![]() |
ورش التعليم والمسؤولية المشتركة
ورش التعليم والمسؤولية المشتركة
http://t1.hespress.com/cache/thumbna..._120116587.jpg رشيد القبيـل الخميس 24 أكتوبر 2013أوراش التربية والتكوين والبحث العلمي ما زالت مفتوحة منذ الاستقلال وستظل كذلك لعقود قادمة. في العقد الأخير شكل الميثاق الوطني للتربية والتكوين خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح وهو ثمرة عهدي الحسن الثاني ومحمد السادس ولا شك أن لذلك دلالاته الرمزية. لكن تنزيله شابته صعوبات جعلته بين نجاح وإخفاق، وهذا طبيعي عند الانتقال من التصور إلى التطبيق والعمل. كيفما كانت نسب النجاح والإخفاق يمكن الاستدراك ما دمنا نتوفر على مرجعية توافقية مفترضة يمكن الانطلاق منها ومراجعتها وتقويم تنزيلها في أفق التجويد عن طريق مراكمة الإيجابيات وتجاوز السلبيات. المرجعية والمراجعة ميزتان مهمتان للميثاق لو اقتصر عليهما لكفته. فيما يلي سنحاول إبداء بعض الملاحظات حول صيرورة الإصلاح وتبيان مدى تعدد المسؤوليات في قضية التعليم وتراكبها وجدليتها وتوزعها على عدة مستويات من خلال بعض الأمثلة بالانطلاق أساسا من مذكرات ومواقف رسمية، أبدأها بكلام شجاع للحسن الثاني رحمه الله سنة 1986 ارتباطا بمشاكل التعليم" اعتمد على وطنيتكم ونزاهتكم حتى يمكننا ... أن نكون قد تراجعنا عن الأغلاط التي ارتكبناها، وهنا يجب أن نكون متحلين بالشجاعة وأن نبني المستقبل لا هدف لنا إلا أن يكون المغربي أو المغربية عملة يتعامل بها في السوق العلمية والتقنية العالمية" [1] التعليم مسؤولية وطنية في سنة 1995 قدمت مقال لي حول مسألة إصلاح التعليم العالي بما يلي : "نأمل أن تحصل القناعة، وتتكاثف كل الجهود المخلصة والغيورة على هذا البلد لكي تتبوأ الجامعة مكانها الطبيعي واللائق داخل المجتمع، وليعتبر الجميع أن ذلك من المصالح العليا للوطن والله ولي التوفيق"[2 ] ولقد انتابني إحساس بالرضى عنما وجدت ميثاق التربية والتكوين في مطلع القرن 21 يعتمد إعلان "قطاع التربية والتكوين أول أسبقية وطنية بعد الوحدة الترابية "[3 ] لأجل ذلك دعا جلالة الملك محمد السادس " كل الأطراف المعنية من جماعات محلية وقطاع خاص ومؤسسات إنتاجية وجمعيات ومنظمات وسائر الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين " [4] للمساهمة في إنجاز الأهداف المعلنة في الميثاق " دون إغفال دور الآباء والأمهات ومسؤولية الأسر في المشاركة بالمراقبة والتتبع والحرص على المستوى المطلوب" [4] في إطار ذلك يختم الميثاق قسمه الأول المتعلق بالمبادئ الأساسية بما يلي" يحظى قطاع التربية والتكوين...بأقصى العناية والاهتمام، على كل مستويات الدولة والجماعات المحلية ومؤسسات التربية والتكوين نفسها وكل الأطراف والشركاء والمعنيين، تخطيطا وإنجازا وتتبعا وتقويما وتصحيحا، طبقا للمسؤوليات والأدوار المحددة....... إن كل القوى الحية للبلاد حكومة وبرلمانا وجماعات محلية وأحزابا سياسية ومنظمات نقابية ومهنية وجمعيات وإدارات ترابية، والعلماء والمثقفين والفنانين، والشركاء المعنيين كافة بقطاع التربية والتكوين، مدعوة لمواصلة الجهد الجماعي من أجل تحقيق أهداف التربية والتكوين جاعلين المصلحة العليا للوطن في هذا الميدان الحيوي فوق كل اعتبار"[3] إن الخوض في ورش بهذه المكانة البارزة ضمن الأولويات الوطنية يقتضي أولا الموضوعية والنزاهة وإبعاد الذات عن كل مغنم يرتجى أو مغرم يخشى وثانيا تحرير الجرأة من عقالها تصورا وتحليلا ونقدا . التعليم بين مسؤوليات الخبير والسياسي والنقابي إن تطور المعرفة الممتد والمتسارع وعلاقتها المتشابكة بالتنمية عموما والتكنولوجيات المهرولة خصوصا، يشكل تحديا معرفيا كبيرا للنظام التعليمي وعلاقاته بالمجتمع في الدول المتقدمة التي تمتلك ناصية العلم والعمل به بله الدول التي مازالت تتحسس طريقها في هذا المضمار. هذا المعطى يرجح كفة الخبير على السياسي ويحتم ، بالإضافة إلى كون التعليم أولوية وطنية، الابتعاد عن تسييس التعليم أو التفسير السياسوى لإشكالاته أو استعماله لتصفية حسابات سياسوية وحزبية ضيقة أو مكاسب فئوية. من المؤسف أن ذلك غالبا ما بقي شعارا لدى الفاعلين السياسيين والنقابيين في المغرب أكثر مما هو سلوكا وفعلا. وسأعطي بعض الأمثلة: أبرز مثال على تسييس التعليم هو مسألة لغة التدريس. اللغة وعاء الفكر ولامجال للتذكير بمحوريتها في العملية التعليمية وبعلاقتها بالتنمية. نكتفي بما أشار إليه المجلس الأعلى للتعليم إلى أن "المتعلم المغربي الذي يواجه إشكالية الأمن اللغوي تتقلص قدراته التنافسية، مقارنة بأمثاله في الدول التي لا تعرف التذبدب أو النقص في تعلم اللغة الوطنية واللغات الأجنبية" [5] وأشار إلى إشكالية التنوع اللغوي الذي يجبر التلاميذ على التعامل مع "عوالم لغوية متعددة "[5] وأن ذلك يشكل أحد أسباب ضعف التحكم في اللغات وأن ذلك الضعف يعمق "من التباعد بين المعارف، وبين المسالك، وبين الآفاق المهنية، تباعد تغذيه كذلك الازدواجية القائمة في منظومتنا على مستوى التدريس ولا سيما بين التعليم الثانوي والتعليم الجامعي"[5] الخبرة البيداغوجية مدعومة بالتجارب الدولية تؤكد أن إحدى مفاتيح النجاح التدريس باللغة( اللغات) الوطنية مهما بلغت انعزاليتها وعدد المتحدثين بها( العبرية واليونانية مثلا). إن التدريس بالفرنسية بالجامعة قرار سياسي وليس بيداغوجي وآثاره جد سلبية. حتى إذا رجحنا مبدأ الانفتاح على العالم فالخبرة والمصلحة تقود إلى استعمال الإنجليزية. لو اكتفيت مثلا بمجال الإلكتروني الذي أزعم الإلمام به أكثر من غيره من التخصصات، فإني أجزم بوجود هوة رهيبة بين المراجع الفرنسية والإنجليزية لصالح هذه الأخير، وأن معدل المدة الزمنية لصدور مراجع فرنسية يقارب ما هو موجود بالإنجليزية مضمونا علميا وجودة بيداغوجية يمتد من5 إلى 10 سنوات ورغم ذلك قد تجدها تفيض بالمصطلحات الأصلية بالإنجليزية، أما منشورات البحث العلمي فحدث ولا حرج. هذا حال الفرنسية مع الإلكترونيك إحدى مفاتيح الثورة التكنلوجية التي يشهدها العالم ولا شك أن الأمر ينطبق على تخصصات أخرى. إن الغرب في بداية دورته الحضارية انفتح على اللغة العربية لغة العلم أنداك رغم الاختلاف الثقافي مع العالم الإسلامي ورغم الخصومة التي تصل حد العداوة التي كانت تغذيها أطراف ونخب معينة. إن الأمر يهم مصلحة الوطن التي من المفروض أن تعلو على جميع المصالح الأخرى. المثال الثاني لتسييس مسألة التعليم هي قضية المجانية على حساسيتها. الخبرة تقول أن التعليم بطبيعته أصبح ذا كلفة عالية وخصوصا إذا كانت الجودة مطلوبة. في هذا الصدد نجد الميثاق يدعو إلى النظر في " إمكانية خلق مساهمة وطنية في تمويل التعليم....ويراعى في التكليف بهذه الموارد مستوى دخل الأسر ومبدأ التكافل الاجتماعي" [3] كما يدعو إلى إقرار "رسوم التسجيل في التعليم العالي ، وفي مرحلة لاحقة في التعليم الثانوي"[3] وحدد آجالا لذلك، 3 سنوات بالنسبة للتعليم العالي و4 أو 5 سنوات بالنسبة للثانوي[3] ونظرا لأهمية ذلك فقد أفرده الخطاب الملكي بما يلي" ولن تتم مساهمة الفئات ذات الدخل المرتفع بالنسبة للتعليم الثانوي إلا بعد خمس سنوات من الوقوف على نجاح هذه التجربة مع الإعفاء التام للأسر ذات الخل المحدود. أما بالنسبة للتعليم العالي فلن تفرض رسوم التسجيل إلا بعد ثلاث سنوات من تطبيق المشروع مع إعطاء منح الاستحقاق للطلبة المتفوقين المحتاجين" [4] رغم ذلك قامت الدنيا ولم تقعد عندما دعا وزير التعليم العالي الحالي - في استجواب صحفي صرف لا غير- إلى ضرورة مساهمة الطبقة الميسورة في تحمل تكاليف التعليم العالي. لم يهب أي أحد للوقوف مع الوزير وحماية ظهره علما أن الميثاق نص توافقي لكافة الأطياف السياسية الممثلة في البرلمان وغيرها. المثال الثالث يهم مخاض تطبيق الإصلاح البيداغوجي الجامعي الحالي. الخبرة - منذ الثمانينات على الأقل - كانت تؤكد الجمود و ضعف المردودية للنظام البيداغوجي أنداك. رغم ذلك تم ارتهان تطبيق الإصلاح البيداغوجي الجامعي حوالي العقدين من الزمن من طرف الموقف النقابي بدعوى ضرورة الإصلاح الشمولي والمستبطنة في الواقع للمطلب النقابي بمراجعة النظام الأساسي للأساتذة الجامعيين. مع إرهاصات التوافقات السياسية الكبرى، في نهاية التسعينات، تحركت عجلة التغييرات في القوانين الجامعية بصفة مجزأة ابتداء بالنظام الأساسي للأساتذة ! من جهة أخرى فإن الجرعة الزائدة في التفسير السياسوي لمسألة التعليم مرده جزئيا إلى نقص الخبرة داخل الأحزاب والتي من بين أسبابها المباشرة الوضعية الهشة للمؤسسة الحزبية خصوصا وأن الدساتير السابقة جعلتها ضعيفة الجاذبية للأطر" الطموحة". إن التنزيل الديمقراطي لدستور فاتح يوليوز وتحسين الديمقراطية الداخلية سيساهم في جعل المؤسسة الحزبية قادرة على استقطاب الأطر الكفؤة والخبيرة لتقوم بوظيفتها سعيا إلى التحليل السليم ودعم القوة الاقتراحية. في نفس الاتجاه يجب التطلع إلى تخفيف جنوح النقابي إلى التعامل مع قضايا الإصلاح بمنظور مطلبي صرف وإلى عدم التركيز على الحقوق على حساب الواجبات. إن المجلس الأعلى للتعليم اختيار جيد قد يفي بالدور المنوط به وإرساء خارطة طريق السياسة التعليمية دون السقوط في تسييس التعليم والحسابات السياسوية الضيقة، إذا توفرت الإرادة الجماعية وإذا تمت إعادة هيكلته وتفعيله على أسس جديدة تبتغي النجاعة وتحقق المعادلة الصعبة التي ترجح الخبرة دون إغفال التمثيل السياسي. ورش التعليم يحتاج إلى الخبير أكثر من السياسي لكن في مناخ سياسي سليم وفي إطار ربط المسؤولية بالمحاسبة. التعليم والمسؤوليات المتراكبة بصفة عامة تحديد المسؤوليات وتوزيعها على مؤسسات الدولة ليس بالأمر السهل وخصوصا في بلد ما زال في مخاض التحول الديمقراطي. في مسألة التعليم الأمر أعقد. إذا اعتبرنا الميثاق مرجعا فإن هذا الأخير منذ البداية يجعل النهوض بالتعليم مسؤولية جماعية للمؤسسات الرسمية وطنيا ومحليا ويدعو الهيئات المجتمعية والاقتصادية للانخراط في هذا الورش كما سبق ذكره. والمتصفح لتقرير للمجلس الأعلى للتعليم يجده يحمل المسؤولية لكل من" الدولة والإدارة العمومية بمختلف مكوناتها الترابية والمجموعة التربوية ولكافة فئات المجتمع وفعالياته"[5] ويعتبر" مصير المدرسة تحد جماعي فعلي. [5] أكيد أن المسؤولية الحكومية وزنها معتبر ومن ضمنها مسؤولية السلطات الحكومية الوصية. لكن مسؤولية هذه الأخيرة أصبحت مركبة جدا بين المركزي والمحلي بفعل تطبيق اللا تمركز والاستقلالية في إطار نموذج جديد" للحكامة المتميز بمرونة أكبر وبتخويله اختصاصات أوسع للأكاديميات الجهوية للتربية و التكوين الجامعات"[5] لقد جاء الميثاق بالاستقلالية في الوقت الذي حمل فيه قسطا مهما من تطبيقه للهيئات الفتية المستحدثة (الأكاديميات) أو الموسعة (الجامعات) بموجبها. وبالرغم من بعض المكتسبات من مثل رفع نسبة النفقات الملتزم بها فقد لاحظ المجلس الأعلى للتعليم أن لا تمركز منظومة التربية والتكوين واستقلالية الجامعة تظل أوراشا أساسية تتطلب جهدا مضاعفا[5]. الواقع أن تعثرات تنزيل الاستقلالية انعكس سلبا على تنزيل إصلاح المدرسة والجامعة. في حالة التعليم العالي أصبحت الاستقلالية أعمق بعد قانون 01.00 وبالتالي مسؤولية أكبر على كل من مجلس الجامعة مرورا بمجالس المؤسسات الى الأستاذ الجامعي الذي أنيطت به مهام متعددة مبكرا في سنة 1997 [6] مع العلم أن تركيبة هذه المجالس لا تتحكم فيها السلطة الوصية إلا بنسبة جزئية وضعيفة وقد تكون غالبية المجلس لا تشاطر السلطة نفس التوجهات ولا القناعات الإصلاحية إن لم تعاكسها لسبب أو لآخر. لا شك أن الاستقلالية مكون من مكونات الحكامة وتحتاج للوقت الكافي لكي تترسخ لكن من مقتضياتها توزيع المسؤولية. تجديد المناهج وتدعيم الجانب التطبيقي في افق الانفتاح على المحيط تحد آخر تتجلى فيه المسؤولية المشتركة بين الحكومة ومنظومة التربية والتكوين والمحيط. ولعل دعوى عدم ملائمة منتوج المنظومة للمحيط يشكل إحدى المؤشرات البارزة التي تعطي الانطباع بفشل المنظومة. عندما نتحدث عن تلبية حاجات المحيط يتبادر إلى الذهن أن هذه الحاجات مؤطرة كما وكيفا بنسبة معقولة ومحاط بها على المدى المتوسط وبالتالي تمكن مواكبتها بالمناهج الملائمة. الواقع أن هذا التأطير نسبيا غير متاح والدراسات الرسمية الاستشرافية المتوفرة تبقى فضفاضة لا تفي بالغرض المطلوب. في هذا الإطار لم يفعل مرصد التوفيق بين الدراسات العليا والمحيط الاقتصادي والمهني كما تنص على ذلك المادة 79 من قانون 01.00. كما أن الشبكات المحلية والجهوية لتدعيم الجانب التطبيقي للمنظومة التربوية مازالت حبرا على ورق. أما التكوين بالتمرس والتناوب بين المدرسة/الجامعة والمقاولة فهو شبه غائب وغير ممأسس ومحصور في اجتهادات ذاتية. كل ذلك تتقاسم المسؤولية فيه المدرسة/الجامعة والمقاولة والهيئات التمثيلية المهنية والاقتصادية. أما طبيعة النسيج الاقتصادي المغربي وجنوحه أكثر إلى عالم الخدمات والتدبير والتسيير بدل التصميم والتصنيع ناهيك عن ضعف قيمته المضافة فيطرح إشكالات كبيرة للمدرسة/الجامعة لا يتسع المجال لبسطها الآن. إن جزء من أزمة للمدرسة/الجامعة يرجع إلى أزمة المحيط وبالتالي تقاسم المسؤولية، لكن يتم إسقاط أزمة المحيط على المدرسة/الجامعة فتصبح وحدها في قفص الاتهام وبالتالي تتحمل كل المسؤولية. البحث العلمي هو أيضا تحد آخر تتقاسم فيه المسؤولية عدة أطراف إلى جانب السلطة الوصية بفعل عدة عوامل منها الاستقلالية التي تتمتع بها المؤسسات المنوطة بها النهوض بالبحث العلمي: المركز الوطني للبحث العلمي والتقني ، أكاديمية الحسن الثاني للعلوم والتقنيات ، الجامعات، المعاهد العليا...إلخ.. على سبيل المثال لابد من التساؤل عن أداء المركز الوطني للبحث العلمي والتقني ومردوديته بالنظر للإمكانات المرصودة والمرونة التشريعية التي يتمتع بها، لابد من التساؤل عن أثر عدة برامج علمية تم تبنيها ودعمها من طرف المركز. في نفس الموضوع لابد من مساءلة أداء أكاديمية الحسن الثاني للعلوم والتقنيات التي طفأت شمعتها العشرين في 6 أكتوبر 2013. والتي تحظى بقانون يولي كل التقدير الخاص والرعاية المطلوبة للعلم والعلماء. هل توفقت الأكاديمية في إنجاز المهام المنوطة بها والمتمثلة في المساهمة في مجالات النهوض بالبحث العلمي والتقني و تحديد سياساته والتقييم والتمويل وإدماجه في المحيط الاجتماعي الاقتصادي الوطني والدولي؟[7] . هل اقتصر نشاطها الغالب على مواكبة العلوم في بعض المجالات من خلال الملتقيات ونشر الثقافة العلمية ؟ وما هو مآل بعض المشاريع العلمية التي دعمتها ؟ وهل كلها تدخل في إطار أولويات البلاد؟[8] لابد من الإشارة في موضوع أزمة البحث العلمي إلى عامل التشتت حيث أنشئت لجنة بين وزارية للتنسيق منذ 2002 وتم أيضا إصدار ورقة للأولويات لكن لحد الآن مازالت الأمور تراوح مكانها. المختبرات العلمية في الجامعات مثلا تشتغل عموما وكأن هذه الأولويات غير محددة أو لا تقدر على الاشتغال عليها لنقص في الخبرة أو التخصص أو الإمكانات المادية خصوصا في مجال التقنيات والعلوم الغير الإنسانية. هذه بعض الأمثلة التي تظهر كم هي الأمور متراكبة ومتشابكة في مسألة التعليم وارتباطه بالمجتمع والتنمية حيث يجدر اجتناب التبسيط المخل الساذج أو المغرض الذي من أسبابه الزج بهذه القضية في أتون المناكفات السياسوبة الضيقة. التعليم والمسؤولية الحكومية ما سبق لا يتغيأ إعفاء الحكومات المتعاقبة من المسؤولية، بل إنها مسؤولية وازنة ومعتبرة ولكن يجب استحضار المشهد برمته بكل إكراهاته وبالإرث الثقيل للمنظومة والمحيط حيث لا سبيل إلى تغييرهما إلا على المدى المتوسط على أقل تقدير. وفق هذا المنظور وإذا حصرنا الأمر عند تنزيل الميثاق منذ بداية القرن 21 فإن الحكومات السابقة تتحمل المسؤولية نجاحا وإخفاقا إلى حدود سنة. 2012لكن اللجوء إلى البرنامج الاستعجالي 2009-2012 يشي بأن الإخفاق غلب على النجاح إلى حدود 2009 على الأقل. وتجدر الإشارة في هذا الصدد أن الميثاق لم يعتبر إلزاميا من طرف جميع الحكومات السابقة. أما الحكومة الحالية فمن الصعب الحديث عن مسؤوليتها عن مآل البرنامج الاستعجالي بالنظر لزمن بداية تكليفها الذي جاء في اللحظة الأخيرة للبرنامج الاستعجالي. أكثر من ذلك فحوالي السنة والنصف فقط من تولي الأمور يسفه الرأي الذي يروم إلصاق كل علل المنظومة بها.إن تحميل مسؤولية مآل المنظومة إلى الحكومة الحالية وحدها لا يخلو من تجني فاضح لكيلا نقول وقاحة وصفاقة. حتى إذا أسقطنا عدة اعتبارات وتجاوزنا عوامل شتى واعتبرنا عامل الزمن فقط فإن مسؤولية الحكومات السابقة في تنزيل الميثاق تساوي ستة أضعاف مسؤولية الحكومة الحالية. قد نتفق أو نختلف مع بعض الإجراءات لكنها في حد ذاتها لا تمثل مؤشرا كافيا لتحميلها مسؤولية مآل المنظومة. قد نتفق أو نختلف مع قرار عدم مواصلة اعتماد بيداغوجيا الإدماج لكن هذه الأخيرة لا تمثل سوى تدبيرا واحدا من عشرات التدابير التي جاء بها البرنامج الاستعجالي فوق ذلك فقد وردت في إطار التجريب حيث نص بالحرف على " تجريب آليات التدريس ببيداغوجية الإدماج".[9] وحسب علمي فإن دراسة ميدانية قامت به وزارة التربية الوطنية بينت أن تنزيل تجربة بيداغوجيا الإدماج غير ناجح مع تسجيل عدة اختلالات. قد نتفق أو نختلف مع قرار عدم الاستمرار في إنشاء مدارس التميز الثمانية في ربوع المملكة كما نص على ذلك البرنامج الاستعجالي. لكن هل يشكل ذلك محددا حاسما لنجاح تنزيله؟ إن فكرة الاهتمام بالمتميزين فكرة رائعة يجب الحفاظ عليها، لكن هل تصريفها عن طريق مدرسة التميز، بالشكل الذي هي عليه، إجراء موفق وكاف ؟ لم أعلم قط أن السلطات الوصية الحالية أصدرت قرارا بوقف تنزيل البرنامج الاستعجالي ككل لكن بادرت إلى معالجة عدة اختلالات أصبحت ضرورية لإيجاد أرضية سليمة لاستقبال أو استمرار أي برنامج إصلاحي لمنظومة التربية والتكوين . اختلالات إلى حد الفساد ما فتئت تنخر المنظومة: الاكتظاظ، نقص التأطير، تقلص الزمن المدرسي، التسيب، التبذير، مصداقية الشواهد...إلخ. إن الاكتظاظ مثلا اضطر كثير من رؤساء المؤسسات إلى عدم فتح أو تجديد المسالك المهنية وسلك الماستر بأنواعه في المؤسسات ذات الولوج المفتوح مما يذهب عكس توجه البرنامج الاستعجالي الداعي إلى تعزيز المهننة من جهة وتقوية البحث العلمي الذي يعتبر الماستر بوابته الرئيسية. كذلك الإجراءات الحالية لتعزيز الشفافية لولوج الماستر مثلا يؤدي إلى عدم إقصاء الكفاءات المتميزة وبالتالي تعزيز مصداقية الشهادة العلمية وإحدى عوامل تقوية البحث العلمي. ترشيد الموارد المالية هو أيضا يدخل في صلب تنزيل أي برنامج إصلاحي. نظرا لأهمية ذلك نجد جلالة الملك في تقديمه للميثاق يؤكد على أن " الضرورة لتقتضي كذلك أن ننظر إلى أساليب التدبير من أجل ترشيد النفقات المرصودة للتعليم. وإن الواجب يحتم علينا الصرامة في التعامل مع الأموال العامة صونا لها من كل التلاعبات. إننا نستطيع تحقيق هذه الأهداف إذا ما تم ترشيد استغلال الموارد المادية وعقلنة تدبيرها"[4] وفي هذا الإطار تأتي مثلا مجمل التدابير للسلطة الوصية الحالية التي أدت لاقتصاد 70٪ من ميزانية التسيير للتعليم العالي[10]. إن مجموعة التدابير التي اتخذتها السلطات الوصية الحالية جعلت منظومة التربية والتكوين تبدو أكثر انضباطا وجدية مما يشكل عاملا من عوامل تنزيل ناجع لجيل جديد من الإصلاحات التراكمية المتتالية ترسخ المكتسبات وتنأى عن الكبوات. إن ورش التعليم يبقى من الأوراش ذات المدى البعيد لكن لا مناص من المقاربة و التسديد والمراجعة على فترات زمنية في المدى المنظور. هذا المعنى نجده في ما قاله الحسن الثاني رحمه الله سنة 1986" أقول دائما هناك ميدانان يجب الإصلاح فيهما والتفقد لهما في كل خمس أو ست سنوات، ألا وهما ميدان التعليم والميدان الفلاحي" [1] ولا يجب أن " ننام على ذلك الإصلاح مرتاحين متكئين، لأن كل إصلاح للتعليم ينتظره إصلاح من بعد في كل خمس أو ست سنوات لأننا لا نتعلم لأنفسنا، نتعلم لأن نكون، لأن نروج في السوق العالمية، العلمية"[1] نتمنى أن تتحد القلوب قبل العقول لمواصلة نهج الإصلاح الطويل والشاق بكل نزاهة وبكل وطنية والله ولي التوفيق. ------------------------------------ المراجع [1] خطاب جلالة الملك الحسن الثاني بمناسبة افتتاح السنة التشريعية 1986-1987 [2] رشيد القبيل، إصلاح التعليم العالي بين النقابة والوزارة،( 1989-1995) جريدة الراية، عدد141، صفحة3 – 1995. [3] الميثاق الوطني للتربية والتكوين 1999. [4] خطاب جلالة الملك محمد السادس بمناسبة افتتاح السنة التشريعية الثالثة 1999-2000 [5] تقرير المجلس الأعلى للتعليم ـ سنة2008 [6] المادة 4 من مرسوم رقم 2.96.793 صادر في 11 من شوال 1417 (19 فبراير 1997) في شأن النظام الأساسي الخاص بهيئة الأساتذة الباحثين بالتعليم العالي [7] المادة 2من الظهير ظهير شريف معتبر بمثابة قانون رقم 1.93.364 صادر في 19 من ربيع الآخر 1414(6 أكتوبر1993) بإنشاء أكاديمية الحسن الثاني للعلوم والتقنيات [8] أسئلة نطرحها انطلاقا أساسا من المعطيات المنشورة بالموقع الإلكتروني للأكاديمية التي تعطي الانطباع بتواضع أداء ها مقارنة بالمهام المنوطة بها، إلا إذا كان الموقع لا يتابع عن كثب أنشطتها وهذا مستبعد ومستغرب. [9] البرنامج الاستعجالي، المجال1، تطوير العدة البيداغوجية [10] حسب تصريح وزير التعليم العالي في إجابته على سؤال شفوي بمجلس النواب، الاثنين 15 يوليوز 2013. *أستاذ جامعي / نائب برلماني |
| الساعة الآن 10:12 |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات دفاتر © 1434- 2012 جميع المشاركات والمواضيع في منتدى دفاتر لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة المنتدى بل تمثل وجهة نظر كاتبها