يُمارس حاليــًا بجميع الولايات الهندية، في إطار تنظيمي محدد، أقرَّ به قانون التعليم العام، المعروف اختصارًا بـ rte، ويستفاد من شبكة الإنترنت على نحو جيِّد في الترويج لهذا النوع من التعليم الذي ظهرت له روابط ومجموعات مُدافعة عنه وداعمة له في مُدن نيودلهي وبومباي وبنغالور وكلكتا وتشيناي وبيون. وبحسب تقرير نشرته صحيفة أنديان إكسبريس، فإن التعليم المنزلي انتشر بشكل كبير في السنوات القليلة التي خلت، ويخضع المُنتسبون إليه لامتحانات يُجريها المعهد الوطني للتعليم المدرسي المفتوح (nios)، أو مجلس igcse. ويشير كابيل سيبال، وزير تنمية الموارد البشرية في الهند، إلى أن التعليم المنزلي هو خيار تعليمي قانوني، وأن ما أُثير من جدل حوله، كانت المحكمة الهندية العُليا قد حسمته في أبريل 2010م لصالح دوامه والتوسُّع فيه، مادام يخضع لاشتراطات ومعايير تضمن تعليمًا معقولاً للأطفال، في جميع قطاعات المجتمع، ولا سيما الأكثر فقرًا، والمحرومة مناطقهم من المدارس العامة المجانية، ويقول ك. سيبال: «إذا كان الآباء أحرارًا في عدم إرسال أطفالهم إلى المدارس، فإنهم مسؤولون عن تقديم التعليم الجيِّد لهم في المنزل». وكان استطلاع للرأي، أجرته صحيفة تايمز أوف أنديا، قد أفضى إلى أن جل الهنود الذين لا يرسلون أبناءهم إلى المدارس، ويفضـِّلون التعليم المنزلي، أكَّدوا أن السبب في ذلك يعود إلى الجدول الزمني المرن الذي يتسم به هذا التعليم، وأيضــًا «أنه تعليم يُحقق الحماية والسلامة لأطفالهم، حيث يكونون أمام أعينهم وبرعايتهم». |
لماذا يتجه كثير من المسلمين في أمريكا للتعليم المنزلي؟ على غرار عشرات أخريات من الفتيات المسلمات الأمريكيات المنحدرات من أصل باكستاني، توقفت هاجرا بيبي عن الانتظام في المدرسة العامة (الحكومية) المحلية عندما بلغت سن البلوغ وبدأت الدراسة في المنزل, كانت رغبة أسرتها أن تتولى شؤون العائلة من طهي وتنظيف، بالإضافة إلى قلق الأسرة من تعرض ابنتهم للإيذاء من قبل الأطفال الأمريكيين الذين يسخرون من ديانتها وزيها الإسلامي. تقول الآنسة هاجرا بيبي، البالغة من العمر سبعة عشر عامًا، وتدرس الآن في الصف الثالث الثانوي في إحدى المناطق الزراعية الواقعة على بعد نحو سبعين ميلًا شرق مدينة سان فرانسيسكو: «بعض الرجال لا يروق لهم أن ترتدي الملابس الأمريكية، حيث يرون أنها لا تناسب الفتيات وأن على البنت أن تكون محترمة». وفي جميع أنحاء الولايات المتحدة، يتحول المسلمون، الذين يجدون أن التعليم في المدارس العامة يتصادم مع تقاليدهم الدينية والثقافية، إلى التعليم المنزلي. وهذا الاختيار الهدف منه بناء هوية إسلامية قوية بعيدًا عن التحيز والإجحاف اللذين يمكن أن يتعرض لهما الأولاد والبنات على حد سواء في باحات المدرسة. لكن في بعض الحالات، كما هو الحال مع الآنسة بيبي، يكون هدف الأسرة هو عزل بناتها المراهقات عن التأثيرات المنحلة التي يرونها في معظم مناحي الحياة الأمريكية. ويلاحظ أن حوالي أربعين في المئة من الفتيات المنحدرات من أصول باكستانية وجنوب آسيوية، ممن هن في سن المرحلة الثانوية والمقيدات في المنطقة، هن من الدارسات في المنازل، أما مساءلة جودة مستواهن التعليمي فأمر يصعب الحكم عليه، بل إن التقديرات الخاصة بأعداد كل الطلاب الأمريكيين الذين يدرسون بوجه عام في المنزل تتأرجح بشكل واسع. وبصرف النظر عن العقيدة، يؤمن الآباء الذين يتخذون خيار تعليم أطفالهم في المنزل أن المدارس العامة بمثابة مأوى لكثير من العلل والأمراض الاجتماعية مثل تعاطي المخدرات، وأن بمقدورهم أن يقدموا تعليمًا أفضل لأطفالهم في المنزل. تقول آية إسماعيل، وهي أم مسلمة تعلم أولادها الأربعة في المنزل بالقرب من بلدة سان خوسيه: «لا أرغب في أن يتعلم أطفالي السلوكيات الشائعة في المدرسة العامة، فالفتيات الصغيرات يتجولن مرتديات تلك الملابس الغربية غير اللائقة، ويلعن ويقسمن ولا يبدين احترامًا تجاه كبار السن، بينما نؤمن نحن في الإسلام بالاحترام والكرامة والشرف». ومع ذلك، فإن موضوع التعليم المنزلي مازال مستمرًا في مجتمعات إسلامية متنوعة، في ظل وجود خصوم يجادلون بأن من الأفضل حالاً للأطفال المسلمين أن ينتظموا في النظام المدرسي، وإن لزم الأمر، يناضلوا من أجل حقوقهم. وتقول روبينا أصغر، وهي مسلمة تقوم بعمل اجتماعي في ستوكتون، في ولاية كاليفورنيا، إن ابنها وُصف مرارًا وتكرارًا بلفظة «إرهابي» في ردهات المدرسة، الأمر الذي حفزه على الاهتمام بالحقوق المدنية وألهمه الحلم في أن يصبح محاميًا، وقد بدأ الآن في الانتظام في المدرسة الثانوية. وتضيف روبينا «أمضى ابني وقتًا عصيبًا في المدرسة، ولكن في كل مرة كان يحدث معه أمرًا ما كان يخرج منه بدرس مستفاد. فقد تعلم كيف يواكب الأحداث من حوله وكيف يساير أموره. ورغم تعرض كثير من الناس في هذا البلد للتمييز ضدهم، إلا أن الشيء الوحيد الذي يحقق التغيير هو التعليم». ومع ذلك، فإن كثيرًا من الآباء أو أولياء الأمور يفضل أن يتعلم أطفالهم في بيئة أقل صعوبة، ولذلك يلجؤون إلى إبقائهم في المنزل. وقررت السيدة هينة خان مختار أن تعلم أبناءها الثلاثة في المنزل على أن ترسلهم لإحدى الجمعيات التعليمية الإسلامية الصغيرة، التي أقامتها خمس عشرة أسرة في المنطقة، لتعلم اللغة العربية، والعلوم والنجارة. وقد استقرت هينة على هذا الخيار بعد أن زارت حضانة ابنها الأكبر، التابعة لإحدى المدارس العامة، حيث رأت كل طفل يمسك بكتاب - به صفحات بيضاء لوضع ملصقات فيها وكتابة تعليقات عليها - وعنوان الكتاب «لماذا أحب الخنازير؟» وقرأت مدام هينة بمنتهى الفزع ما كتبه الأطفال عن الطعم اللذيذ للخنزير، الذي يحرم الإسلام تناوله، وعليه اتخذت قرارًا بضرورة أن تسارع إلى اختيار طريقة التعليم التي تناسب عقيدة أبنائها. وقد تم الاتصال بكثير من الآباء المسلمين للتشاور معهم، عند كتابة هذا المقال، لكن معظمهم كان مترددًا في الحديث، قائلين إن معلمي المنزل الإسلاميين يتم تصويرهم غالبًا على أنهم إرهابيون دينيون. وقد أذكى نار هذا الرأي إلى حد ما حقيقة أن المدعو آدم جدهان، الأمريكي المولد، والمتحدث الرسمي باسم القاعدة، كان ممن تعلم في المنزل في ريف كاليفورنيا. أما نبيلة هانسون، التي ترى أن معظم معلميّ المنازل وهي منهم يبذلون جهدًا إضافيًا لتوفير فرص لأطفالهم لممارسة الرياضة، والموسيقى، أو للقيام بالرحلات والجولات الميدانية مع أناس آخرين، فتقول: «هناك ميل لتصوير أنصار التعليم المنزلي على أنهم متعصبون غير اجتماعيين لا يريدون انتظام أطفالهم في النظام». ولا ننكر هنا أن التعليم المنزلي يستخدم في المقام الأول كوسيلة لعزل البنات مثل الآنسة بيبي، تلك الأمريكية المنحدرة من أصل باكستاني، عن محيطها في منطقة لودي. والحقيقة أن 80% من مسلمي المدينة البالغ عددهم 2500 فرد من أصل باكستاني، ومعظمهم من القرويين المترابطين الذين يحاولون إعادة خلق مناخ اجتماعي محافظ في المكان. والمدهش أن كثيرًا من البنات، قبل عقود مضت، كان يتم شحنهن مرة أخرى لقراهم بمجرد أن يبلغوا سن المراهقة. وتقول روبرتا وول، مديرة المدرسة المستقلة التي تديرها المنطقة، وتشرف على التعليم المنزلي في منطقة لودي وتوفر مكانًا لطلاب التعليم المنزلي لحضور جلسات تعليمية أسبوعية لساعات: «إن عائلات هؤلاء الفتيات يرغبن في الحفاظ على ثقافتهن ولا يرغبن في «أمركتهن» أي صبغهن بصبغة الثقافة الأمريكية». فمن بين أكثر من 90 فتاة باكستانية أو جنوب آسيوية في عمر المرحلة الثانوية من المقيدات في منطقة لودي، نجد أن هناك 38 فتاة يدّرسن في المنزل. وفي المقابل، نجد سبعة طلاب فقط من بين 107 طلاب يدرسون في المنزل، والسبب في ذلك عادة هو تأخر تقدم الطلاب تعليميًا. ويلاحظ أن الفتيات ما إن ينتهين من دراستهن حتى يتزوجن غالبًا بأبناء عمومتهن الذين يتم جلبهم من مسقط رأس عائلاتهن. وترى كريستين ليتش، وهي من قدامى معلمات المدرسة المستقلة، أن الآباء «يرغبون في توفير الأمان لفتياتهم من خلال تعليمهن في المنزل وإبعادهن عن ممارسة السلوكيات السيئة التي يقدم عليها الأولاد كشرب الكحوليات وتعاطي المخدرات». وتدرس الفتيات منهج الثانوية العامة النظامي، علاوة على قيامهن بأعباء الطهي وفروض الصلاة وقراءة القرآن. وبوجه عام، تطيع الفتيات عائلاتهن وتقاليدهن، خاصة أنه ليس لديهن أي بديل آخر. وترى عائشة بشير، البالغة من العمر 18 عامًا والمقيدة في المدرسة المستقلة، أن التعليم المنزلي هو أفضل خيار للفتاة، وإن أقرت أن هذا لم يكن اختيارها. وحينما سألناها هل ستعلمين طفلتك في المنزل، أطرقت وحملقت في صمت في الأرض وقالت بهدوء: «عندما يرزقني الله بطفلة، أتمنى لها أن تتعلم أكثر مني، فأنا أرغب في أن تكون أكثر ثقافة مني». |
جرس إنذار للتعليم الرسمي التعليم المنزلي.. خرافات وأباطيل! تستحق تجربة التعليم المنزلي أن نناقشها بروية لندحض كثيرًا من الخرافات التي تحيط بها، ولنتشارك في هذه التجربة العملية مع من يؤيدون أو يعارضون الفكرة. وكاتبة المقال خاضت هذه التجربة مبكرًا واستمرت فيها لفترة طويلة من الزمان، بلغت 22 عامًا، الأمر الذي حدا بها إلى أن تسجل مرئياتها عنها، وعلى وجه التحديد تفند أهم ثلاث خرافات تحيط بتجربة التعليم المنزلي من خلال تجربتها ليطلع عليها كل من يهمه الأمر. الخرافة الأولى: التعليم المنزلي يستلزم التحلي بالصبر ورغم كل هذا الحرص، كان لابد من وجودنا حتمًا في مكان ما، كـ«السوبر ماركت» حيث يسألون أطفالي: «أين تقع مدرستكم؟» ورغم أن السؤال غير مؤذ، لكن المحادثة غالبًا ما تنتهي بقولهم «نحن ندرس في المنزل» أو ربما يفضلون أن يقولوا «نحن لا نذهب إلى المدرسة». ويعقب ذلك نظرة تعجب أولًا، يعقبها السؤال التالي: «وماذا عن التواصل الاجتماعي أو المخالطة مع الآخرين (socialization)؟ وسأتناول هذا الأمر عند الحديث عن «خرافة الاجتماعيات»، ولكن يكفيني أن أقول إن هذا التساؤل الغبي طُرح على مسامعي طوال عشرين عامًا حتى ضقت به ذرعًا. كان التعليق الذي أسمعه طوال العشرين عامًا الماضية من الناس بمجرد أن أخبرهم أنني أدّرس أو أُعلم أولادي في المنزل: «بالنسبة لي لو درست أبنائي في المنزل فسأقتلهم بلا شك!» فالفكرة الشائعة والخاطئة تمامًا بين الناس أن من يقومون بمهمة التعليم المنزلي هم أصلًا أناس أكثر صبرًا من باقي الآباء (الوالدين)، وهو عذر يتذرع به من لا يرغبون في الإقدام على التجربة. ويكفي أن أقول في هذا الشأن «إنني طوال حياتي، لم ألتق إلا بشخصين فقط كان لديهما ميلًا طبيعيًا للصبر، ومما يثير الدهشة أن مهنة كليهما كانت التمريض، وأعتقد أنهما لن يجدا أي تفسير يقدمانه لو سألتهما عن سبب تمتعهما بشيمة الصبر. ومن ثم، أستطيع أن أخبركم أنني بكل تأكيد لست بالشخص الصبور أصلًا، بل على العكس تمامًا، لقد تعلمت حقًا الصبر على مدى السنين. وعلى أية حال، لم أقل لنفسي يومًا ما «يا للروعة! إنني ذلك الشخص الصبور ومن ثم يتوجب عليّ أن أعلم ابني في المنزل!»، بل كان يحبطني كثيرًا أن البعض كان يصفني بأنني صبورة بشكل لا يصدق، وتضيف أخرى «من المستحيل بالنسبة لي أن أفعل نفس الشيء، فأنا وابني في شجار دائم بشأن أدائه للواجب المنزلي» وحينما أسمع هذا التعليق، أدرك أن تلك المرأة لا تعاني من قلة صبرها بقدر افتقارها لمهارات «الوالدية»، الأمر الذي يجعلها تفشل في إقناع طفلها أن يعمل واجبه دون أن يتحول الأمر إلى ما يشبه المعركة، وهو ما يتطلب من الأم أو الأب أن تتوفر لديه الرغبة لتغيير أساليب «الوالدية» المتبعة. وبناء عليه، فإن قلة الصبر قد تكون عذرًا لعدم خوض تجربة التعليم المنزلي، لكنها لا يمكن أن تكون سببًا. وحينما ترى أحد الوالدين، أرمل أو أرملة، تربي أطفالها وتتولى تعليمهم في المنزل بميزانية محدودة للغاية، يصبح واضحًا تمامًا عدم وجود أي سبب شرعي لعدم الإقدام على تجربة تعليم الأبناء في المنزل. أما عندما يعلن الوالدان أنهما لا يتحليان بالصبر الكافي لتعليم أولادهما في المنزل، فالأمر لا يعدو كونه مجرد محاولة للظهور بمظهر المنتقدين لذاتهم بغية انتزاع التأييد لموقفهم، وهو ما قد يتمثل في قول أحدهم له «أنت حكيم فعلًا، لقد أدركت قدراتك المحدودة في هذا الشأن!» والواقع، من وجهة نظري، أن الوالدين يقولان في قرارة نفسيهما إن الأمر لا يستحق أن يأتيا على نفسهما لكي يمنحا طفلهما تجربة تعليمية أرقى. الخرافة الثانية: التعليم المنزلي يحرم الطفل من القدرة على التواصل الاجتماعي ها أنا أدخل الآن عامي الثاني والعشرين من تجربة التعليم في المنزل، وبفضل الله لم أعد أسمع هذا التساؤل، وربما يعزى هذا أكثر لأني لم أعد أخرج كثيرًا كما كان الحال فيما مضى، فلم يعد لدي إلا طفل واحد ولم أعد في حاجة إلى أن أصطحب أولادي في السيارة كما اعتدت لتوصيلهم للملاعب لممارسة الرياضة أو تلقي دروس في «الأيروبيكس» على أنغام الموسيقى. على أية حال، مازلت أسمع من الآباء الذين يعلمون أطفالهم في المنزل، بخاصة الجدد منهم في هذه التجربة، أن هناك أناسًا مازالوا يطرحون هذا السؤال الفضولي البغيض، وقد اشتكت لي إحدى الأمهات أنها شعرت بالإحراج عندما سألتها رفيقتها «عن مدى تواصل أبنائها اجتماعيًا ومخالطتهم للآخرين (socialization)؟ وفي هذا السياق، أسأل مرة أخرى: «ما الذي يجعل الناس يعتقدون أن من حقهم أن يتدخلوا في قرار أحد الأبوين بتعليم طفله في المنزل؟!» وإلى كل هؤلاء الفضوليين الذين يحبون أن يتدخلوا في حياة الناس ويهمهم جدًا مسألة «القدرة على التواصل الاجتماعي» أقول: «عليكم أن تعرفوا معنى كلمة «يختلط بالناس» (socialize) ومعنى «معايشة أو مخالطة» (socialization) وعليكم ألا تخلطوها بمعان أخرى في ذهنكم. فكلمة «يختلط بالناس أو يعاشرهم» (socialize) تعني قضاء وقت طويل في مكان ما أو مع شخص ما بغية المتعة والمرح، أما كلمة «معايشة» (socialization) فتعني اكتساب المهارات اللازمة لمخالطة الآخرين بشكل ناجح وعلى نحو يبعث على السرور. وعليه فأي تحاور للأبناء مع أصدقاء آخرين في أي مكان أو عمل أو رياضة أو مناقشة في مؤتمر هو نوع من التواصل الاجتماعي أو ما نسميه (socialize) وأما ما يجعل كل هذا ممكنًا فهو القدرة على ذلك، أي ما نسميه (socialization) وهذه في الواقع من أهم جوانب التربية التي يقوم بها الوالدان، ولا أبالغ إذا قلت إنها من واجبات الأب أو الأم ولا يشاركهما فيها أحد. وأود أن أوضح هنا أن «خرافة الاجتماعيات» (socialization) أشبه بالعملة ذات الوجهين. فمن جهة، هناك جدل ونقاش مفاده أن توفير الاجتماعيات للأطفال من مهام المدرسة الحكومية وأن هذه المدارس تقوم بتلك المهمة على ما يرام، وهذه فكرة زائفة وغير صحيحة تمامًا. أما الوجه الآخر للعملة، ففكرة سخيفة وغير صحيحة أيضًا تمامًا، فالقائمون على مهمة التعليم في المنازل ليس بوسعهم وليس بمقدورهم أن يوفروا النواحي الاجتماعية للأطفال بشكل كاف. وهنا يجدر بي أن أذكر بعض الأشياء التي يجب على الآباء أن يقوموا بها ليجعلوا أطفالهم اجتماعيين بشكل صحيح: - يجب تعليم الأطفال السلوكيات الحسنة. ولا يكفي هنا أن يقولوا «من فضلك»، و«شكرًا»، ولكن عليهم أيضًا أن يتحدثوا مع البالغين (الكبار) بدون غمغمة (كلام غير واضح) أو عصبية وعدم اكتراث. - يجب تعليم الأطفال كيفية إظهار التقدير والاحترام من خلال تعبيرات الحمد والشكر على النعم اليومية، كالوجبات التي تعدها الأم ونحو ذلك، والنعم المتفرقة، كهدايا أعياد الميلاد ونحو ذلك من الأهل والأقارب والأصدقاء المحيطين، فهذا الأمر يعودهم ببساطة الاعتراف بالجميل. - يحب تعليم الأطفال أنهم جزء من أسرة، ومن ثم عليهم أن يشاركوا في الأمور والمناسبات العائلية. - ينبغي تعليم الأطفال كيفية إظهار الاحترام لكبار السن، والاهتمام والتعاطف والصبر بالنسبة لمن هم أصغر منهم سنًا أو أقل منهم حظًا. - يجب تعليم الأطفال طاعة الله، ومشاركة المحتاجين، والتعاطف مع المضطهدين. - يجب على الوالدين أن يعلموا أبناءهم وبناتهم الالتزام بالقواعد الدينية ومراعاة القيم الأخلاقية في تعاملاتهم كل مع الآخر بما لا يخالف ما ورد في تعاليم الأديان السماوية السمحة. وفي هذا السياق، نلفت النظر لمساوئ التعليم النظامي في المدارس الحكومية الأمريكية، التي تعقد حلقات جماعية إلزامية، على سبيل المثال، لتوعية الأطفال بمرض نقص المناعة المكتسب «الإيدز» وما تضمنته هذه الحلقات والورش من مهازل وخروج عن الآداب المرعية في ظل حضور الطلاب من الجنسين بما يندى له الجبين. وقد اشتكى أولياء أمور طلاب مدرسة ثانوية في ماساشوسيتس بعدما سمعوا التفاصيل من أطفالهم ورفعوا دعوى ضد المدرسة، فقضت المحكمة بعدم أحقية الآباء في التدخل فيما يتعرض له أطفالهم في المدرسة. وفي حادثة أخرى، قُبض على أحد الآباء لأنه ببساطة طلب التحدث إلى أحد المسؤولين في المدرسة بشأن بعض المواد الجنسية التي تُدرس لأطفال الحضانة والصفوف الأولى. والأمثلة في هذا السياق لا تعد ولا تحصى. وبعبارة أخرى، لا يحق لك كوالد أن تبلغ معلمًا أو مديرًا في مدرسة حكومية أو عامة عدم رغبتك في أن يتعرض ابنك لمادة جنسية صريحة مهما كان عمره. بل إن اتحاد التعليم الوطني يطالب بتعليم الأطفال مفاهيم أكثر خطورة مما ذكرنا، بغض النظر إذا ما كانت تتعارض مع معتقدات الآباء أو كانت ضارة أو مثيرة للغثيان. ويصب كل ما ذكرناه بشدة في صالح كفة المؤيدين لفكرة التعليم المنزلي باعتباره الأرقى. ومن ثم، إذا ما طرح عليك شخصًا ما سؤالًا عن «المخالطة الاجتماعية» (socialization) مرة أخرى، فما عليك إلا أن تحيله لكل ما ذكرت، لتدحض مع آخرين خرافة أن التعليم المنزلي يحرم الطفل القدرة على التواصل الاجتماعي. الخرافة الثالثة: التعليم المنزلي يقوم به أمهات أو آباء عاجزون وغير مؤهلين وسأقترب من القضية الأولى من خلال إشراككم في تجربتي الشخصية. وقليل من قرائي يعرفون أنني عملت بالتدريس في إحدى المدارس العامة قبل أن أرزق بأطفالي. ومع ذلك، لم أكن أعمل كمعلمة لكامل الوقت، نظرًا لأنني لم أكن أتممت دراستي الجامعية بعد. بيد أن العمل كمعلم بديل لم يكن يتطلب درجة «الليسانس» الجامعية آنذاك. وهكذا، عملت كمعلمة بديلة في المدرسة الابتدائية العامة، التي تصادف أنني تعلمت فيها وأنا طفلة. والحقيقة، أن إدارة المدرسة اعتبرتني معلمة «مؤهلة» لدرجة أن المعلمين الذين يضطرون لأخذ إجازة طويلة، لحمل أو نحوه، كانوا يطلبونني بالاسم لتولي تدريس فصولهم. وقد تعلمت من تجربتي كمعلمة بديلة أن هناك مفتاحين لاعتبار المعلم «مؤهلًا وكفئًا» أو لا، والغريب أن أيًا من هذين المفتاحين لم يكن له أي علاقة بالتعليم. أما المفتاحان فهما: - يجب أن يتمتع المعلمون بحب فطري للأطفال. - ويجب أن يتمتع المعلمون بموهبة فطرية للتدريس. والآن، أود أن أوضح شيئًا ما، وهو أنني لا أومن بأنك كأب يجب أن تتمتع بمقدرة فطرية على التدريس لكي تعلم أطفالك بشكل فعال. أما السبب في ذلك فهو أن حبك لطفلك سيدفعك للحصول على الأدوات، والمنهج الدراسي، بل التمتع أيضًا بالصبر لتدّرس أطفالك على نحو طيب. إن حبنا لأطفالنا يعتبر قوة هائلة للغاية لدرجة أنها تدفع الوالدين للمخاطرة بحياتهم والتضحية بالغالي والنفيس من أجل أطفالهم. ومن ثم، فآفاق وفرصة تعليمهم يجب ألا تبدو أمرًا منيعًا صعب المنال. فالوالدان بكل المقاييس يحبون أطفالهم بشكل فطري أكثر من معلميهم. وبالنسبة لمعلم في فصل مكتظ بالأطفال، مختلفي المواهب، عليه أن يتمتع بقدر من الفهم الفطري لكيفية تقديم المادة بحيث يحافظ على تقدم الموهوبين ويأخذ بيد المتأخرين. وبمنتهى الصراحة، لا أعتقد أن هناك أي برنامج جامعي تربوي يعلم المعلم فعلًا كيف يدرس في فصل واقعي. وقد قضيت بعض الوقت في عدة دورات دراسية كجزء جوهري للحصول على درجة في التربية، والحقيقة أن تلك الدورات لم يكن لها أية علاقة بالتدريس الفعلي الذي يتم في الفصول الدراسية. وأعتقد أن كثيرًا من المعلمين الجدد قد أدركوا هذه الحقيقة منذ اليوم الدراسي الأول لهم. وفي ظل كل هذا، أظن أن هناك الكثير من المعلمين في نظامنا التعليمي العام غير مؤهلين لممارسة هذه المهنة، خاصة أولئك الذي انخرطوا فيها لأسباب عدة ليس لها علاقة بحب الأطفال أو عدمه أو هل هم فعلًا قادرون على التدريس أم لا؟ وختامًا، إذا طالعنا إحصاءات الخريجين الأذكياء والمثقفين والمطلعين والأكثر انخراطًا في المجتمع والمنظمات المجتمعية والسياسة والجمعيات الخيرية ودور العبادة، سيتضح لنا أن المعلمين في المنازل أكثر فعالية في التدريس لأطفالهم، ولذا فهم مؤهلون تمامًا لما يفعلونه. بقلم : أحمد أبو زيد محمد المصدر: موقع التعليم المنزلي الإلكتروني (Homeschooling 911) الكاتب: آن جاليفان، بتاريخ 10 يوليو 2012 |
| الساعة الآن 16:13 |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات دفاتر © 1434- 2012 جميع المشاركات والمواضيع في منتدى دفاتر لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة المنتدى بل تمثل وجهة نظر كاتبها