![]() |
اللغة العربية قديمًا وحديثًا... د. نبيل علي
اللغة العربية قديمًا وحديثًا... د. نبيل علي
اللغة العربية قديمًا وحديثًا: تنقسم منظومة اللغة إلى شقين أساسيين:فجوة في العقل اللغوي يبحث كاتب المقال قضية الأزمة التي تعانيها لغتنا العربية المعاصرة، وكيف جفت روافدها، وأصبحت عاجزة عن ملاحقة العلوم الحديثة، وهو بذلك يستكمل حديثًا كان قد بدأه في عدد سبتمبر الماضي. - شق النحو: ويتمثل في نظام القواعد الذي تعمل وفقًا له الفروع اللغوية المختلفة من صوتيات، وصرف، وتركيب، ودلالة. - شق المعجم: ويتضمن قائمة مفردات اللغة، ومعاني هذه المفردات، والعلاقات الداخلية التي تربط بينها، والعلاقات الخارجية التي تربط بين معاني المفردات والفروع اللغوية المذكورة، كعلاقة معنى اللفظ بالصيغة الصرفية، وعلاقته بالسياقات النحوية، التي يرد بها اللفظ داخل النص، وهي السياقات التي تحدد معناه، وكذلك علاقة منظومة المعجم ككل بالواقع خارجه باعتباره - أي المعجم - خط المواجهة الأول بين اللغة والعالم الذي تسعى إلى تمثيله وتمثله. سنتناول هنا فجوة العقل العربي النظري فيما يخص شق النحو، حيث سيتناول مقال قادم في هذه السلسلة فجوة المعجم العربي. يمكن القول، بصورة عامة، إن ضمور العقل اللغوي النظري لدينا يرجع إلى سببين أساسيين، كل منهما شديد الارتباط بالآخر وهما:
وكثيرًا ما يكون هذا الفرع العلمي الازدواجي ثنائي الاتجاه، فكما أن هناك - على سبيل المثال - علم اللغة النفسي الذي يتخذ من علم النفس أداة للتنظير اللغوي كما ذكرنا فيما يخص النموذجين السلوكي والذهني، هناك أيضًا علم النفس اللغوي الذي يتخذ من اللغة أداة للتنظير النفسي، كما نجده عند جاك لاكان الذي ربط علم نفس الطفل بلغته الأم، لا بثدي أمه فقط كما في الطرح الفرويدي. كان يمكن للكاتب في صدد استدلاله على اتساع فجوة عقلنا اللغوي القطري لدينا أن يكتفي بالإشارة إلى أن جميع هذه الروافد العلمية الأساسية، وما أفرزته من علوم ازدواجية، لا تجد لها مكانًا في مناهج معاهدنا وكلياتنا، وكثير من مراكز بحوثنا، إلا أنه وجد أنه من غير اللائق أن يترك القارئ/القارئة على هذا المستوى من التعميم، لذا فقد رأى أن يتناول بإيجاز شديد كلا من العلوم اللغوية الازدواجية الواردة في الجدول المرفق: (أ) اللسانيات الرياضية: اللغة - كما قيل - هي الاستخدام اللامحدود لموارد محدودة، بمعنى أن الجماعة الناطقة باللغة تظل دومًا قادرة على أن تأتي بعدد لانهائي من التعابير، واستحداث الألفاظ والمعاني والاستعارات وما شابه، والرياضيات هي الوسيلة المثلى لاحتواء هذا اللانهائي اللغوي، فبمعادلة رياضية واحدة يمكن اختزال حالات عدة من التجليات اللغوية وذلك بفضل قدرة الوسائل الرياضية على التعامل مع الرموز والعلاقات المجردة، فرمز مثل «ف» أو «س» مثلا يمكن أن يمثل كل فئة الأفعال أو الأسماء أو فئة جزئية منها، وعلاقة مجردة كعلاقة التوافق - مثلاً - يمكن أن تدل على توافق الفعل مع الفاعل في النوع والعدد (مثال: النظريتان تتفقان على...،)، أو الصفة والموصوف تعيينًا ونوعًا وتأنيثًا وعددًا وإعرابًا (مثال: امرأتان جميلتان، الرجلين الكريمين). (ب) علم اللغة المنطقي: المنطق - كما يعرف أحيانًا - هو نحو العقل، لذا كان طبيعيًا أن يكون لقاء اللغة بالمنطق لقاء ساخنًا وحاسمًا نظرًا لكون الفعل اللغوي هو فعلاً عقلياً في المقام الأول، وحتى وقت قريب، كانت قناعة كثير من اللغويين والمناطقة على حد سواء أن اللغات الطبيعية لا يمكن أن تخضع للمنطق، حيث إن هناك اختلافًا شاسعًا بين مقولات اللغات الطبيعية ومقولات المنطق الصوري كما أسس له أرسطو، فشتان بين مرونة اللغة والتباسها وغموضها وحذفها وإطنابها، وبين صرامة المنطق الأرسطي القاطع الذي لا يتعامل إلا مع العلاقات الصريحة، التي لا تحتمل غموضًا أو لبسًا أو حذفًا أو فائضًا، إلا أن هذا «الخجل العلمي» بدأ يتلاشى تدريجيًا ليرتد إلى الطرف النقيض على أيدي أولئك اللغويين الدلاليين من أصحاب النظرة الجريئة، التي ترى أن المنطق - ولا شيء سواه - هو المدخل الطبيعي لتناول إشكالية اللغة من بوابتها الذهبية، فراحوا يرتقون بمنطق أرسطو، منطق الأساس، إلى رتب أعلى من المنطق يمكنها التعامل مع طبيعة المقولات اللغوية السالفة الذكر، وقد نجح أهل الإنجليزية والفرنسية في صياغة قواعد لغتيهما في هيئة منطقية مما جعلهما مؤهلتين للتحليل الدلالي الدقيق. (ج) علم اللغة الإحصائي: استخدم علم اللغة الإحصائي منذ أواخر القرن التاسع عشر في تحليل أساليب الكتاب من خلال إحصاء معدلات تواتر الوحدات اللغوية المختلفة من حروف وكلمات وأنماط تركيبية ولوازم لفظية ونحوية، وقد شهدت اللسانيات الإحصائية في بداية النصف الثاني من القرن العشرين نقلة نوعية مثيرة بظهور نظرية المعلومات، التي مكّنت - لأول مرة - من قياس كمية المعلومات مستخدمة في ذلك نظرية الاحتمالات، وقد قامت على أساسها دراسات عدة في تحليل النصوص اللغوية بقياس ما تحمله من كم المعلومات، وهو ما أدى - بدوره - إلى تحليل نصوص الأدب والشعر على أساس إحصائي، وهكذا فتح الطريق أمام دراسة أدبية الأدب، وشعرية الشعر على أسس موضوعية وفقًا لمعايير كمية. (د) علم اللغة النفسي: أشرنا في مواقع سابقة إلى علاقة اللغة بعلم النفس، وسنكتفي هنا بالإشارة إلى ما يحظى به علم النفس اللغوي حاليا من اهتمام متزايد في إطار البحوث الجارية في مجال علم النفس المعرفي، وكذلك في مجال سبر أغوار المخ البشري، حيث تعد الوظائف اللغوية الذهنية مدخلا أساسيا لكشف الكيفية التي يعمل بها المخ البشري عموما، وذلك لما تتسم به هذه الوظائف من وضوح، سواء فيما يخص مدخلاتها: استماعا أو قراءة، أو مخرجاتها: تحدثا أو كتابة، وهي تختلف في هذا عن الوظائف الذهنية الأخرى كتلك المتعلقة بملكة الإبصار على سبيل المثال. (هـ) علم اللغة الاجتماعي: وهو يتناول اللغة بوصفها ظاهرة اجتماعية، على أساس أن مهمة اللغة - في المقام الأول - هي أداة التواصل من أجل القيام بالوظائف الاجتماعية المختلفة، وباعتبار اللغة منظارًا نرى من خلاله العالم، لذا فهي تتغير من ثقافة إلى أخرى، وتتحدد معانيها وفقًا للسياق الاجتماعي. ويحظى علم اللغة الاجتماعي باهتمام متزايد في الفكر الحديث الذي يرى أن الأداء الكلي للمجتمع هو متغير تابع للخطابات، التي تسري في كيانه: الخطابات السياسية والاقتصادية والإعلامية والتربوية والدينية والإبداعية، وجميعها يرتبط مع اللغة بعلاقات وثيقة، إضافة إلى أن الذكاء الجمعي للمجتمع بأسره يتوقف على أدائه اللغوي، سواء من حيث الشفافية اللغوية لفضاء الرأي العام، أو فاعلية التواصل اللغوي بين الأفراد والمؤسسات، التي تعمل في حقل إنتاج المعرفة وتوظيفها. (و) علم طبيعة الأصوات: اقتصرت علاقة الفيزياء باللغة في بدايتها على دراسة الخصائص الفيزيائية للصوت اللغوي (الفونتيك)، في إطار دراسة عمل جهازي النطق والسمع، وتشمل هذه الخصائص عددًا من الثنائيات المتضادة مثل الجهر والهمس، والتفخيم والترقيق، والإدغام والإشباع، وما شابه، وقد اهتم الفونتيك في بدايته بوحدات اللغة الصوتية الصغرى كأصوات نطق الحروف المفردة (الفونيمات)، أو نطق المقاطع الصوتية من ثنائيات الحروف، وثلاثياتها أحيانًا. يتجه الفونتيك الحديث إلى دراسة الخصائص الصوتية للوحدات اللغوية الأكبر للحمل فيما يعرف بأنماط التنغيم، التي تختلف وفقًا للنمط التركيبي للحمل، فتنغيم الجملة الخبرية - على سبيل المثال - يختلف عن نمط الجملة الإنشائية، وتنغيم أسلوب التعجب يختلف عن تنغيم المدح والذم. (ز) علم اللسانيات الأنثروبولوجية: وهو يدرس الجوانب المتعلقة بنشأة اللغات خاصة في الثقافات البدائية، والعلاقات التي تربط بين الفصائل والأسر اللغوية، وكذلك علاقة اللغة وتطورها بثقافة الجماعة الناطقة بها. من جانب آخر، فقد استخدمت اللغة كأداة للبحث الأنثروبولوجي، وقد دشن كلود ليفي شتراوس الأنثروبولوجيا اللغوية، حيث استهدى في نهجه البنيوي بما خلص إليه التنظير اللغوي الحديث من أن ظاهر استخدام اللغة، والذي يبدو عفويًا، بل وعشوائيًا أحيانًا، يبطن بداخله نظامًا منسقًا من العلاقات، فراح شتراوس يبحث في أساطير الشعوب، على اختلاف أزمنتها وأمكنتها، عن البنى العميقة المشتركة، التي ترقد تحت ظاهر نصوصها، بالرغم من اختلاف اللغات والشخوص وتفاصيل الأحداث. (ح) علم اللسانيات البيولوجية: ما إن ظهرت نظرية تطور الكائنات لداروين حتى أسرع البعض في استخدامها لتناول نشأة اللغات وتطورها، وفي حين نجحت النظرية في دراسة أصل اللغات ونمو العناصر البيولوجية اللازمة لوظائف اللغة الأساسية نطقًا وسمعًا، إلا أنها فشلت في تفسير عمليات الذهن اللغوية، وهو ما تهدف إليه حاليًا اللسانيات الأعصابية، Neuro- Linguistics مستعينة بالإنجازات الهائلة للبيولوجيا الجزيئية، التي يسعى أهلها للكشف عن الأساس الجيني لكيفية اكتساب اللغة، وكيفية قيام الذهن بوظائف توليد اللغة واستقبالها، ويتردد على أسماعنا حاليًا اكتشاف جين النحو، وجين تكوين الكلمات، أو بصيغة أدق، مجموعة الجينات، التي تقوم بهذه المهام اللـــــغوية المــركبة، التــي لا يمكن أن يقوم بها جين منفرد. وفي ختام حديثنا عن جفاف الروافد العلمية المغذية للتنظير اللغوي العربي، يبدو لزامًا أن نشير إلى أن الموقف لا يخلو من بعض مبادرات هنا وهناك، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:
أثمر التفاعل العلمي بين اللغة والفروع العلمية المختلفة نماذج لغوية عدة ساهم في ظهورها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، التوسع في استخدام الحاسوب في المجال اللغوي، وما يتطلبه ذلك من تمثيل اللغة بصورة منهجية منضبطة تلبية لمطالب المعالجة الآلية، وسنكتفي هنا- كشاهد على مدى تنوع الفكر - بأن نسرد مجموعة من هذه النماذج الأكثر تأثيرًا في حركة التنظير اللغوي دون الدخول في التفاصيل، وذلك كشاهد على مدى ثراء الفكر اللغوي النظري الحديث: النحو التوليدي التحويلي، نظرية الربط العاملي، نحو البنية العامة للمقولة اللغوية، نحو حالات الإعراب من منطلق دلالي، النحو المعجمي الوظيفي، النحو المتعدد الطبقات، النحو المقولي، النحو العلاقي، نحو بنية الجملة على أساس الرأس، نحو مونتاجيو. مازال تنظير اللغة العربية أسير النهج التحليلي الذي عفى عليه الزمن، والقائم على إعطاء أمثلة من حالات الإطراد والشذوذ، فقد حلّ محله ما يعرف بالنهج التوليدي ذي الأساس الرياضي القادر على توليد جميع المنطوقات الممكنة في لغة ما. هناك بعض محاولات متناثرة قام بمعظمها دارسون عرب في الجامعات الأمريكية لتطبيق جزئي لعدد محدود من النماذج المذكورة سلفًا، وتحديدًا النحو التوليدي التحويلي، ولكن أبرز ما تم إنجازه في التنظير للعربية، هو ما قام به عبدالقادر الفاسي الفهري في مراحله المبكرة من تطبيق النحو المعجمي الوظيفي على جوانب عدة من نحو العربية، وما أضاف له في «البناء الموازي» فيما يخص تبنيه الصريح لنظرية الربط العاملي، وتطبيقه لها على بعض حالات لبناء الكلمة والجملة العربيتين، والنموذج شبه المكتمل، الذي قام بوضعه الكاتب لتطوير نظام إعراب آلي للغة العربية باستخدام نموذج النحو العام للمقولات النحوية. تم في إطاره صياغة نحو رياضي للغة العربية بتغطية شبه كاملة لتركيبات الجملة العربية، خبرية وإنشائية، بسيطة ومركبة، بلغ عدد القواعد ما يقرب من 20 ألف قاعدة. فجوة العقل اللغوي التطبيقي يقصد بفجوة العقل اللغوي التطبيقي تخلف فكرنا اللغوي في توظيف اللغة عمليًا في المجالات الاجتماعية والاقتصادية المختلفة، وقد رأينا أن نقسمها إلى أربع فجوات فرعية هي:
(أ) فجوة العقل اللغوي التربوي: يتناول علم اللغة التربوي أمورًا عدة من أبرزها:
أما فيما يخص علاقة اللغة العربية بتنمية القدرات الذهنية والإبداعية، فأقل ما يقال عنها أنها مهملة، ويرجع ذلك إلى ما سبق ذكره من قصور بحوث علم النفس اللغوي، والأمر بالنسبة لعلم النفس التربوي ليس أحسن حالاً، فمعظم باحثيه من ذوي الخلفية التربوية الذين يفتقدون - أصلاً - الأساس المعرفي اللازم على صعيد علم النفس، ولا يختلف الأمر كثيرًا فيما يخص القصور في استخدام اللغة في تنمية الانتماء الثقافي والوطني، حيث تندر البحوث المتعلقة بذلك في مجال علم اللغة الاجتماعي متضافرًا مع نظيره النفسي. (ب) فجوة العقل اللغوي الإعلامي: يتناول الفكر اللغوي الإعلامي أمورًا عدة من أبرزها:
أما علاقة اللغة بالإعلام، فمازالت مقصورة على تصويب أخطاء الكتّاب والمذيعين، وتنمية المهارات اللغوية الأساسية، وما عدا ذلك، فشبه غياب تام لأثر لغة الإعلام على المتلقي، بالرغم من كونه محور منظومة الإعلام. (ج) فجوة العقل اللغوي الإبداعي: يتناول الفكر اللغوي الإبداعي أمورًا عدة من أبرزها:
(د) فجوة العقل اللغوي التكنولوجي: يتناول العقل اللغوي التكنولوجي الأمور الرئيسية التالية:
جدول يوضح ثمرة لقاء اللغة مع العلوم الأساسية الأخرى علوم صورية الفرع اللساني الازدواجيالرياضيات اللسانيات الرياضيةالمنطق علم اللغة المنطقيالإحصاء اللسانيات الإحصائيةعلوم إخبارية الفرع اللساني الازدواجيعلم النفس علم اللغة النفسيعلم الاجتماع علم اللغة الاجتماعيعلم الطبيعة (الفيزياء) علم طبيعة الأصوات (الفونتيك)علم الإناسة (الأنثروبولوجيا) علم اللسانيات الأنثروبولوجيةعلم الأحياء (البيولوجيا) علم اللغة البيولوجينبيل علي |
شكرا جزيلا
|
السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته مشكورة أختي التربوية على المقالة تحياتي |
°×°التربوية°×°
شكرا لك اختي الكريمة على المقالة القيمة جزاك الله خيرا °؟°امازيغية°؟° |
| الساعة الآن 16:54 |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات دفاتر © 1434- 2012 جميع المشاركات والمواضيع في منتدى دفاتر لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة المنتدى بل تمثل وجهة نظر كاتبها