منتديات دفاتر التربوية التعليمية المغربية

منتديات دفاتر التربوية التعليمية المغربية (https://www.dafatir.net/vb/index.php)
-   دفتر مشاكل وقضايا إصلاح التعليم بالمغرب (https://www.dafatir.net/vb/forumdisplay.php?f=193)
-   -   مآزق التعليم بالبادية ج 1 (https://www.dafatir.net/vb/showthread.php?t=154035)

التربوية 13-10-2013 09:26

مآزق التعليم بالبادية ج 1
 
مآزق التعليم بالبادية ج 1

الطلحاوي نجيب نشر في هبة بريس يوم 13 - 10 - 2013

عائق مركزي : الأقسام المشتركة أو قُلْ الأقسام المعتركة
لا أحد في ظني من العقلاء بإمكانه الادعاء بوجود وضعية تعلمية سليمة في العالم القروي و لا أحد قادر على نقل صورة التعليم في البادية غير الأطر التربوية الذين يمثلون "العناصر" الفاعلة في رصد ارتهان التعليم القروي و إشكالاته المتفرعة، و في مقالتنا هاته محاولة بسيطة لتشخيص جذور الأزمة المؤِسسَة للفشل الدراسي انطلاقا من التجربة الشخصية كما عشناها –و لازلنا- في مواقع قروية مختلفة ، و لن نخوض طبعا في الاعتبارات الطبيعية المتمثلة في كوابح مشاكل الطرق وغياب الإنارة و صعوبة المسالك و برودة المناخ و ما إلى ذلك من الموانع التي تنضاف إلى مشاكل أخرى لتشكِّلَ حواجزا إسمنتيا يحول دون تمتع التعليم بنظام تربوي رائد .
لعل أولى العقبات الحادة التي تعيق بناء الجودة التربوية برأيي تتجلى في ما يسمى بالأقسام المشتركة التي غطت كل مرافق التعليم القروي، و للأسف فلا زالت أنظمتنا التربوية تعتبرها مسلكا مفيدا لبناء التعلمات بل تذهب إلى حد وصف دافعه الوجودي ب"الاختيار البيداغوجي التربوي" كما تقرر ذلك في كتاب الوزارة "الدليل البيداغوجي" للسلك الابتدائي ص(43) و الأدهى من ذلك تبريره انطلاقا من منطق مُقاولاتي صِرف يندرج ضمن شماعة "ترشيد النفقات"، و الغريب حقا أن يتم شرعنة "الأقسام المشتركة" على أساس نفي وجود "أقسام غير مشتركة" و يعلم التربويون كم هي مضاعفات الفوارق السيكولوجية و المعرفية و الزمنية و تعقيدات و تنوع البرامج و المقررات المدرسية كم هي حاضرة في "الأقسام المشتركة"،فإنْ كان قسم المستوى الواحد يضم فعلا خليطا في التكوينات و الانتماءات الزمنية فيسهل بالتالي على الأستاذ ضبط إيقاعه و التحكم في معيقاته التربوية فإن الصراحة و الوضوح تجعلنا نجزم باستحالة تحقيق تواصل تربوي فعال في قسم يعج بالمتناقضات المضاعفة، و تزداد المَهمة صعوبة كلما ضم فصل ما تعددا في المستويات كأن يشمل القسم المشترك المستوى الأول و الثاني و الثالث و الرابع عربي فرنسي، و في الواقع فنحن هنا أمام القسم المُعتَرك الذي صار ساحة حبلى بالتناقض التربوي و ليس أمام قسم يشارك فيه كل مستوى بانضباط و انسجام ، فأيّ عقل يمكن أن يقدر على التعامل مع أربع مستويات تزامنيا مع ما في كل مستوى من مشاكل قائمة بذاتها ؟ و كيف يتم التقريب بين الدروس و المقررات و بين مستويات متباعدة من حيث المضامين ؟ كيف تشرع في تعليم إكساب اللغة (العربية و الفرنسية) للمتعلمين في نفس الوقت و في نفس القسم ؟ جنون ! ألا يمكن أن نتصور الحالة النفسية التي يعاني منها الأستاذ و هو يكافح على أربعة جبهات متضادة وسط سياقات مفصولة عن بعضها البعض ؟ أم أنّ المقصود أنْ نُحوِّله إلى آلة ميكانيكية يشتغل فيها بموجب برمجة تقنية يُصارع فيها عدوا مجهولا لا حل معه البتة ، و في معادلة تقريبية للمشهد التربوي فإننا نفترض أن حصص اليوم الدراسي الواحد لكل مستوى ثمانية حصص أي ما يعادل في أربع مستويات 32 حصة في اليوم ، فكيفَ يُتَصور عقلا أن يكون بمقدور أستاذ الشروع بشرح 32 درسا أو تمرينا أو نشاطا تربويا في اليوم أي ما يقارب 192 نشاطا في الأسبوع ؟! إن هذا الوضع اللاتربوي المهترئ هو فعلا مأساوي على الجميع لأنه يقتل الجودة التربوية و يُبيدُ معنويات الأستاذ التي تنهار بسبب تضخم المقررات و تباعد المحتويات، فلا التلاميذ قادرون على اكتساب الحد الأدنى للتعلمات و لا الأستاذ قادر على نهج طريق تربوي سليم و فاعل، من هنا تتسلل المصائب حينما ندَعُ شؤون التربية للارتجال و الاجتهاد الفردي الخاص فيحلم غيرنا بتكوين جيل من المتعلمين المتمكنين،إذ كيف للفوضى أن تُنتِجَ النظام و حسن الأداء ؟
و مع كل أثقال الواقع التربوي البئيس فإن البعض من الأميين و أنصاف المتعلمين (ممثلي الجماعات القروية مثلا) لا يُقَدِّرون حجم المَهمة المعقدة فيسارع لإدانة الأستاذ و تحميله المسؤولية عن إخفاق التعليم في الوسط القروي و يجهل المسكين أن التربية بنية تحتاج لتوفر شروطها و سياقاتها لإنجاحها،و مع أنني لا أُعفِي بإطلاق الأستاذ من حصته في تحمل قسط من المسؤولية إدراكا مني بأن البعض منهم قد يُصاب بانهيار شامل أمام وضعيات لا تربوية فإني أقدر بأن جوهر الإشكال يكمن أساسا في المَهمة التي تفوق قدرة الأستاذ بسبب آفة الأقسام المشتركة، فكيف يمكن محاسبته على نِتاجه في غياب منهاج تربوي للتعامل مع التباينات الحادة التي تفرزها ظاهرة الأقسام المشتركة ؟ و للحقيقة نسجل أن ثمة أساتذة يبذلون مجهودات جبارة فيقاتلون باستماتة لأجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه رغم ثقل المسؤولية الخارجة عن السيطرة و مع ذلك لا تُقابلُ اجتهاداتهم بإحسان و لا تشجيعا من أحد ، بل و الأسوأ أنهم صاروا عند الأميين و أنصاف المتعلمين محل نقد و اعتراض و شكايات جائرة تُفضي غالبا من الأستاذ إلى الاستسلام للواقع الصلب قهرا ،و قد تُعينُ هؤلاء الأميين ما قد يلامسونه من تأخر في المردودية أو تغيبات أحيانا تساعدهم على إلصاق المسؤولية بالأستاذ ، فليت شعري، كيف يختزل الأمي إشكالية تحقق النجاعة في حضور الأستاذ بعيدا عن ضغط الفصل و صعوبة الواقع ؟ كيف نبرئ المحيط القروي الذي صارَ كابحا تربويا بامتياز ينضاف إلى عوامل صعوبة التحكم بالتعلمات ؟
على أن الأقسام المُعتَركة و إن كان فيها شيئا مذكورا من الإفادة لبعض المتعلمين سيكولوجيا إلا أن التوغل في ثناياها و تأمل نتائجها العملية تجعلنا نرسم صورة سلبية عن الحصيلة التربوية و ناتج القيمة ، إذ في الغالب لا يستوف المتعلمون حصصهم الرسمية و لا يستوعبون المضامين و المحتويات الدراسية بفعل اعتبارات شتى منها ما يعود إلى حالات الاكتظاظ التي تعيق بناء فصل منظم و منها ما يرجع إلى عجز الأستاذ عن مسايرة وتيرة التعلمات الرسمية و اضطراره لاختزال دروس على مستوى الشرح و التوضيح ، و في الغالب يُصابُ بحالة انهيار حقيقي نتيجة الإرهاق خصوصا لمن يملكون ضميرا مِهنيا تستفزهم براءة الأطفال . في الواقع لا يملك أي أستاذ أي إمكانية التصرف بعقلانية داخل فصل بفسيفساء مختلفة يتفاوت فيها المتعلمون في القدرات الذهنية و التمثلات العقلية، و لا يستطيع أحد أن يستوفي شرائط التربية السليمة في وضعيات لا تربوية تحكمها أعدادا مكتظة و عقليات راكمت الجهل و الحِرمان ، بل في نظري يصعب استيفاء الحد الأدنى عندما يتعلق الأمر بقسم معترك مكتظ مزدوَج مُسَلسَل لا يبق و لا يذر ، و تَنتظرُ من الأستاذ المُحاصَر تحت وقع الظرف القاسي و الفصل الغريب أن يُنتِجَ لنا عقولا متعلمة قادرة على المنافسة و التحدي الدولي ! هيهات!
و مهما قيل عن ضرورة التذكير في بدائل بيداغوجية و ديداكتيكية كأن يتم اللجوء إلى اختيار مضامين مشتركة للأقسام المشتركة و تدبيرها لمستويين متقاربين أو اعتماد مقرر أدنى واحد لكل مستويين متقاربين فإن ذلك و إن كان يخفض من حجم المَهمة التربوية إلا أنه يمثل "اجتهادا" في غير محله إذ يسهم في تنميط العقول و زرع للملل و قتل للطموح لدى فئات من المتعلمين، و مع كثرة المتعلمين في القسم المُعترك يصير الأستاذ ملزما بحكم الاضطرار إلى إتباع أساليب منهجية تلقينية صِرفة تقوم على الإلزام و توحيد الخطاب التربوي، ففي حالتنا ليس ثمة مخرج لحل وضعية غير تربوية غير العودة إلى أنماط القدماء في تسيير الكتاتيب !


Aboujaber85 13-10-2013 19:34

أمام هذا الواقع المرير، نجد أنفسنا محاصرين بعاملي الزمن و كثرة المضامين، لكن ما لا يدرك جله لا يترك كله


الساعة الآن 19:42

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات دفاتر © 1434- 2012 جميع المشاركات والمواضيع في منتدى دفاتر لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة المنتدى بل تمثل وجهة نظر كاتبها