منتديات دفاتر التربوية التعليمية المغربية

منتديات دفاتر التربوية التعليمية المغربية (https://www.dafatir.net/vb/index.php)
-   القصص والروايات (https://www.dafatir.net/vb/forumdisplay.php?f=75)
-   -   مطلق التقصير (https://www.dafatir.net/vb/showthread.php?t=27998)

نورالدين شكردة 12-09-2008 18:38

مطلق التقصير
 
مطلق التقصير

نفث دخان سيجارته ببطء و تلذذ . تصفح بين يديه جريدة موالية للأغلبية الحكومية دافعا رأسه إلى الوراء بنشوة و زهو محاذرا ألا يسقط سيجارته من بين شفتيه . ابتسم مؤيدا عنوانا كتب بالبند العريض " حركة الهمة تعلن عن تحولها إلى حزب أطلقت عليه " حزب الوطن " . امتدت يده لفنجان قهوته ، ارتشف منه رشفتين صغيرتين تنبأن بأن هذا الكأس بهذا الإيقاع قد يحتاج لألف رشفة و ألف دقيقة قبل أن يعلن نهايته....انتابته رغبة فورية لإعلان انشقاقه عن حزبه و الانضمام بأقصى سرعة لهذا الحزب الذي يبدو المستقبل معه أنصع و أشرق و أضمن ... انتقل للصفحة الرياضية . أطلق ضحكة مدوية و هو يتأكد مرة تلو المرة من مبلغ صفقة انتقال اللاعب " معيزو " صديق طفولته و ابن جيرانه " 20 مليون درهم '' ملياران " ألفي مليون !!!؟يحتاج الجيلالي لـ 5000 شهر أي ما يقارب 416 سنة لجني هذا المبلغ ادخارا و توفيرا دون تبذير فلس واحد ...أربكته الأرقام فأصدرت الجريدة بين يديه صوتا مزعجا ، ارتشف من كأسه مرتين متتاليتين و انقض على شبكة مسهمة بكر فأرداها ثيبا في لمح البصر ... التفت صوب شبكة " سودوكو " عذراء و ما إن هم باختراق فراغاتها حتى كسر أجواء ه صوت الجيلالي و هو يمسك بيديه متانته التي تكاد تنفجر و يرجو منه بإلحاح و استعطاف السماح له بمغادرة الفصل . انتفض " الزبون " واقفا من على كرسيه دافعا بالكأس و الجريدة و لفافة العاطوس و الحمص المقلي " و المناديل الورقية و المذكرة اليومية ... مزمجرا :

كم مرة قلت لكم انصرفوا دون إشعاري و دون إزعاجي أيها المتسولون"...

أما زوجته فقد خطفت نظرة تلو النظرة صوب مقاسات منكبي زوجها ممسكة بين أصابعها باحترافية قل نظيرها بقضيبين تحيك " بهما قميصا صوفيا راقيا . تخيلت وهج السعادة الذي سيغمر محيا زوجها و هي تفاجئه بهدية عيد زواجهما و لمعت عيناها و شفتاها و خداها ببريق طافح بالطمع و الذهب فيما أصدرت ملامحها ابتسامة ماكرة راضية ...

عادت ملامحها لتكشف عن مشاعر هائمة ...أشد القرارات حسما في حياتها اتخذتها من مكانها هذا ؛ زواجها ، إجهاضين إراديين اثنين و ثالث مفاجئ" عدولها عن الطلاق بعد مشاكل عاصفة. رفضها القاطع المساهمة مع زوجها في اقتسام ثمن اقتناء سكناهما الحالية ، اقتناؤها في خلسة من زوجها لمئات الأسهم و السندات المالية ، اقتراضها لمبلغ مهم من المال أعطته لإحدى الوسيطات من أجل تهجير أخاها العاطل....

و هذا القرار الأخير كان بالضبط السبب المباشر لكثرة ترددها على أطباء الضغط و الجهاز العصبي و القلب ...فالوسيطة تلاشت و أخوها الكهل العاطل لا زال يبتز منها ثمن السجائر ...

نفضت عن ذاكرتها عوالق هذا القرار الطائش و عادت لتنتشي بقرب اكتمال القميص و ببــريق الذهـب المـحتمل و بمـشروع مـدرسة غير مرخصة لتعليم فن الطرز و الحياكة ... و بطريقة مفاتحة زميلتها في العمل لعرض زواج أخيها عليها ...ارتعد هاتفها الجوال مرارا قبل أن يصدر رنة شعبية مميزة .وضعت القضيبين جانبا و سارعت مبعثرة محتويات حقيبتها اليدوية .أخرجت حزمة من الذهب وقنينتين من العطر و مراهم التزيين و دفتر الشيكات ونتافين و حفنات من " الزريعة" و" كاوكاو" قبل أن تقع يدها على هاتفها القزم ......

تهللت أساريرها و هي تخاطب إحدى زميلاتها السابقات . امتد بهما الحديث من ايام الصبا الى سن المراهقة مرورا بسن النضج و الزواج وصولا لسن اليأس ... و انتهت المكالمة تاركة في نفس صاحبتها أبشع معاني اليأس و الإحباط ...

صرخة مدوية لرضيعها-الأخير- جعلتها ترتعد مثل هاتفها و تستفيق من يأسها

انتزعته من عربته المدفوعة و ضمته بعنف نحو صدرها القاحل زارعة حلمتها بين شفتيه لعله يحبس صراخه . لم يعبا بثدي فارغ جاف و استمر في إصدار " وعوعات " شبيهة بصفارات إنذار سيارات الإسعاف.. بحثت من جديد داخل محفظتها اليدوية و بعثرت محتويات حقيبة أخرى و بدأت تصرخ " أين الرضاعة ؟ أين الحليب ؟ أين الحفاظات ؟ أجيبوا أيها اللصوص .

لطمت خديها بكل ما أوتيت من قوة بعدما اكتشفت أن الحقائب اختلطت عليها ..هرولت صوب القسم المجاور حيث لا يزال زوجها يعتصر طاقته لإتمام ملء شبكة السودوكو. تذكرت فجأة أن أمهات إحدى تلميذاتها رزقت بمولود جديد فقفلت راجعة صوب فصلها. استدعتها من طاولتها صوب مكتبها و خطت لها وريقة صغيرة آمرة إياها أن توصلها إلى أمها بأقصى سرعة ممكنة ترددت التلميذة لوهلة غير أنها تماسكت و استفسرت معلمتها مبتسمة " نقول لماما تدير فيهم الشحمة و لا بلاش " زأرت المعلمة في وجها كلبؤة هائجة : " سيري دغيا الله يعطيكي الشحمة فاللقوة...

أبو المعالي 12-09-2008 21:31

متألق كالعادة . واصل عطاءك .

DASM 12-09-2008 22:56

قصة رائعة أخي و خيال أروع

نورالدين شكردة 12-09-2008 23:11

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة dasm (المشاركة 194789)
قصة رائعة أخي و خيال أروع

حياك الله اخي غلى مرورك الطيب
تحياتي

نورالدين شكردة 12-09-2008 23:12

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو المعالي (المشاركة 194672)
متألق كالعادة . واصل عطاءك .

اهلا بك اخي أبو المعالي من جديد مشكور على المرور والتشجيع
حياك الله


الساعة الآن 09:54

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات دفاتر © 1434- 2012 جميع المشاركات والمواضيع في منتدى دفاتر لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة المنتدى بل تمثل وجهة نظر كاتبها