![]() |
الهدف الأسمى من ترتيل القرآن
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعاملين محمد النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
فإن الهدف الأسمى والثمرة المرجوة عند تثقيف اللسان وتهذيب الألفاظ حصول التدبر لمعاني كتاب الله تعالي والتفكر في غوامضه والتبحر في مقاصده وتحقيق مراد الله تعالي من ذلك فلو أراد الله عز وجل منا مجرد إقامة الحروف لجعل الحكمة من الإنزال (لتقيموا حروفه) ولكنه سبحانه وتعالى قال: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ) [ص: 29] ليبين لنا أن الهدف الأسمى من إقامة الحروف هو التدبر والتذكر فالنطق السليم بريد المعني وذلك أن اللغة العربية في الأصل لغة مسموعة وليست بمقروءة فالقارئ الماهر يوضح للسامع معني ما يلقيه علي سمعه بأدائه السليم الموافق للسليقة العربية لذا قيل: "النطق السليم بريد المعنى". ولقد أمرنا الله عز وجل بترتيل القرآن فقال (وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً ) [المزمل:3] والترتيل هو التمهل والإفصاح في النطق علي وجه يميز به معناه قال صديق حسن خان في "فتح البيان"[ط. المكتبة العصريَّة (14/381)]: (( وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً ) أي اقرأه على مهل مع تدبر). اهـ قال عبد الرحمن الدوسري في الرد علي من استدل بهذه الآية في إثبات وجوب التجويد الصناعي في : ( أولها أن معني الترتيل في اللغة هو ضد الإسراع إذ هو التمهل والإفصاح في النطق علي وجه يميز به معناه ويحصل به التدبر والخشوع وليس الترتيل مراعاة إخراج الحروف من مخارجها كما يزعمون ) قال صديق حسن خان في "فتح البيان"[ط. المكتبة العصريَّة (14/381)]: ( والمقصود من الترتيل إنما هو حضور القلب عند القراءة لا مجرد إخراج الحروف من الحلقوم بتعويج الوجه والفم وألحان الغناء كما يعتاده قراء هذا الزمان من أهل مصر وغيرها في مكة المكرمة وغيرها بل هو بدعة أحدثها البطالون الأكالون والحمقى الجاهلون بالشرائع وأدلتها الصادقة وليس هذا بأول قارورة كسرت في الإسلام) فالمقصود الأعظم من إنزال القرآن والأمر بقراءته هو التدبر في آيات القرآن والعمل بأحكامه وأوامره قال الله عز وجل : : (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ) [ص: 29] قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (7/64) [ط. دار طيبة]: ( قال الحسن البصري: والله ما تَدَبُّره بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، حتى إن أحدهم ليقول: قرأت القرآن كله ما يُرى له القرآنُ في خلق ولا عمل. رواه ابن أبي حاتم.)اهـ وقال تعالى: (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا) [ النساء: 82] فالله أنزل القرآن لنتلوه ولنتدبر معانيه ثم لنعمل به, فمعنى يتلون كتاب الله في قوله تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ( [فاطر:29] هو أنهم يتلون كتابه ويؤمنون به ويعملون بما فيه من إقام الصلاة، والإنفاق مما رزقهم الله في الأوقات المشروعة ليلا ونهارا، سرا وعلانية. ولقد اجتمع في قراءة القرآن خمس مقاصد ونيات وهي: النية الأولى: مناجاة الله تعالى والثانية: نيل الثواب والثالثة: شفاء لما في الصدور والرابعة: العلم به والخامسة: العمل بما فيه. فعليك عبد الله أن تحصل هذه النيات جميعها كي تكون من التاليين لكتاب الله حق تلاوته الفائزين بالسعادة في الدارين. إذن المقصود من قراءة القرآن فهمُه وتدبُّره، والفقهُ فيه والعملُ به، وأما تلاوتُه وحفظُه فوسيلة إلى معرفة معانيه، ولهذا كان أهلُ القرآن هم المتدبرون القرآن، والعالِمون به، والعاملون بما فيه، وإن لم يحفظوه عن ظهر قلب وأما من حفظه ولم يفهمه ولم يعمل بما فيه، فليس مِن أهله وإن جوَّد كلماته وأقام حروفه إقامةَ السهم. قال ابن القيم رحمه الله وهو ينقل أقوال من قال أن قلة القراءة مع التدبر أفضل من كثرتها بلا تدبر في كتابه القيم (زاد المعاد) [ط- الرسالة (1/338)]: (قالوا: ولأن الإِيمان أفضلُ الأعمال، وفهم القرآن وتدبُّره هو الذي يُثمر الإِيمان، وأما مجردُ التلاوة من غير فهم ولا تدبر، فيفعلها البرُّ والفاجرُ، والمؤمن والمنافق، كما قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "وَمَثَلُ المُنَافِقِ الَّذِي يَقرَأُ الْقُرْانَ، كَمَثَلِ الرَّيْحَانَةِ، رِيحُهَا طَيِّبٌ، وَطَعْمُهَا مُرٌّ". والناس في هذا أربع طبقات: أهلُ القرآن والإِيمان، وهم أفضل الناس. والثانية: من عَدِم القرآن والإِيمان. الثالثة: من أوتي قرآناً، ولم يُؤت إيماناً، الرابعة: من أوتي إيماناً ولم يُؤت قرآناً. قالوا: فكما أن من أوتي إيماناً بلا قرآن أفضلُ ممن أوتي قرآناً بلا إيمان، فكذلك من أوتي تدبراً، وفهماً في التلاوة أفضل ممن أوتي كثرة قراءة وسرعتها بلا تدبر. قالوا: وهذا هديُ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإنه كان يرتِّل السورة حتى تكون أطولَ من أطول منها، وقام بآية حتى الصباح). اهـ والحاصل مما ذكرنا أن علم التجويد ليس مقصودًا لذاته ولكن لحصول التدبر فعلي القارئ ألا يكن همه الأسمى أن يقيم الحروف دون المعني فعلي القارئ أن يقيم الحروف مع تدبر المعني وعليه ألا يشغل نفسه بالمبالغات والتكلف في القراءة وليقرأ بسليقته وطبيعته فالقراءة الموافقة للسليقة والطبيعة السليمة تستقيم وتنضبط بها الحروف والتكلف والتنطع يخلّ بنطق الحروف ويخرجها عن ميزانها ومعيارها وليعلم المسلم أن قراءة القرآن عبادة فلا بُدَّ أن يَتَوَافرَ فِيهَا شرطا قبول العمل وهما الإِخْلاصُ والمتابعةُ لذا لا يجوز أن يقرأ القرآن بالتكلف والتشدق لمخالفة ذلك لهدي الرسول × في القراءة إذ كانت قراءته سلسة عذبة لا تكلف فيها ولا تشدق لذلك كره السلف الصالح التكلف في القراءة لأن ذلك يخرج القرآن عن فصاحته وقدسيته وأيضا لا يجوز أن يخضع القرآن لألحان الأغاني فهو ينزه عن ذلك كله. كراهة السلف للتكلف (وَالمَقْصُودُ : أنَّ الأَئِمَةَ كَرِهُوا التَّنَطُّعَ وَالغُلُوَ فِي النُّطْقِ بِالحَرْفِ وَمَنْ تَأمَّلَ هَدْيَ رسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وإقرارَهُ أهْلَ كُلِّ لِسانٍ على قِراءَتِهِم، تبيَّنَ لهُ أنَّ التَّنطُّعَ، والتَّشدُّقَ، والوَسْوسَةَ في إخْراجِ الحروفِ، ليسَ من سُنَّتهِ). لقد كان أئمة القراءة من سلفنا الصالح من أشد الناس كراهة للتكلف قال أبو العلاء الهمذاني رحمه الله في "التمهيد" [ط.دار الصحابة (93)]: (ثم إني ألفيت جماعة من المتكلفين من قراء زماننا قد اعتمدوا في حفظ القرآن على المصحف وفى علومه على الصحف فالمتباهي منهم إذا حرك رأسه، وضيق عند القراءة أنفاسه، ودرت أوداجه، واحتد مزاجه، وأفرط في الحركات، ورعد المدات، وغلظ الراءات واللامات، يرى أنه قد بالغ في تجويد القراءة وترتيلها وتحقيق التلاوة وترسيلها. وقد كان حمزة ‘ على شدة تمسكه بالتحقيق من أكره الناس للإفراط بالتشديق)اهـ وقد ورد عن حمزة ‘ أنه قال: (إنما القراءة بمنزلة البياض إن قل كان سمرة وإذا اشتد صار برصا ولكن بين ذلك توسط لا إفراط ولا تفريط) قال عبد الله بن صالح العجلي: (قرأ أخ لي كان أكبر مني علي حمزة فَجَعَلَ يَمُدُّ ، فَقَالَ لَهُ حَمْزَةُ : لَا تَفْعَلْ ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ مَا كَانَ فَوْقَ الْبَيَاضِ فَهُوَ بَرَصٌ ، وَمَا كَانَ فَوْقَ الْجُعُودَةِ فَهُوَ قَطَطٌ ، وَمَا كَانَ فَوْقَ الْقِرَاءَةِ فَلَيْسَ بِقِرَاءَةٍ) قال أبو شامة في "المرشد الوجيز"[ط.دار صادر(1/208): (وفي كتاب شيخنا "جمال القراء": قال رجل لسليم رحمه الله: جئتك لأقرأ عليك التحقيق، فقال سليم: يا ابن أخي، شهدت حمزة وأتاه رجل في مثل هذا، فبكى وقال: يا ابن أخي، إن التحقيق صون القرآن، فإن صنته فقد حققته، وهذا هو التشديق) قال ابن الجزري ‘ في "النشر" [ط. ابن الجوزي(1/ 169)]: (فَلَيْسَ التَّجْوِيدُ بِتَمْضِيغِ اللِّسَانِ، وَلَا بِتَقْعِيرِ الْفَمِ، وَلَا بِتَعْوِيجِ الْفَكِّ، وَلَا بِتَرْعِيدِ الصَّوْتِ، وَلَا بِتَمْطِيطِ الشَّدِّ، وَلَا بِتَقْطِيعِ الْمَدِّ، وَلَا بِتَطْنِينِ الْغُنَّاتِ، وَلَا بِحَصْرَمَةِ الرَّاءَاتِ، قِرَاءَةٌ تَنْفِرُ عَنْهَا الطِّبَاعُ، وَتَمُجُّهَا الْقُلُوبُ وَالْأَسْمَاعُ، بَلِ الْقِرَاءَةُ السَّهْلَةُ الْعَذْبَةُ الْحُلْوَةُ اللَّطِيفَةُ، الَّتِي لَا مَضْغَ فِيهَا وَلَا لَوْكَ، وَلَا تَعَسُّفَ وَلَا تَكَلُّفَ، وَلَا تَصَنُّعَ وَلَا تَنَطُّعَ، لَا تَخْرُجُ عَنْ طِبَاعِ الْعَرَبِ وَكَلَامِ الْفُصَحَاءِ بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْقِرَاءَاتِ وَالْأَدَاءِ).اهـ وأخيرا أعلم عبد الله أن أصناف قراء القرآن ثلاثة كما قال الحسن البصري رحمه الله قال السخاوي في "جمال القراء"[الكتب الثقافية (1/345)]: (وقال الحسن: قراء القرآن على ثلاثة أصناف: صنف اتخذوه بضاعة يأكلون به، وصنف أقاموا حروفه وضيعوا حدوده واستطالوا به على أهل بلادهم واستدروا به الولاة، كثير هذا الضرب من حملة القرآن، لا كثرهم الله، وصنف عمدوا إلى دواء القرآن فوضعوه على داء قلوبهم واستشعروا الخوف وارتدوا الحزن، فأولئك يسقي الله بهم الغيث وينصرهم على الأعداء، والله لهذا الضرب من حملة القرآن أعز من الكبريت الأحمر). وقال ابن القيم في "مدارج السالكين" [ط.الكتاب العربي (1/451)]: (وقال الحسن: أمر الناس أن يعملوا بالقرآن فاتخذوا تلاوته عملا). فكن عبد الله من الصنف الثالث من قراء القرآن الذين عمدوا إلى دوائه فوضعوه على داء قلوبهم فيختم لك بالسعادة وفقنا الله وإياكم لما يحبه ويرضاه وحفظنا وإياكم من كل سوء وأمتنا على الإسلام والله خير حافظا وهو أرحم الراحمين. أبو أحمد ناصر بن عبد الله أبو غزالة |
********
بارك الله فيك ******** |
| الساعة الآن 22:09 |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات دفاتر © 1434- 2012 جميع المشاركات والمواضيع في منتدى دفاتر لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة المنتدى بل تمثل وجهة نظر كاتبها