![]() |
المدرسة المغربية في مواجهة التحديات
http://tawjihpress.com/wp-content/up...B4-720x540.jpg المدرسة المغربية في مواجهة التحديات
يونس حباش / باحث في التواصل وتحليل الخطاب. تواجه منظومة التربية والتعليم ببلادنا أسئلة حارقة وملتهبة، مركبة ومعقدة ، فالجميع اليوم يقر بفشل ذريع للسياسات العمومية الرسمية، وللخيارات التي طرحت لتصحيح الأعطاب وبناء مدرسة تكون بمثابة القلب النابض لتجديد الثقافة، وضخ دماء التنمية والدمقرطة وقيم حقوق الإنسان والمواطنة والحرية والتحديث لبنيات المجتمع والدولة والاقتصاد، وهو ما ينعكس ويستمر في منظومة التعليم العالي، وبالتالي فشل البحث العلمي وإنتاج المعرفة الثقيلة، والنتيجة تخلف شامل وكبوات إصلاحية ونهضوية مستمرة. إن البحث المحموم اليوم عن البدائل الاستراتيجية الممكنة لتجاوز الأعطاب البنيوية التي تنخر جسد منظومة التربية والتعليم، لن تؤتي أكلها إذا لم تطرح الأسئلة الحقيقية وتتم مواجهتها بكل واقعية وتجرد وصبر وأناة وتخطيط علمي ميداني بعيدا عن الأدلجة وخندقة المسألة التعليمية في التدافع الاجتماعي ورهاناته السياسية المختلفة؛ لأن التعليم ليس مجالا للتقاطب أو حتى للاحتكار السلطوي والانفراد بالقرارات الكبرى؛ لأن الأمر يتطلب مشاركة وإشراك الجميع، بل إنه قضية أمة ووطن، بل ومسألة وجود ومستقبل. ونجمل أبرز التحديات الكبرى التي تواجه المدرسة المغربية، في التحديات التالية ونصوغها في شكل عناوين. أولا: ضرورة تحديد مرجعية المنظومة التعليمية. ويتطلب ذلك تحديد الهوية والنموذج الفلسفي والمجتمعي والرؤية العامة والتصورات الكبرى المؤطرة والموجهة للمسألة التعليمية، انطلاقا من هوية المجتمع المشكلة من الدين الإسلامي ومن تعدده الثقافي واللغوي، هوية منفتحة حوارية وتواصلية مع العالم في إطار اللغة الموحدة الضامنة للتماسك الاجتماعي والوحدة الوطنية واستمرار الدولة وشكل الحكم. وفي قلب ذلك يوجد السؤال الأكبر والأخطر والأعظم وهو طرح مواصفات الإنسان المغربي الذي نريده للحاضر والمستقبل، وهو سؤال غائب ومغيب، وما يتم اقتراحه يكتنفه الغموض والضعف ويكرس الجمود والتبعية. ثانيا: الاستقلال المالي والإداري. يحتاج التعليم إلى الاستقلال والسيادة في الدعم والمال والتدبير؛ لأنه مفتاح تحقيق الاستقلال الثقافي والاقتصادي والسياسي والاجتماعي وسيادة الدولة على الأرض والإنسان والإنتاج وامتلاك قراراها بعيدا عن الدعم الخارجي الذي يرهن التعليم ونتائجه بحسابات أجنبية تعطل المسارات الإصلاحية الكبرى، وتجعلنا نغرق فيما هو تقني، فالتمويل ينبغي أن يكون من الدولة والشعب وإلى الشعب، ويبقى التعليم مجانيا وديمقراطيا، فإملاءات المؤسسات المالية والمانحة الدولية تجعل قرارنا مهاجرا خارج أرض الوطن وتتآكل معه سيادتنا واستقلالنا، ونبقى دائما مستعمرة خلفية للدول والمؤسسات الكبرى. ثالثا: توفير الحد الأدنى من البنيات الأساسية. لابد من البدء في خطة وطنية قريبة وبعيدة المدى، هدفها أن تصبح المدرسة في المدينة وفي القرية، في الرباط كما في المداشر النائية والبعيدة عن الحضارة والحياة، في الدار البيضاء كما في تنغير وبوجدور وجبال الأطلس، وذلك وفق أولويات وحاجيات مناطق المغرب المهمش. فالوطن للجميع، وتوزيع خيراته يجب أن يتم بعدل وإنصاف وبدون فئوية وإقصاء، ففي المدينة- اليوم- يطرح مشكل الاكتظاظ، وفي القرى يطرح مشكل البعد والاكتظاظ والأقسام المشتركة وتشتت الفرعيات، عشرات الكيلومترات يقطعها التلاميذ والأطر العاملة للوصول إلى المدرسة، في ظل غياب النقل المدرسي، وإذا وجد تنعدم الطرق اللائقة، عذاب يومي، في ظل غياب ما هو أساسي، من طرق وماء وكهرباء وأنترنت، وبدون توفر هذه الأساسيات، وغياب أبسط شروط العيش الكريم، تضيع المسؤولية وتضيع الدراسة والجودة ويضيع المتعلمون. ويموت الإنسان ببطء خاصة في العالم القروي البعيد والمغلق. رابعا: المدرسة بين سؤال التربية وسؤال التنمية الشاملة. يطرح هنا مشكل المناهج والبرامج والمقررات التربوية، أي المضمون الذي يتلقاه ويتعلمه التلميذ، فذلك ينبغي أن يهدف إلى تحقيق غايتين كبيرتين: أولا: تحقيق التربية الوطنية والتربية الأخلاقية والدينية والقيمية والجمالية، ونضيف إلى ذلك التربية النفسية والجنسية والصحية والقانونية الصحيحة واللازمة المنسجمة وهوية المجتمع وثقافته وتراثه، لتعميق معاني الانتماء للوطن ومؤسساته وتاريخه الحضاري العام، وفق فهم منفتح للهوية وليس مغلقا وثابتا. يمكن من إنتاج الإنسان السوي، المعتز بدينه ووطنه، المتشبث بتاريخه، وبلغته/ لغاته، المتطلع إلى الاندماج فيه وخدمته والدفاع عنه، المتمكن من آليات الانفتاح على الحكمة الإنسانية والتجربة الكونية. ثانيا: تعليم المهارات والتقنيات العلمية الوظيفية التي تسهل الاندماج في المجتمع الحديث وفي المعرفة والإنتاج، وتمليك المتعلم ملكات التحليل والتفكير المستقيم والمنهجية العلمية والنقد والشك والتساؤل والاستكشاف والفكر المركب، والإجابة عن حاجيات المجتمع وتلبية طموحاته ومواجهة إشكالاته وتحدياته، بمنطق العلم والعقل والمعرفة والبحث التطبيقي الدقيق، الذي يدخلنا في المجتمع الصناعي ومجتمع التكنولوجيات الرقمية والدقيقة الحديثة، مجتمع المعلومات والمعرفة. خامسا: الأستاذ والأطر العاملة هي قلب المنظومة، بل هي المنظومة ذاتها. السياسات العمومية والاختيارات الكبرى لن تجد طريقها إلى التفعيل إلا عبر من يشتغل في الميدان، وما أدراك ما الميدان؟!، أي في الأكاديميات والنيابات التعليمية، وبالضبط في الإدارة وفي حجرة الدرس، لذلك وباقتضاب فهذه الأطر تحتاج ثلاثة أشياء أساسية وفيها تفاصيل كثيرة وهي: – التكوين الجيد والمستمر، وذلك لن يتم إلا بفتح المجال لرجال التعليم باستكمال دراساتهم العليا، مع التشجيع على ذلك، والحرص على القيام بالواجب المهني في الآن نفسه، عن طريق بحث الصيغ القانونية والإدارية المناسبة. فهل هناك دولة في العالم تمنع الموظف من حقه في طلب المعرفة والعلم، وتطرده من المعاهد والجامعات؟!. – تحسين ظروف وشروط العمل خاصة في القرى النائية؛ وحل المشكلات الإدارية العالقة ( بطء حل المشكلات الإدارية، التعيينات، الحركة الانتقالية، الالتحاقات، الترقية…)؛ حيث لا تسمح الظروف القاسية والصعبة، أبدا بالعطاء والإبداع في العمل. – توفير ما يكفي من الدعم المادي والمعنوي، وبمعنى واضح فأجرة رجال ونساء التربية والتعليم لا تكفي للعيش. فإذا كان القضاء يفقد استقلاليته بغياب الدعم المادي المالي للقاضي، فحتى التعليم يفقد جودت عندما تبقى الأطر العاملة غارقة في تدبير اليومي ومصارعة الواقع الصعب ،(مشاكل السكن والتنقل بالنسبة للعاملين في العالم القروي)، والوضع الاجتماعي المكرس لغياب الكرامة والخانق للحرية والإبداع. سادسا: الازدواج اللغوي اختيار قاتل. الاختيارات الاستراتيجية والنافعة ضرورية لتحقيق التقدم وحل معضلاتنا التاريخية، حتى وإن كانت مرة وقاسية، فالأمراض الخطيرة تحتاج الأدوية المرة والعلاجات القاسية ولربما الاستئصال الجذري، ليتعافى جسدنا الحضاري المنكوب ويقوم بأدواره الطبيعية. هذا بالضبط ما نحتاجه في التعاطي مع مشكلة الازداوجية اللغوية التي تؤدي إلى فشل السياسة اللغوية التعليمية، فبمنطق العلم لا إبداع خارج اللغة الأم، والتجارب الدولية شاهدة على هذا، واللغة الأم (وبدون جدال حول المفهوم) هي اللغة العربية الفصحى ذات التاريخ العلمي الطويل، والوظائف الحيوية العليا للدولة، لذلك لابد من الاعتماد على الترجمة باعتبارها الآلية الوحيدة للانفتاح بوضع مؤسسات خاصة لذلك، وتكون اللغة الأجنبية الأولى تكتسب في سن ملائم علميا وهو سن 12 سنة وأكثر، وأن يتم تعريب العلوم في الجامعات والمعاهد العليا ومؤسسات البحث العلمي، إلى جانب وجود اللغة الإنجليزية لغة أجنبية أولى، والفرنسية/ الفرنكفونية لغة أجنبية ثانية في أفق التحرر وفك الارتهان بالدولة الفرنسية وإغلاق قوس الاستعمار الثقافي واللغوي، معلوم أن ذلك كله لن يتم إلا بميلاد وعي قوي لدى المجتمع المدني وتوفر إرادة سياسية ورؤية حضارية جديدة وفلسفة حكم أخرى مغايرة لدى من يحكم. سابعا: ديمقراطية التعليم، المجانية والمساواة. من بين أكبر الأسباب التي جعلت المدرسة تفقد جاذبيتها، وتغير صورتها في المجتمع هو غياب الديمقراطية والمساواة في التعليم؛ لأننا نجد المدرسة تنتج مجتمعان يعيشان تحت سقف واحد، مجتمع اللغات الأجنبية والعلوم التقنية والمعاهد العليا الراقية وهو مجتمع الوظائف السامية يتسلق السلم الاجتماعي بسرعة. ومجتمع آخر مجتمع القرى النائية والمداشر المغلقة مجتمع الوظائف الدنيا مجتمع الفقر والحاجة حيث يموت الإنسان ببطء، إنسان منسي مجهول ، يعاني الأمية والهدر المدرسي وغياب أبسط شروط العيش، مجتمع المهمشين والمنسيين واللامفكر فيهم، مجتمع البحث عن لقمة العيش وفقط، يحيا ويموت من أجل أن يعيش، إن المدرسة تحتاج المواطنة والمساواة وتكافؤ الفرص حسب الخطاب الرسمي المتخشب. وبدون ذلك تبقى الفوارق المادية والاجتماعية والنفسية والتربوية التي تنتج ما تنتج من تطرف وغلو وعنف وكل ظواهر التأزم الاجتماعي. ثامنا: المدرسة، المجتمع، والإعلام، والحاجة إلى المصالحة. نحتاج إلى أن يصبح التعليم قضية مجتمع، كل فرد فيه يشعر بأهمية وخطورة التعليم، فهو مفتاح العقول والتقدم وضعفه أو انعدامه هدم وقتل للإنسان وأي قتل؟ وهل ثم قتل أكبر من الأمية والجهل والعطالة الفكرية والروحية والمعرفية، لذلك ينبغي أن يكون الإعلام أداة فعالة لنشر هذا الوعي وإشاعته وتعميمه، وتجديد الوعي بقيمة المدرسة وقيمها وجماليتها(كرامة المدرس، التدخين والمخدرات في المدارس، العنف المدرسي…)، وإعادة الاعتبار لصورة المدرس ورمزيته وقيمته ودوره الحضاري ورسالته ومكانته الاجتماعية، وتصحيح صورته المختلة في مجتمعنا اليوم، إلى درجة أصبح معها المعلم (المدرس، الأستاذ) محط سخرية وتندر وتفكه، باختصار التعليم والتربية ينبغي أن يصبح قضية الفرد والمجتمع والإعلام، وقضية الأسرة المغربية، وبكلمة قضية وطن وأمة. تاسعا: التكوين المهني والحاجة إلى التطوير والتجديد. لمعالجة الكثير من المعضلات الاجتماعية وحتى التعليمية ومنها الهدر المدرسي، ينبغي أن يتم تفعيل وتطوير وتوفير مؤسسات التكوين المهني بالجودة والفعالية المطلوبة، لاستيعاب الجيش العرمرم الذي يغادر المدرسة ولايجد أمامه سوى الاستبعاد/ والاستعباد الاجتماعي، أي الشارع والتشرد والإجرام. فبجانب المدارس والثانويات ينبغي توفر مؤسسة للتكوين المهني؛ وذلك من خلال تمكين المتعلمين من امتلاك مهن وحرف وصناعات تمكن من الاندماج الاجتماعي، من خلال المواكبة العلمية والمهنية، والمصاحبة المالية التي تمكن من تحقيق الأهداف وفتح مشروعات عمل ذاتية تحقق الكرامة، و تجنب الفرد والأسر مآسي مواجهة الفقر والحاجة والجهل، التي تؤدي إلى التطرف والاستغلال وجرائم الأحداث…. عاشرا: معضلة الهدر المدرسي ودعم الأسر الفقيرة. يعتبر الهدر المدرسي نتيجة لغياب ما سبق، كما يعبر عن ضرورة تقديم الدعم والتشجيع الكافي للأسر الأشد فقرا، حتى تتمكن من إرسال أبنائها إلى المدرسة، وأكبر نسبة للهدر المدرسي توجد في العالم القروي؛ حيث يوجد الإنسان المهدور والمقهور سيكولوجيا واجتماعيا. إن التعليم كما التربية هو المفتاح الذي قد يفتح الأبواب نحو نور العلم والمعرفة والتحديث والتقدم، أو يغلقها علينا ونبقى في ظلمات الجهل والتخلف والأزمات التي لا تنتهي . |
|
| الساعة الآن 09:49 |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات دفاتر © 1434- 2012 جميع المشاركات والمواضيع في منتدى دفاتر لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة المنتدى بل تمثل وجهة نظر كاتبها