![]() |
مفتش التوجيه التربوي وسؤال الهوية المهنية
مفتش التوجيه التربوي وسؤال الهوية المهنية بقلم: نهاري امبارك، تقديم عام: في إشكالية وأهداف وحدود الموضوع: يعتبر مفتش التوجيه التربوي أحد موظفي الدولة بوزارة التربية الوطنية في الحقل التربوي والتكويني، يضطلع بمهام التأطير والمراقبة والتتبع والتقويم والإعلام والمساعدة على التوجيه وفق مقتضيات النظام الأساسي لموظفي وزارة التربية الوطنية والنصوص المنظمة للتفتيش، عموما، وفي مجال التوجيه التربوي، خصوصا، وكذا النصوص المحددة لمهام أطر التوجيه التربوي بالقطاعات المدرسية للتوجيه التربوي. وتشمل تدخلات مفتش التوجيه التربوي المجالات التربوية والإدارية والتقنية، تتوزع حسب المواقع والتخصصات، ووفق النصوص التنظيمية، إلى عدة مهام يتم إنجازها، سواء على المستوى المحلي بالقطاع المدرسي للتوجيه التربوي، أو على مستوى المنطقة التربوية للتفتيش، أو على المستوى الجهوي، أو على المستوى المركزي. فعلى مستوى المنطقة التربوية للتفتيش، تناط بمفتش التوجيه التربوي المسند إليه الإشراف على منطقة تربوية، مجموعة من المهام تتمحور حول تأطير المستشارين في التوجيه التربوي بالقطاعات المدرسية للتوجيه، وتتبع وتدبير العمل، وسير مختلف العمليات، من وضع برنامج عمل وفق جدولة زمنية، إلى تتبع الحياة المدرسية في مختلف تجلياتها، وإعداد تقارير دورية وسنوية حول سير تنفيذ البرنامج الدوري والسنوي، وذلك بتنسيق مستمر مع الأطراف المعنية والجهات المسئولة من أطر إدارية وتربوية وفاعلين تربويين، سواء بالمؤسسات التعليمية والإدارية أو بالبنيات الخدماتية والتأطيرية. أما على مستوى المفتشية الإقليمية، فيشارك مفتش التوجيه التربوي المنتدب، في أشغال مجموعات عمل المناطق التربوية والمجلس الإقليمي للتنسيق والمجلس الجهوي للتنسيق. وأما على المستوى الجهوي، فيساهم مفتش التوجيه التربوي المنسق الجهوي، إلى جانب المفتشات والمفتشين المنسقين الجهويين، في المهام المنوطة بالمنسقية الجهوية والمجلس الجهوي للتنسيق. وعلى المستوى المركزي، تناط بالمفتش المنسق المركزي مجموعة من المهام، تتمحور حول تنسيق أعمال المنسقية المركزية، وأشغال المجلس المركزي للتنسيق، وإعداد تقارير دورية توجه إلى المفتشية العامة للتربية والتكوين. ونظرا لتعدد مهامه التي تنبثق، في مجملها، عن مجموعة من المحاور الكبرى، والتي تشمل عمليات مختلفة ومتعددة ، وعن وضعيته ضمن منظومة التربية والتكوين، وموقعه وعلاقاته بمختلف الجهات التربوية والإدارية والتقنية والشركاء والفاعلين التربويين، فإن مفتش التوجيه التربوي، انطلاقا من أي موقع كان، يجد نفسه تتجاذبه المؤسسات التعليمية والإدارية، من جهة، والبنيات التأطيرية والخدماتية، من جهة أخرى، للاستجابة لطلبات الجهات والفرقاء التربويين، وما أكثرها!!!. كما تتجاذبة من حيث الانتماء الإداري، فئة التوجيه التربوي، من ناحية، وجهاز التأطير والمراقبة التربوية، تحت إشراف المفتشية العامة للتربية والتكوين، من جهة أخرى، ليبدو موقع مفتش التوجيه التربوي يلفه كثير من الغموض والالتباس. وهكذا تتجلى مهام مفتش التوجيه التربوي، إما في المشاركة في أشغال اجتماعت تربوية أو إدارية أو تقنية، أو القيام بزيارة مؤسسات تعليمية للوقوف على أحداث أو حالات أو وضعيات مختلفة تتعلق بعدة عمليات: تأطير، مراقبة، تقييم، افتحاص، تمرير مهام... وقضايا تربوية وإدارية وتقنية متنوعة، كتنظيم دورات تأطيرية وتكوينية والإشراف عليها، أو عقد لقاءات واجتماعات متخصصة لتدارس قضايا آنية، أو وضع خطاطة لبرنامج معين، أو وضع أسس وتصورات لتنفيذ السياسة التعليمية المنتهجة، أو إنجاز بحث تربوي حول ظاهرة معينة، وما إلى ذلك من العمليات التربوية والمدرسية والإدارية والتقنية. ورغم المجهودات التي يبذلها مفتش التوجيه التربوي من مختلف مواقعه ومهامه محليا وإقليميا وجهويا ومركزيا ، فإن منظومة الإعلام والمساعدة على التوجيه بالمغرب، ووفق تقارير وخلاصات ندوات ولقاءات، تشوبها كثير من مظاهر التأزم، وتتخبط في كثير من الصعوبات والمعوقات التي تعترض مفتش التوجيه التوجيه التربوي وتضعف مردوديته المهنية وتعيق مختلف مبارداته. فما موقع مفتش التوجيه التربوي ضمن منظومة التربية والتكوين؟ وما نوع العلاقات التي تربطه بمختلف الفرقاء والفاعلين التربويين والبنيات الإدارية والتأطيرية؟ وكيف يتفاعل معها، ميدانيا، في إطار النصوص المنظمة؟ وما هي الصعوبات والمعيقات التي تعترض مفتش التوجيه التربوي؟ وفي علاقة بكل ما أسلف، أي هوية مهنية لمفتش التوجيه التربوي؟ وقبل مناولة هذه المحاور التي تشكل العمود الفقري للموضوع الحالي، لا بد من التأكيد على أن المنظور الذي تمت، من خلاله، مناولة هذه التساؤلات، هو اعتبار مفتش التوجيه التربوي كشخص وكذات بقيمة وكرامة وليس أداة أو وسيلة، إذ الإشكالية قائمة، لم تراوح مكانها، منذ مدة زمنية غير يسيرة. وفي غياب بحوث متخخصة تناولت مسألة الهوية المهنية لمفتش التوجيه التربوي بالمغرب ، حسب علمنا وما توصلنا إليه؛ ومنذ البدء، وتوخيا للموضوعية والمصداقية، لا بد من الإقرار أننا لن ندعي سبر أغوار موضوع بهذا الحجم من خلال مناولة نظرية، تستند لتجارب متواضعة، وتقارير محدودة، كما لن ندعي الإحاطة بجميع متطلباته ومضامينه المنهجية والتحليلة، بقدر ما نود وضع إحدى اللبنات لدراسة عميقة لموضوع خصب لم يتم بعد الخوض فيه، ميدانيا، بالشكل المطلوب. وحتى لا نتيه في جوانب بعيدة عن الأهداف المسطرة لهذا الموضوع، فإننا سوف لن نغوص في تعاريف مسهبة مفاهيميا وإبستومولوجيا أو تاريخيا لمفهوم الهوية في ارتباطها بمختلف المجالات النفسية والاجتماعية، بقدر ما نركز، بشكل مندمج، على مختلف الأبعاد والمؤشرات المحددة للهوية المهنية لمفتش التوجيه التربوي من خلال النصوص التشريعية الإدارية والتربوية والتقنية والممارسة الميدانية.
فحيث مفهوم الهوية، عموما، من جهة، يشير إلى ما يكون به الشخص وما هو عليه حقيقة، أي ما يطابق نفسه أو مثيله، وذلك من حيث مميزاته الشخصية والذاتية وخصائصه التي تميزه عن غيره، من قيم ومواقف وتوجهات ومقومات وتفاعل داخل محيطه الاجتماعي والثقافي والاقتصادي، الأمر الذي يعني الحديث عن هوية مجموعة بشرية يتفاعل أفرادها ضمن وسط معين تجمعهم خصوصيات نفسية ومهنية واجتماعية وعادات ونمط عيش، وحيث الهوية المهنية، من جهة أخرى، تعتبر بعدا من أبعاد الهوية النفسية والاجتماعية للفرد تتعلق بنشاطه المهني والاجتماعي والاقتصادي، فإن هذا الموضوع يتناول الهوية المهنية لمفتش التوجيه التربوي، من مختلف مواقعه ومهامه، المنتسب لمنظومة الإعلام والمساعدة على التوجيه، لما يتضمنه من نظرة لذاته المهنية الفردية والجماعية، ونظرته لمكانته بين أفراد فئته ووسطه المهني والاجتماعي، وذلك في ضوء النصوص التنظيمية والتشريعية المتوفرة والمحددة لموقعه الإداري والمهام الموكولة إليه، ومن خلال ممارساته المهنية ضمن منظومة التربية والتكوين، وفي علاقته بمختلف الجهات والفرقاء والفاعلين التربويين والبنيات الإدارية والخدماتية، مركزيا وجهويا وإقليميا.
تقديم: حتى تتم الإحاطة بالموضوع قدر الإمكان، سنحاول الإبحار في كل من النصوص التشريعية والتنظيمات الجمعوية والنقابية، لمقاربة الهوية المهنية لمفتش التوجيه التربوي، نفسيا واجتماعيا، انطلاقا من المواقع التي يشغلها ضمن منظومة التربية والتكوين إداريا وتربويا وتقنيا، وذلك عبر الفقرات التالية:
وحيث نص الميثاق الوطني للتربية والتكوين على تبني المقاربة التربوية للتوجيه التربوي، المتمثلة في وضع التلميذ في قلب العملية التربوية، ومن ثم، مصاحبته ومواكبة نموه ونضجه وتطوره حسب صيرورة زمنية، وخلال مساره الدراسي والتكويني، فإن المفتش المستشار في التوجيه التربوي يجد نفسه أمام مهمة تتناقض ومضامين منظومة تربوية وتكوينية تقليدية برامج ومناهج، ترتكز على المدرس أداء وتلقينا، ولا تنبثق من محيط التلميذ الأسري والاجتماعي والثقافي، ولا تترجم وجوده ذاتيا واجتماعيا وتفاعلا، فيشعر بعجز تجاه القيام بهذه المهمة، سواء تعلق الأمر بنوعية الأنشطة التربوية الملائمة الهادفة إلى تفتق ملكات التلاميذ وصقل مواهبهم وإذكاء الحس النقدي لديهم من أجل بلورتهم مشاريع شخصية واقعية والقيام باختيارات مدرسية ومهنية واعية، أو بكيفية التعامل مع أعداد هائلة من التلاميذ الذين يحتم الواقع حرمانهم من خدمة تسهم في تيسير نضجهم وملامستهم تمثلات واقعية عن ذواتهم ومحيطهم، ما يدفع المفتش المستشار في التوجيه التربوي إلى التشكيك في قدراته وكفاءاته المهنية، ليتساءل حول موقعه والتزاماته والمسؤولية الملقاة على عاتقه، حتى ليتراءى له نوع من التقصير والإخلال بالواجب المهني، وخصوصا لما تعددت مقاربات التوجيه التربوي وتنوعت؛ وشعورا منه بالمسؤولية تجاه التلاميذ والفرقاء التربويين والمجتمع والمصلحة العامة، فإن المفتش/ المستشار في التوجيه التربوي لا يفتأ يتنقل، يوميا تأدية لواجباته، بين المؤسسات التعليمية المسندة إليه والبنيات الإدارية والخدماتية، رغم تقييده بجدول زمني يكبح طموحاته، وذلك في إطار من الارتجالية الواضحة، خصوصا، عند دعوته، عن طريق تكليف بمهمة، للقيام، من حين لآخر، بعمليات طارئة مباغثة بمؤسسة ما، غير مؤسسات قطاعه المدرسي، أو حضور اجتماع دون سابق إخبار، يحمله عناء التنقل، ومشاق إضافية خارج البرمجة زمانا ومكانا لأداء الواجب المهني، ليشعر بوضع متناقض يحد من مبادراته واستقلاليته، ويجعله في موقع لا يحسد عليه إزاء التلاميذ والفرقاء التربويين، الذين يجهلون سبب تخلفه عن المؤسسة التعليمية، ليطلقوا العنان لكثير من التأويلات، ما يسبب له كثيرا من الحرج والمضايقات، وليجد نفسه يعيش وضعية موسومة بالكثير من مظاهر الإحباط والتأزم، جراء أحكام قيمية ملقاة على عواهنها، ما يمس شخصية المفتش/المستشار في التوجيه التربوي وكرامته وينتقص من قيمة ممارساته المهنية وعلاقاته بمختلف الأطراف.
خاتمة: إشكالية ومقترح: انطلاقا من الوضعيات المعروضة آنفا، التي تم اعتمادها، قدر الإمكان، وحسب معايشتنا واقع تفاعلات وممارسات مفتش التوجيه التربوي، ومن خلال تجربتنا المتواضعة، من أجل تقديم صور صريحة واقعيا وميدانيا للهوية المهنية لمفتش التوجيه التربوي الموكولة إليه مهام ومسؤوليات قيمة تربوية وإدارية، تتجلى في النهوض بمجالات التأطير والتكوين والتتبع والتقويم والبحوث الميدانية، وتطويرها والرقي بها، يجدر بنا رفع التساؤل التالي:
يبدو هذا التساؤل مشروعا، في نظرنا، حيث يشكل إشكالية عميقة تتطلب بحوثا ودارسات علمية وميدانية في صفوف أطر التوجيه التربوي، استنادا إلى منهجية علمية مضبوطة ووسائل تقصي ناجعة. نهاري امبارك NHARI M’barek المراجع: ¨الميثاق الوطني للتربية والتكوين، 2000، المغرب؛ ¨البرنامج الاستعجالي 2009-2012 ، المغرب؛ ¨المذكرتان رقم 113 و117 الصادرتان بتاريخ 21 شتنبر 2004، المنظمتان لمجال التفتيش، وزارة التربية الوطنية، المغرب؛ ¨المذكرات الوزارية رقم 17 و18 و19، يناير 2010، وزارة التربية الوطنية، المغرب؛ ¨ذ. مصطفى محسن، مدرسة المستقبل، رهان الإصلاح التربوي في عالم متغير، سلسلة شرفات 26، منشورات الزمن، 2009، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء؛ ¨مجلة العلوم التربوية والنفسية، المجلد الثالث، العدد الثاني، يونيو 2000، مطبعة جامعة البحرين، مملكة البحرين؛ ¨المجلة العربية للتربية، المجلد الثاني والعشرون، العدد الأول، مجلة نصف شهرية، يونيو 2002، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، تونس؛ نهاري امبارك، مفتش في التوجيه التربوي، مكناس.NHARI M’barek |
| الساعة الآن 11:45 |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات دفاتر © 1434- 2012 جميع المشاركات والمواضيع في منتدى دفاتر لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة المنتدى بل تمثل وجهة نظر كاتبها