![]() |
معضلة الفلسفة في التعليم المغربي.
تشكل مادة الفلسفة معضلة كبيرة في مناهجنا التعليمية. خصوصا وأن ملكة النقد ومهارة الحجاج واللتان تعتبران عماد الفكر والتفكير الفلسفيين، وجب بناؤهما منذ المراحل اﻷولى من التعليم الابتدائي. وطيلة التعليم اﻹعدادي. إما في إطار الحجاج الذي توفره بعض المواد في المناهج الابتدائية والاعدادية، للاستدلال على قضايا معينة خاصة بمادة من المواد. أو في إطار الامتدادات المنتظرة من وحدات دراسية، تمتد مستقبلا للتتصل بمضامين فلسيفة محضة في المرحلة الثانوية. وجميع المواد تشترك في هذه الخاصية لتصبح الفلسفة هي ذلك البحر الكبير، والذي تصب فيه كل الخبرات والمعارف المكتسبة طيلة الحياة الدراسية.
وأذكر على سبيل المثال لا الحصر مقرر مادة التربية على المواطنة في القسم الرابع، والذي يشكل أول تماس حقيقي للتلميذ مع الفلسفة ومفاهيم فلسفية كبرى، لكن للأسف تقدم مجتثة من التفكير الفلسفي، ودون وعي بامتدادها واتصالها بمجزوءات السنة اﻷولى والثانية باكالوريا. وفي غياب شبه كلي ومطلق لديداكتيك امتداد المواد. لتجد الفلسفة نفسها كجزيرة جديدة كل الجدة في الثانوي التأهيلي وتقدم مبتذلة في الجذع المشترك، بذريعة طابعها التمهيدي، ويلقى فيها التلاميذ صعوبة عظيمة في السنتين التاليتن، علما أنه تلقى بشكل مضمر أغلب المفاهيم الفلسفية التي سيناقشها مستقبلا في مادة الفلسفة. ونستنتج أن معظم قضايا الفلسفة يطرح بشكل مضمر وغير واع طيلة السنوات السابقة، مما يثير إشكالية هندسة التعلمات وغياب قنوات التواصل بين المواد بما يخدم مصلحة المتعلم، في التمكن من آليات التفكير الفلسفي، ومصلحة الدولة في تكوين مواطن حر في اختياراته. قادر على المحاكمة (le raisonnement ) والحجاج والنقد البناء والتفكير المستقل. فلنتأمل عناوين بعض دروس المستوى الرابع، ثم نعود لمناقشة اللاوعي واللا إدراك الفلسفي الذي يطبع هذه الدروس. (أعي ذاتي كإنسان - أقدر ذاتي كما أنا - القاعدة والقانون - الرغبات والحاجيات والحقوق) إنها محطات فلسفية حقيقية، ولا داعي لذكر ارتباطها المباشر بمجزوءتي الوضع البشري والدولة والسياسة، في السنة الثانية باكالوريا، في أكثر من محور وأكثر من مفهوم، وارتباطها بمجزوءات أخرى بالسنة اﻷولى باكالوريا. لكن كيف تقدم هذه المفاهيم في المدرسة الابتدائية؟ تقدم بكل بساطة في إطار الطابع التمهيدي لمادة الاجتماعيات، في غياب كلي ومطلق لما يربطها بالفلسفة كمادة ومفاهيم وفكر. وكان وجوبا تحقيق ذلك الارتباط في إطار وحدة المعرفة، وتكامل المواد وامتداداتها (مع مراعاة مستوى المتعلمين بطبيعة الحال.) وذلك بمتابعة المفاهيم في السنوات اللاحقة وبنائها بناء إنمائيا يساير نمو المتعلم(المتفلسف الصغير.) وتبقى العلاقة بالفلسفة في ديداكتيك المادة مستضمرة، ولايعبر فيها إلا عن فلسفة الدولة الرامية إلى نشر ثقافة حقوق الانسان والتشبع باحترام حقوق الطفل، والغاية التي هي تكوين مواطن صالح. دون أي تصريح مباشر بعلاقتها بالفلسفة وامتداداتها المستقبلية، ودون أي مجهود في توفير المضمون الفلسفي الملائم لطبيعة هذه الدروس، وتكوين المربي تكوينا فلسفيا متينا يحقق الوعي التام بتاريخ تطور المفاهيم الفلسفية في المناهج التربوية من الابتدائي إلى الثانوي. ونصبح كمن يبغي الفلسفة في الثانوي. وهو لم يبنها بناء صحيحا في الابتدائي واﻹعدادي. ويبغيها عوجا. ﻷن الفلسفة أولا وقبل كل شيء ممارسة. لكن المفاهيم المقدمة لا تتجازوز الطابع اﻷخلاقي أو التلقيني الصرف بعيدا عن تفاعل حقيقي للتلميذ مع المضامين المقدمة، في الوقت الذي كان ينبغي فيه أن تتحول إلى قناعة فكرية تترجم إلى ممارسة عملية، عوض أن تبقى مجرد شعارات تردد دون ملامسة فكر ووجدان المتعلم. فمثلا في درس الرغبات والحاجيات والحقوق (والذي كان ينبغي أن يقدم على درس القاعدة والقانون، لا أن تقدم المفاهيم بالمقلوب. ﻷن القانون يجمع مفهومين وجهين لعملة واحدة: قوانين الطبيعة، وقوانين المجتمع) لم تتم اﻹشارة ولا لمرة واحدة لا في مرجع اﻷستاذ ولا في مرجع التلميذ إلى مفهوم الحق الطبيعي، ولا إلى مفهوم قانون الطبيعة، ولا يتم ربط هذا بذاك، رغم سهولة إدراك الطفل أن كل فعل مفروض عليه بحكم طبيعته كإنسان(قوانين الطبيعة المفروضة على الحيوان بما فيها الانسان). يتحول إلى حق: فرضت عليه الطبيعة أن يتمشى، لا أن يسبح كاﻷسماك، أو يطير كالحمام. وبالتالي فعل المشي والتنقل يصبح حقا طبيعيا. فرضت عليه الطبيعة اﻷكل والاقتيات بالتالي يصبح حقا طبيعيا. وهكذا ينخرط التلميذ في التفكير الفلسفي دون أن يشعر، واﻷكثر من ذلك ينخرط في عملية استنتاج كافة حقوقه الطبيعية الخاصة به كإنسان فيستنتج الحق في المعرفة بما فرضته عليه طبيعته من فضول...... والتي سيعلم فيما بعد في درس القاعدة والقانون أن هذا اﻷخير لم يوضع إلا لحماية وصيانة الحقوق الطبيعية. هنا يصبح التلميذ مدركا لكل مفاهيم باروخ سبينوزا دون أن يعرفه بالاسم. ودون حتى أن يعرف أنه تلقى أول درس في الفلسفة. وتصبح المعرفة المكتسبة من خلال مثل هذا التفاعل الذاتي مع الموضوع، معرفة دائمة يستحيل أن يطالها النسيان. وتصبح جزء لا يتجزأ من شخصيته، وفكره. وستشكل اﻷساس القبلي الذي ستتأسس عليه الفلسفة لاحقا في الثانوي. ومثل ذلك في دروس التاريخ بالمستوى السادس والتي تتصل مباشرة بكل المفاهيم اﻷنثروبولوجية التي سيتعامل معها التلميذ مستقبلا وطيلة حياته الدراسية. واﻷمثلة كثيرة جدا وتكاد تكون حاضرة في كل المواد تقريبا. بما فيها اللغة العربية وقواعدها المستضمرة لمنطق القضايا والمحمولات، القاعدة المركزية للحجاج. والتي لا يكون التلميذ فاقدا لها إلا بقدر ما ينقصه من فقه اللغة. وبالرهان على الاهتمام بوحدة المعرفة. وبناء القدرة على التفكير الفلسفي منذ نعومة اﻷظافر. سيحقق شبابنا نتائج مبهرة، تجعلهم في مصاف الشعوب اﻷكثر تفلسفا وثقافة في العالم. حينها لن يحتاج طلابنا إلا إلى كتابة اسم فيلسوف كعنوان لأفكار سبق لهم أن خبروها وتعاملوا معها بإتقان. لا أن يتوسلوا أو يتسولوا مواقف الكتب التجارية الجاهزة. |
|
شكرا أخي على تفاعلك.
|
| الساعة الآن 05:32 |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات دفاتر © 1434- 2012 جميع المشاركات والمواضيع في منتدى دفاتر لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة المنتدى بل تمثل وجهة نظر كاتبها