منتديات دفاتر التربوية التعليمية المغربية

منتديات دفاتر التربوية التعليمية المغربية (https://www.dafatir.net/vb/index.php)
-   الشعر والزجل (https://www.dafatir.net/vb/forumdisplay.php?f=76)
-   -   الشاعر محمود درويش بلسان أصدقائه (https://www.dafatir.net/vb/showthread.php?t=30378)

أبو فراس 26-09-2008 14:39

الشاعر محمود درويش بلسان أصدقائه
 
عمان ـ 'القدس العربي' ـ من يحيى القيسي: تتبعتخلال الأسبوعين الماضيين تفاصيل حياة الشاعر الراحل محمود درويش في عمان، بدا ليالأمر صعبا، فمن أين أبدأ، وإلى أين سيقودني بحثي، ولا سيما أن الرجل قضى الثلاثةعشرة سنة الأخيرة فيها، وكان انتقائيا في علاقاته، وغير متاح للجمهور ووسائلالإعلام غالبا، وكان علي أن أسأل الكثير: من هم أصدقاؤه..؟ ما هي طقوسه اليومية..؟كيف ينظر له من اقترب منه..؟ هل كان حقا صعب المزاج ومتعاليا ..؟ وماذا عن تفاصيلتتعلق بطعامه وشرابه وهواياته الأثيرة، والأماكن المفضلة لديه..؟ ثم ما هي قصة مرضهالذي رحل فيه..؟، وكيف اكتشف الأمر وصولا إلى أيامه الأخيرة..؟، وأيضا تلك اللحظاتالصعبة في هيوستن قبل دخوله العملية بدقائق معدودة، وهل كتب وصية أو قال شيئا ماقبل رحيله..؟ وما هو مصير شقته التي تضم كتبه وأسراره، وربما كتابات مخبأة تصلحلديوان جديد يثلج قلوب محبيه الكثر في شتى أنحاء العالم بعد أن أصابهم موتهبفاجعة..!
بدا لي لقاء أصدقائه الخلّص وبعض من عرفه عن قرب ضربا من نكءالجراح..، كان أغلبهم غير مستوعب لرحيله بعد، وغير مصدق أن الرجل مضى إلى الأبدية،وربما كنت محظوظا بلقاء بعض أصدقائه المقربين جدا، والذين لم يتحدثوا من قبل لأيةوسيلة إعلامية عربية أو أجنبية عن محمود درويش الإنسان والشاعر الذي عرفوه، ومنهؤلاء صديقه الأثير المهندس والمقاول علي حليلة الذي رافقه إلى هيوستن وشهد لحظاتهالأخيرة، وهو الذي ألحد رفيق عمره في التابوت وأودعه الطائرة الذاهبة إلى عمان،وكان على علاقة يومية بمحمود، وحاملا لمفتاح شقته وللكثير من أسراره، وأيضا هناكالإعلامي غانم زريقات وهو أمين سر اتحاد الكتاب والصحافيين الفلسطينيين لربع قرن،والذي أيضا كان على علاقة صداقة عائلية ويومية مع محمود في عمان، وكان رفيقه فيلعبة النرد حتى قبل سفره بلحظات، وأطلق عليه درويش لقب 'أميجو' ، ومن الكتابوالشعراء التقيت بالشاعر طاهر رياض وكان أيضا من أقرب الناس إليه، وتربطه به علاقةعائلية، وثمة شهادات هنا لأصدقاء آخرين عرفوه عن قرب مثل القاصة بسمة النسور،والمسرحي رائد عصفور، والشاعر زهير أبو شايب، والشاعر جريس سماوي، وثمة آخرون منأصدقائه ومحبيه المقربين لم يشاركوا في هذا الملف ذي الطابع الإنساني والاجتماعي عندرويش، وربما تكون لهم مشاركات نقدية أو شهادات عن درويش الشاعر في مكان آخر من هذاالملف مثل الناقد فيصل دراج والناقد محمد شاهين والشاعر خيري منصور، والناقد فخريصالح، وهناك ممن عرفت عنهم ولم التقهم ممن جمعته بهم صداقة من غير الكتّاب مثل رجلالأعمال صبيح المصري، و فاروق القاضي وزوجته مي البلبيسي وغيرهم ..!
ثمة أمر ماقبل الدخول إلى عالم درويش اليومي والاجتماعي، وهو أنّ كل أصدقائه تحدثوا في جوانبكثيرة من حياته، وأغفلوا عن قصد جانب الحب في حياته وعلاقاته النسائية، شعرت باتفاق 'جنتلمان' بينهم على أنهم كانوا يعرفون بأنّ المرأة كانت حاضرة في حياته حتى أيامهالأخيرة، وأنه كان عاشقا كبيرا، وهذا يرشح من بعض قصائده، لكن هذا الاتفاق يحظرعليهم أن يتحدثوا في هذا الأمر، هناك من بعث التعازي لزائرة السبت احتراما وتقديرالها ولكنه لم يسمّها، وثمة من أحجم تماما عن الدخول في هذا الجانب لأنه يرى فيهأمرا خاصا بالراحل وليس مفتوحا على الناس ..!
ما يمكن البوح به بداية أن درويشغادر عمان وهو غير متأكد من رجوعه سالما إليها، ولهذا أجرى نوعا من تبرئة الذمةالمبكرة، فقد أعطى خادمته الفلبينية حسابها المالي مقدما، ونقد حارس العمارة المصريأيضا حسابه، وقال لهما بأنه ربما لن يعود. كان يوم الأحد27 تموز (يوليو) الماضي هواليوم الذي سبق سفره الأخير إلى أميركا، تناول غداءه في بيت غانم زريقات، وودعهوعائلته ثم عاد إليهم مساء بشكل مفاجئ ليودعهم مجددا، وقبلها بليلة تناول عشاءه فيبيت طاهر رياض بصحبة عائلته و التحق بهم زهير أبو شايب لتمتد السهرة إلى وقت متأخر،وسافر محمود من عمان برفقة صديقه أكرم هنية إلى أميركا صباح الاثنين 28 تموز (يوليو)، أما صديقه المقرب علي حليلة فقد كان سبقه إلى هيوستن ليستقبله هناك ويرتبله أمر العملية الجراحية، وما عرفته أيضا أن الرجل لم يكتب وصية، ولم يقل الكثير فيلحظاته الأخيرة، وما يزال بيته العماني مقفلا بانتظار أن تأتي عائلته من فلسطين،ويتم فتحه، وربما هذه مناسبة لأن أشير إلى أن أصدقاءه ومحبيه في عمان التي جاءهامنذ نهاية العام 1995 مقيما وواحدا من أبنائها يصرون على أن يبقى البيت متحفا لمنيرغب في التعرف على حياة هذا الشاعر الكبير، وكما هو بيت كافافيس في الإسكندرية،فإن النية تتجه إلى إبقاء البيت كما هو، وترتيب أمره، وقد أخبرني بعض أصدقائه أنهناك من يرغب في شراء البيت بما فيه حفاظا على التراث الدرويشي في جانبه الإنسانيوليكون مكانا للزوار ومعلما ثقافيا يضاف إلى عمان المدينة، لأنّ هناك العديد منالجهات الرسمية الفلسطينية ترغب أيضا في الاستحواذ على مكتبته وموجوداته ونقلها إلىرام الله كما قيل لي، وتلك حكاية أخرى قد يكون لها مقام آخر..! على كل حال هناالكثير من البوح الاستذكاري الحزين للجانب الإنساني بشكل أساسي، ولجوانب أخرى تكشفعن شخصية درويش الفذة شاعرا وإنسانا، ترصده في فترته العمانية الأخيرة، وربما تبينلبعض من أساء الظن فيه، أن الرجل غير ما اعتقدوا، فقد كان كريم النفس متواضعاوحميميا وخجولا، وكان أيضا يشتغل بدأب على قصيدته محاولا أن يبلغ بها درجات الكمال،وربما كلّ هذا ما صنع منه حالة استثنائية في الشعر العربي والعالمي تقترب منالأسطورة ..!
إقامته في عمان
يرى غانم زريقات أنّ محمود جاء إلى عمانبتشجيع منه، ولأنها المدينة الأقرب إلى فلسطين أول الأمر ، ويقول 'عندما دخلتالقيادة الفلسطينية إلى فلسطين بدأ محمود يفكر جديا في ترك باريس وكان الخيار أمامهالقاهرة، وكان رأيي أن عمان أقرب إليه، وبحثت الأمر مع الصديق الدكتور خالد الكركيالذي كان وزيرا للإعلام فقوبلت الفكرة بالترحاب الشديد وعلى أعلى المستويات فيالدولة الأردنية ، وعندما وصل محمود إلى عمان بدأ يفكر في استئجار شقة متواضعة، كماكان الحال في تونس، ولم تكن لديه قصور كما كان يحلو لبعض 'الأقزام ' تصوير الأمر فيجلسات النميمة، المهم في الأمر أنه وبنصيحة مني بدأنا نفكر بشراء شقة وسألت الرجلالطيب المقاول الأردني مروان العبداللات عن ذلك، فقال لي: لا يمكن أن نؤجر محموددرويش بل لو يقبل بشقة قريبة منك، وحلف أيمانا كثيرة أنها هدية ورفض أخذ ثمنها،ولكن محمود رفض بشكل قاطع هذا العرض، وتوصلنا إلى حل وسط وهو أن يشتريها بسعرالتكلفة، وهكذا كان الأمر، وقام العبداللات بدعوة أشهر رجالات السلط والأردن علىشرف محمود درويش فيما بعد..'
أما طاهر رياض فيقول بأن درويش اختار عمان ' لأنهابرأيه أفضل مدينة يمكن أن يختلي فيها بكل هدوء ويكتب، وهذه المدينة وفرت له حقا هذهالميزة، كما أن أصدقاءه قليلون جدا فيها، كنا نذهب إليه غالبا لنأتي به، أو لنزوره ..'.
وتقول بسمة النسور 'أحبَّ درويش عمان، راق له هدوؤها وسهولة التنقل فيها،ولطالما وصف أهلها بالطيبين، وارتبط بمجموعة علاقات منتقاة مع العديد من العمانيين،الذين أحاطوه بكم هائل من الحب غير القاسي، فلم يطلب الرحمة في هذا السياق..، ارتادمطاعمها، ومشى في شوارعها، وتسوق في محالها محاطا بمحبة الجميع..'
ويعترف زهيرأبو شايب قائلا 'كنت أشعر أنه يحب عمان وكان له عدد كبير من المعارف فيها، وكانتشقته أشبه بمنتدى، دائما كان هناك من يزوره، لم يكن منعزلا كما يصوره البعض،بالنسبة لي كنت أزوره بحساب وترتيب حتى لا أثقل عليه، وكان يحثني دائما على زيارته،وبصدق أشعر بالندم لأنني كنت أفوت الكثير من الفرص لزيارته والالتقاءبه..'
ويشاطره رائد عصفور الرأي 'كان يحب عمان ويشعر بأنها مدينة قريبة إلىفلسطين، ولكن تحركاته محدودة، أحيانا يذهب إلى مطعم أو أمسية أدبية ما أو معرضتشكيلي..' ، ويقول علي حليلة 'لم يكن يشعر بالغربة في عمان إذ لديه الكثير منالأصدقاء، وكان جزءا أساسيا من عائلتنا ولهذا فجيعتنا فيه شخصية ومضاعفة، وعلىالمستوى الرسمي أيضا تم تكريمه، وهو حاصل على جواز سفر أردني ورقم وطني، أي جنسيةكاملة..'.
وعن حياته في عمان يعود غانم زريقات ليوضح قائلا 'لم تختلف عن حياتهفي بيروت وباريس والقاهرة وإن كان أبرز ما يميزها أن معظم وقت درويش في عمان كانللعمل الجاد، فالأصدقاء قليلون وخير دليل على ذلك أعمالهالشعرية جميعها التي صدرتعن دار رياض الريس في بيروت مثل: الجدارية 2000، حالة حصار 2002، لا تعتذر عما فعلت 2004، كزهر اللوز أو أبعد 2005، في حضرة الغياب 2006، أثر الفراشة 2008 ، ولأنمحمود لا يكتب في السفر فمعظم هذه الدواوين كتبت بين عمان ورام الله، وأستطيع أنأجزم بذلك لأنه كان يقرأ لي ولبعض الأصدقاء كثيرا من قصائده..'
من الواضح أنالاهتمام بدرويش والاحترام والتقدير كان أيضا على مستوى عال في الدولة، وروى ليغانم أنه كان يوما مع درويش في أحد مطاعم عمان، ودخل الملك الراحل الحسين هناك،فعرف درويش وجاء ليسلم عليه قائلا 'مرحبا بشاعرنا الكبير..'، ومرة دعته الملكة نورعلى غداء في القصر خلال مهرجان جرش، كما وأن الملكة رانيا العبدالله قرأت بعضدواوينه وأرسلت له قبل أشهر قريبة رسالة شكر وتقدير لعمق تجربته الشعرية ولإهدائهإياها كتبه.
طقوسه اليومية في الكتابة والحياة
كانت لدرويش طقوسوعادات يومية لا يرغب في أن يخترقها أحد، ولا سيما ساعات قراءته وكتابته، وكان يعيشوحيدا في شقته إذ سبق أن تزوج مرتين، وطلق، وآخرهما بعد عمليته الأولى في فيينا عام 1984، وكانت فتاة مصرية، ولكن هذا الزواج لم يدم طويلا، أما خادمته الفلبينية فكانتتأتيه كل يوم بين الثانية عشرة والنصف إلى الخامسة بعد الظهر لترتيب أمور البيتوتنظيفه، يقول طاهر رياض عن ذلك 'لم يكن ينام عند أحد، ولا يرغب في أن ينام عندهأحد غالبا إلا بعض الأصدقاء الذين يأتون إليه أحيانا من فلسطين وبشكل استثنائي،وكان ينام عادة مبكرا ولا يتجاوز الثانية عشرة ليلا ويستيقظ مبكرا حوالي الثامنةوالنصف إلى التاسعة صباحا، ويبدأ بحلاقة ذقنه والحمام وتناول القهوة، ثم يلبس أجملثيابه وحذاءه، كما لو انه سيذهب إلى موعد رسمي، ويجلس خلف الطاولة ينتظر الإلهامبالكتابة، أو ليقتنص الوحي كما كان يعبر عن ذلك، وأحيانا يكتب صفحة أو صفحاتوأحيانا لا يكتب شيئا، المهم أن هذا الطقس كان مقدسا، ولهذا لم نكن نتصل به عادة فيمثل هذا الوقت بل بعد الظهر أو مساء حتى لا نزعجه..'
ويعترف غانم زريقات جارهوصديقه قائلا 'كسرت تقاليد محمود وعاداته الدقيقة أكثر من مرة، ولكن أطرفها في إحدىالمرات حينما كانت الثلوج قد أغلقت الشوارع فذهبت إليه في الساعة التاسعة والنصفصباحا، وعندما قرعت الباب عرف وقال: أميجو شو بيجيبك هلأ..؟ والثانية خابرته علىهاتف البيت وأعرف أنه ينظر إلى الرقم ويخشى هواتف الصباح، فلما عرف أنه رقمي قال 'أميجو بعدني ما متت '.
كان لشقة محمود ثلاثة مفاتيح واحد معه، والثاني مع عليحليلة، والثالث مع الخادمة الفلبينية، فقد كان خائفا حسب ما يقول طاهر رياض منالموت وحيدا دون أن يشعر به أحد 'سألته مرة حينما وصل الستين من العمر، إن كان يفكرفي الوحدة أو يرغب في التخلي عنها، وكنت أشير إلى زواجه مثلا، أذكر أنه قال ليحينها وكان يبدو حزينا جدا ' الستون رقم مرعب جدا، ترى ماذا سيحدث بعد ذلك ..؟' واعترف لي بأنه أعطى مفتاح شقته لعلي والفلبينية إذ بإمكانهما أن يفتحا الشقة إذالم يرد عليهما مثلا أو تأخر في الاتصال بهما، وكان يخاف جدا من الموت وحيدا كما حدثللشاعر معين بسيسو، كما كان يخاف من الموت حرقا بسب تسرب الغاز مثلا، ولهذا كانيستخدم فرن طبخ على الكهرباء..'.
لكن أصدقاءه لم يتركوه أبدا، فكان هناك لقاءيومي ما بين الخامسة والثامنة مساء لبعض الأصدقاء والكتاب، ولقاء آخر بعد الثامنةوحتى الحادية عشرة ليلا لأصدقاء آخرين، أما يوم الجمعة فكان الغداء غالبا في بيتعلي حليلة، والسبت في بيت غانم ..!
لاعب النرد وهواياته
كان درويشمنشغلا بالقراءة والكتابة جلّ وقته، وكان يتقن العبرية والانكليزية والفرنسية، ولميكن يمارس أي نوع من الرياضة أو السباحة، ولا يسوق السيارات أيضا، وكان يحب سماعالموسيقى الكلاسيكية الغربية لكبار الموسيقيين مثل بيتهوفن وتشايكوفسكي، وغالبا مايشغل الموسيقى أثناء الكتابة، ولديه مجموعة كبيرة من الأشرطة والأقراص الموسيقية،وبشأن الغناء العربي فقد كان يحب سماع عبد الوهاب وأم كلثوم وعبد الحليم حافظ، وكانيتابع المسلسلات السورية التاريخية كما قال لي علي، أما طاهر فأضاف 'تسليته كانت فيلعب النرد' طاولة الزهر 'وغالبا ما يلعبها مع صديقه غالب زريقات، وكنت أراه منهمكافي أجوائها، يصرخ أحيانا، ويغتاظ أحيانا أخرى مثل أي طفل، أما مشاهدته للتلفزيونفقد كان مغرما بالدراما السورية للمسلسلات، وخاصة في رمضان، وكان يتابع أحياناأربعة مسلسلات معا ، وكانت تعجبه بشكل خاص المسلسلات التي يخرجها حاتم علي، والتييكتبها وليد سيف...'
تقول بسمة النسور عن هذا الأمر 'قضى أمسياته الهادئة فيبيته الأنيق والبسيط، صحبة غانم زريقات جاره وصديق عمره. وكنا على الدوام نتابعمستجدات لعبة طاولة الزهر التي تولع بها، رغم أنه تعلمها متأخرا على يدي غانم، وكانسعيداً في الفترة الأخيرة لأنه حقق مقولة تفوق التلميذ على الأستاذ، فيما ظل غانميدعي انه كان يتعمد الخسارة رأفة به..!'
ويقول غانم الذي لعب معه اللعبةالأخيرة قبل سفره بأن محمود كان يغلبني أحيانا فيها رغم أنني علمته، ويقول لي ياأميجو لو ظل الأستاذ متفوقا على تلميذه لما ظهر أفلاطون وسقراط..!
الطباخالماهر وصانع القهوة
يعترف أصدقاء درويش المقربون بأنه كان يصنع لهم القهوةبنفسه، ويتفنن في ذلك، ولا يحب أن يصنعها أو يقدمها لهم أحد غيره، ويقول عن ذلكجريس سماوي
'
عندما كنا نزوره في بيته، كان يصر على أن يصنع لنا القهوة بيديه،ويخدمنا، وكنت أتذكر له نصا باهرا حول القهوة حين كان أثناء الحرب الأهلية في بيروتفي شقة تفصل واجهة زجاجية فيها بين غرفة النوم والمطبخ وهي معرضة للقناصة، وعندمايريد أن يذهب ليصنع فنجان قهوة كان يتردد في المغامرة بروحه من أجل المرور إلىالمطبخ وصنعها، وكان يصف عملية صنع القهوة بدقة وتفاصيل الغليان ورائحتها وطقسشربها...'
ويقول طاهر رياض عن هواية الطبخ 'كان محمود طباخا ماهرا، ويحب أنيعزمني أحيانا على الغداء في بيته، وكان يتقن ثلاث أكلات ويتفنن في تقديمها وهيالملوخية ، والفاصوليا البيضاء، والباميا، وكان يسهب في وصف طريقته للطبخ، وكيفيقوم بانتقاء اللحمة ونوعها، وما هي درجة الحرارة التي يغلي بها الماء، ونوعيةالبهارات التي يستخدمها، وتفاصيل الملح والثوم وغيرها، أما الوجبة التي كان يعشقها،ويختارها إذا ما عزمه أحد وخيره بنوعية الطعام فهي 'المنسف' وكان يعتبرها وجبةلذيذة.
ولكن علي حليلة يضيف 'الأكلات التي كان يحب طبخها الملوخية ، السمكوالستيك أيضا..'
الاقتراب من عالم درويش
ولكن كيف اختار درويشاصدقاءه العمّانيين..؟ ، وكيف ينظرون هم إلى علاقتهم به، وهنا أبدأ بصديقه القديمعلي حليلة الذي يقول 'نشأت صداقتنا منذ التقينا أول مرة في القاهرة عام 1970 في بيتالسيدة طرب عبدالهادي في حي الجاردن ستي، وكان بيتها مفتوحاً للفلسطينيينوالأردنيين فيما يشبه المنتدى الثقافي، كان محمود حينها قادما من موسكو، وكنت أدرسالهندسة المدنية في جامعة عين شمس وقد استمرت صداقتنا حتى العام 74 أول الأمر، ثمتباعدت بسبب إقاماته في بيروت وغيرها حتى قدومه إلى عمان نهاية العام 95 حيث تجددتالعلاقة، وظلت قوية ومتوهجة حتى آخر لحظة في حياته.
محمود كان محبا وصادقاوودودا لأصدقائه وللناس بشكل عام، وهو متواضع جدا، وخجول لا يحب اللقاءاتالاجتماعية التي يزيد فيها الحضور عن ستة أشخاص، ولم يكن يحب حفلات الاستقبالالكبيرة أو الدعوات والعزائم العامة.
كان معتدلا في حياته، وفي طعامه وشرابهونقاشاته، ولم يكن متطرفا برأيه، هو متسامح جدا، ولم تكن لديه عداوات مع أحد،ونادرا ما سمعته يذم أحدا سواء كان من الشعراء أو غيرهم، كان كريما وغالبا ما كانيعزم أصدقاءه، وكان مكانه المفضل مطعم برج الحمام في فندق الأنتركونتننتال، وأيامالجمع كنا نلتقي في بيتي..' .
ويضيف 'محمود كان شاعرا عالميا، وليس محليا،فالكثير من الملوك والرؤساء كانوا يستقبلونه مثل ملكة هولندا، وملك المغرب، ورئيسوزراء فرنسا والرئيس التونسي وغيرهم..'.
أما طاهر رياض فيقول عن علاقته به 'ربطتني بدرويش صداقة أخوية وعائلية، وقد عرفته لأول مرة في باريس عام 1993ببيتالمرحوم جميل حتمل، وحين جاء إلى عمان منتصف التسعينيات اتصل معي، أي قبل العمليةالثانية، وقبل كتابته الجدارية، وبعد أن أقام في عمان في شقته الحالية بعبدون توطدتعلاقتنا وبدأنا بالتزاور، وتعرف على أسرتي، وكنا نلتقي تقريبا بشكل يومي، وكنتغالبا أذهب إليه، أو أذهب لإحضاره إلى بيتي أو إلى الالتقاء في أحد مطاعم الفنادقالكبرى، وأحيانا نزور بعض المعارض التشكيلية، ولم يكن يستطيع الذهاب إلى الأحياءالشعبية او التجول في الشوارع مثل عامة الناس لكثرة ما يصادف من المعجبينوالإحراجات، وهذا أمر كان يزعجه كثيرا، وقد حكى لي خلال هذه العلاقة الطويلة التيامتدت إلى الليلة الأخيرة لوجوده في عمان قبل سفره النهائي لأمريكا، عن أشياء كثيرةفي حياته العامة والخاصة، وكان يقول لي أحيانا هذه أسرار لك وحدك، أو ليست للنشر،وأحيانا لا يذكر ذلك فأعرف أنها يمكن أن تصل إلى الآخرين، وقد طلبت منه أكثر من مرةأن أجري معه حوارا طبيعيا دون أن ينتبه لجهاز التسجيل، فرفض قائلا بأن هناك جزءاًخاصاً به ولا يجوز أن يطلع عليه أحد، وقلت له حينها بأن الكثير من الكتاب العالميينقدموا اعترافات في اتجاهات شتى، مثلا علاقتهم بالمرأة أو العمل السياسي وغيرها،فقال لي بأنه ليس من هؤلاء، وأن حياته الخاصة وأسراره ليست للنشر.
في أيامهالأخيرة جدد أثاث بيته، وذهبت وأخي المهندس جمال لانتقاء ما يرغب من أثاث، وقد أحبهزاهيا وملونا (الأخضر القريب من التركواز) ، وكان يبدو لي مقبلا على الحياة بطريقةجميلة جدا، وتحمل في طياتها الأمل، كما قام بتوزيع جزء كبير من مكتبته على بعضأصدقائه، وكأنه لم يرغب في إبقاء غير مئة كتاب مثلا ليحتفظ بها وتكون في متناوليده..'.
أما بسمة النسور فتقول 'تسنى لي أن ألتقي بمحمود درويش منذ استقراره فيعمان، أواسط التسعينيات، وتكررت اللقاءات في مناسبات ثقافية واجتماعية عديدة. ومنذاللحظة الأولى أدركت أنني بصدد رجل استثنائي منحته الطبيعة تلك الهالة النفاذة،والهيبة المدروسة، والطاقة الروحية الخاصة، والقدرة على التأثير في المحيطين به دونكبير عناء. له حضور قوي المفعول يجعل الحواس متجهة إليه بشكل فطري، ولعل أكثر مايثير الإعجاب بشخصيته سرعة البديهة، وخفة الظل، وذلك التهذيب العالي في الحديث،واللباقة في التعاطي مع الآخرين.
أحببت في درويش تواضعه واحتفاله بتجاربالآخرين، سيما الشعراء الشباب، وكان يفرح من قلبه عند اكتشافه لشاعر متميز، ولايتوانى عن إبداء إعجابه بنص جميل بدون تحفظ، وكثيراً ما قال في قصصي كلاماً جميلاًأصابني بالغرور المشروع. أحببت فيه بساطته وعفويته التي لا تخلو من شقاوة الطفولة،وكان مستمعاً جيداً يتابع محدثه باهتمام وفضول، ولا يميل إلى التنظير، ولا يحب دورالأستاذ الذي يتوقعه منه البعض...'.
ويرى جريس سماوي بأن درويش 'كان يرفض فكرةاستثمار اسمه لغايات خارج الشعر، وكان عنيدا حتى فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية مالم ينسجم منها مع رؤاه وأفكاره، وكان جريئا في الوقوف ضده لا يطأطئ أبدا، لم يكنيرغب في أن يحسب على أحد أو جهة، كان يريد أن يحسب على الشعر فقط، وكان له ما أراد،درويش خارج التصنيف القطري، وخارج التصنيف السياسي ، وفوقها هو ابن الوطن العربيوابن الشعر العالمي، كان يحب عمان ، ويقول إنها المدينة الوحيدة في العالم التيأتجول فيها بحرية، كان شخصا حميميا يحب الناس، ولكن صداقاته محدودة في عمان حسبعلمي، وكان مثقفا عاليا في فنون أخرى مثل الموسيقى، يسمع جيدا ويناقش..'.
ويقولزهير أبو شايب عن عالم درويش وشخصيته 'قرأت معه في أمسية جرشية أقيمت في مؤسسةشومان، وكان معنا أيضا الشاعر يوسف أبو لوز، ومشاركتنا معه تمت بطلب منه، عرفتهشخصا مختلفا تماما عن الصورة المشاعة عنه، أي انه عصبي وانفعالي متعال، هذا كله غيرصحيح، أنا رأيت الأمر معكوسا ففي إحدى السهرات في بيت السفير التونسي في عمان حاتمبن عثمان بحضور عدد من الفنانين والكتاب الأردنيين، بدأ محمود بإطلاق النكات وتحولالجو إلى حالة من المرح والحبور، وحينها قالت له إحدى الممثلات الحاضرات: أنت بدّلتالصورة التي كانت راسخة في ذهني عنك أي أنك متعال، ففي إحدى الأمسيات الشعرية كنتمتجهما ولم تقل حتى مرحبا لجمهورك، قال لها: بصراحة كنت خائفا فقط ولم انتبهلنفسي...!
كان جميلا بالقدر نفسه الذي كان شعره جميلا، والناس الذين رأيتهميبكون رحيله إنما يبكون ذلك الجزء الجميل فيه، اتفهم حساسيات البعض من درويش، لكنيلا أتفهم أحدا يكرهه، كان كريما جدا، لا يوافق أبدا ان يدفع أحد عنه إذا كان فيمطعم، وكان مضيافا في بيته يقدم الطعام بنفسه ويعمل القهوة بيديه، ويقدمها لنا ..!
ويتابع زهير أبو شايب قائلا 'أول مرة يقدم العرب شاعرا عالميا بحجم درويشوربما نحتاج ألف سنة أخرى حتى يظهر لنا درويش آخر، كان السياسيون يسعون وراءهليمنحهم الاعتراف وليس العكس، كان يقرأ الصحافة الأردنية ويقرأ الكتب التي تهدىإليه، ويعبر عن رأيه فيها، الكل يجمع سواء الشعراء الذين أحبوه أو الذين كرهوه علىأنه نجم، والعلاقة مع النجم علاقة ملتبسة فالاقتراب منه قد يسبب الخوف من المحو،والابتعاد عنه قد يسبب ذلك أيضا، وبعض الشعراء كانوا يكرهون درويش لأسبابهم الخاصة،ويخلطون بين نجوميته وشعريته ...'.
وتعود بسمة النسور لتحكي عن جوانب أخرى منعالم درويش الإنسان والشاعر
'
الاقتراب من درويش على مستوى إنساني يشبه اكتشافكنز من الدهشة، وثمة مستويات كثيرة في شخصيته شديدة الوعورة والتركيب، ولكن في معزلعن منجزه الإبداعي العظيم، كان رجلاً عادياً يحب كرة القدم والدراما السورية، ويعدألذ فنجان قهوة يمكن للمرء أن يتذوقه، ولديه مزاج عال فيما يتعلق بالطعام. وفي هذا كان ذواقاً من الطراز الأول، فأحب 'المنسف' الأردني كثيراً وهو معروف لدى دائرةأصدقائه بمهاراته الفائقة في الطهي.
وكانت لديه طريقته المميزة في سرد النكاتتجعلك تضحك حتى لو أنك سمعتها من قبل. ورغم أن الاقتراب من محمود هو امتياز وفق كلالمقاييس، لكني أحياناً أتمنى لو أنني لم أعرفه على مستوى إنساني، فلربما كان وقعرحيله أقل إيلاماً، وكانت خسارتي الشخصية أقل جسامة.
أمسياته الشعرية فيجرش
شارك درويش في أمسيات خاصة به في مهرجان جرش الذي أصبح اليوم في عالمالنسيان بعد إلغائه، ويقول جريس سماوي الذي أدار بعض أمسيات درويش الشهرية، وكانمديرا لمهرجان جرش حينئذ 'تعرفت عليه بشكل شخصي عام 1997عندما شارك للمرة الأولى فيمهرجان جرش وافتتح المسرح الشمالي لأول مرة والذي كان مغلقا لألفي عام، حيث قرأدرويش لمحبيه ومتابعيه أشعاره بمرافقة عازف العود سمير جبران، بعد ذلك زرته مرارافي شقته العمانية، وكان يأتي أحيانا إلى الفحيص، كما شارك في مهرجان جرش مرات عديدةمنها أمسيته الشهيرة في قصر الثقافة التي قدمته فيها، وكان الحضور فوق المتوقع،وبدت طبيعة الجمهور يغلب عليها الجانب السياسي إذ سبقت القراءات الهتافات، وكنتجالسا مع درويش في مكتب خاص في قصر الثقافة، سألني: كيف ترى الوضع؟ فقلت له إنالجمهور مسيس من هتافاته، ولم يعجب هذا درويش، لأنه يريد أن يقدم لهم الشعر لاالطروحات السياسية، فانقبض الرجل حينها وتلكأ في الخروج إلى الجمهور، ثم عدت إليهمجددا، وقلت له إن الجمهور في حالة فوران، فحزم أمره، ودخل فغصت القاعة بالتصفيقوالابتهاج لمقدمه، وقدمته حينها تقديما عاليا بكل ما أوتيت من مشاعر الحب المتوهجةتجاه شعره، وكان يصر على وجود كوب ماء وهو من الضرورات المهمة لطقسه المنبري، قاللجمهوره حينما صعد المنبر: سأقرأ بعضا مما تحبون ، وبعضا مما أحب، وقرأ قصائد قليلهمن قديمه، ثم وبلمسة ساحر أو مثل قائد اوركسترا متمرس بدأ بقراءة اختياراته هو،وهكذا سحب الجمهور إلى الشعر الخالص، إذ قرأ نصوصا عالية تقبلها الجمهور بكلسلاسة.
توقيع كتبه في مسرح البلد
نشط درويش في السنوات الأخيرةبإقامة حفل توقيع لإصداراته الجديدة، واختار مسرح البلد في قاع مدينة عمان لهذاالأمر، ويشرح لنا المسرحي رائد عصفور مدير المسرح عن هذه التجربة بالقول 'تعرفتعليه منذ ست سنوات، وتوثقت الصلة بعد إقامته لثلاث أمسيات في مسرح البلد الذيأديره، ولم أكن اتخيل يوما أن محمود سيقرأ أشعاره ويوقع كتبه في هذا المسرح، بل فيأماكن ضخمة وكبيرة، وبعد حفل توقيع كتابه (كزهر اللوز أو أبعد) في رام الله تجرأتوسألته إن كان يرغب في إقامة حفل توقيع مماثل في مسرح البلد بعمان، وكان مترددا أولالأمر، وساعد صديقه علي حليلة في إقناعه، وبدأت الفكرة تتبلور، وكان علينا أن نجهزلهذا الحدث الضخم، ولا سيما أن درويش كان مهتما بالتفاصيل الدقيقة والترتيبات ويقلقلأي طارىء، وقد تم حفل التوقيع في الأول من كانون الأول (ديسمبر) 2005 وقدمه فيالأمسية الشاعر طاهر رياض، وكان الحضور كبيرا تجاوز الـ 1200 شخص، معظمهم منالشباب، وكان هناك نوعيات مختلفة أيضا من طلبة الجامعات أو العاملين في مختلفالقطاعات، وأتى البعض من سورية، وفلسطين 48 وكانت فرصة للقاء الناس، وأحسست بدرويشسعيدا بل كان يستوقف من يريد التوقيع أحيانا ويسأله عن اسمه ومن أين أتى، ويتعرفإلى البعض أو أهاليهم، وبعدها أقمنا أيضا حفلي توقيع واحد منهما لكتابه 'في حضرةالغياب' بتاريخ 20 تشرين الثاني (نوفمبر) 2006 وقدمه حينها الشاعر جريس سماوي، وحفلالتوقيع الأخير كان لكتابه 'أثر الفراشة' في 23 شباط (فبراير) من هذا العام ، وأذكرأنه قال لي بعد هذا الحفل (هاي آخر مرة بدنا نوقع) ولم أنتبه جيدا لهذه الجملة حتىفجعنا رحيله، فتذكرتها ..!
كنت أحسه راغبا في أن تكون هذه اللقاءات في أفضلصورة، وكان يتصل بي مرارا ويسأل عن التفاصيل بدقة، أي عدد الكتب الموجودة، وظروفالمكان وغيرها.
تربطني به علاقة عائلية أحيانا يزورنا في البيت، وقد أنجزت زوجتيسيرين حليلة موقعا الكترونيا له، بالعربية والانكليزية، وكان يتابع كل التفاصيلويساعدها في المواد، وبدا متحمسا له، وها هو العنوان للراغبين WWW.MAHMOUDDARWISH.COM
في بداية 2008 بدأ درويش بتوزيع نحو ألف كتاب من مكتبتهالضخمة، وقد قمت بتوزيعها بنفسي على مكتبات شعبية في جبل النظيف ومخيم البقعة، وكانيبدو لي أنه يرغب في التخفيف من مكتبته التي أخذت تزاحم أثاث بيته، وليقرأهاالناس.
قصة اكتشاف مرضه
هنا روايتان عن مرض درويش الأخير وهما تكملانبعضهما، ومن الواضح التسارع في تطور المرض وخطورته، ومعرفة درويش بوضعه، ومحاولتهمسابقة الحياة حتى يفوز بثمالتها الأخيرة ، فقد كان نشيطا جدا في السنة الأخيرة فيالأمسيات والسفر، ويبدو أنه كان متشائما من وضعه الجديد.
يقول علي حليلة بأندرويش اتصل به صباح أحد أيام الجمع من شهر أيار (مايو) الماضي، وقال له 'تعبان الحقني' ويضيف علي ' لما كان بيتي بعيدا خارج عمان، اتصلت بأخي الطبيب أحمد ليذهبإليه ويأخذه إلى مستشفى الأردن كونه يسكن قريبا منه، ريثما أصل إليهم هناك، وبالفعلجاءه أخي واكتشف أنه مصاب بلفحة صدرية، وأثناء الفحوصات في المستشفى عرض عليه أخيأن يجري له التصوير الطبقي وخلاله اكتشف أن التوسع في الشريان كان كبيرا، وهذا ماأكده له د. تيسير أبو نعمة من المركز العربي لأمراض القلب في عمان بعد ذلك، والذيأشار عليه أن يذهب إلى د. حازم الصافي في هيوستن ، وبالمناسبة أجريت قبل شهرين منعمليته الأخيرة لأخويه أحمد وزكي العملية نفسها ولكن في الشريان النازل من القلبوليس الداخل إليه كما الأمر عند محمود، وهاتان العمليتان أجريتا في حيفا، وكانمحمود حاضرا هناك ، وأجرى أيضا فحصا في مستشفى حيفا ونصحه الأطباء بالذهاب إلىهيوستن، كان واضحا أن محمود وأخوته ضحية مرض وراثي في القلب...!
أما غانم زريقاتفيكمل بقية الحكاية من جهته 'مقدمة المرض الأخير قديمة ولكنها تجدّدت وتطورت تطورشعره، وفي يوم قبل شهرين تقريبا اتصل من رام الله وقال يا أميجو أنا قادم إلى عمانلأنّي أحس بشيء غير طبيعي، وفي اليوم التالي ذهبت معه إلى مستشفى الأردن وفحصهالدكتور عماد حداد، وتشاور مع د. حران زريقات، وقال لنا بصراحة أن الأمر خطير جدا،فمحمود يحمل قنبلتين في صدره يمكن أن تنفجرا في أي لحظة، ويمكن أن تجرى عملية قلبمفتوح لإيقاف التوسع في الشريان الأروطي، ورغم أن العملية لا تخلو من خطورة إلاأنني مستعد لتحمل المسؤولية ، إلا أننا آثرنا ان يذهب محمود إلى فرنسا إلى طبيبهالذي أجرى العملية الأولى في الأورطي عام 98 والذي قال له نفس الكلام عن خطورةالوضع إلا أنه اعتذر عن إجراء العملية وعاد محمود من فرنسا بوضع أسوأ 'الوضع خطيريا أميجو والدكتور قال لي عليك أن تختار طريقة موتك' ردا على سؤاله للطبيب: يعني هلأجري العملية أم لا ؟ وهذا ما أكدته لي الصديقة ليلى شهيد التي كانت مع محمود عندالطبيب.
كان متشائما من وضعه الصحي، ولا يرغب في تصدير الآمال الزائفة، وكانيطلب هدنة عامين أو ثلاثة، ولم يكن يرغب في إجراء العملية، وذهب إلى إجراء فحص طبيفي هيوستن بعد أن أجمع الرأي الطبي على أن هناك طبيباً من أصل عراقي هو الأشهر فيإجراء هذا النوع من العمليات، وبالفعل اطمأن محمود مجددا وقال لي 'غيرت رأيي وسوفأجري العملية لأن الطبيب قال إن الخطر nil '
لحظاته الأخيرة فيهيوستن
بقيت تلك اللحظات الحاسمة في هيوستن ويرويها صديقه علي الذي كان قربه :
في الليلة التي سبقت العملية، وقبل أن نذهب إلى النوم معرجين إلى غرفنا فيالفندق ناداني مع أكرم هنية وقال لنا: أريد أن احكي لكما شيئا، وأحسست بأنه يريد أنيوصي بشيء، وحتى لا يقلق قلنا له محاولين تغيير الموضوع:
'
تصبح على خير ... خلصبعد العملية بنحكي ..'
لم تكن هناك أية حلول أمام محمود إلا إجراء العملية ،وفي التاسعة صباحا قبل البنج قرأ ورقة يشير فيها الأطباء إلى أن نسبة النجاح 95بالمائة وبدا قلقا، ولم يكن بيننا أي كلام حينها إلا أن قلنا له أنا وأكرم هنية 'بنشوفك بعد العملية ...حظا طيبا' وأعطاني بطاقة دخول غرفته في الفندق وكتب عليهاالأرقام السرية لحقائبه حتى أفتحها، وأيضا نظارته وساعته، وهي ما تزال عندي إلىاليوم بانتظار حضور عائلته، و العملية في الحقيقة لم تنجح، ومحمود لم يستيقظ منالبنج أبدا، وفي ذلك اليوم بقيت عنده حتى الخامسة مساء، وغادرناه وهو في العنايةالمكثفة، على أساس أن كل شيء تمام، إذ لم يخبرنا الأطباء بشيء، وظننا أن الأمر عاديوسيفيق لاحقا، وفي اليوم التالي بدأت أقلق حينما عرفت أنه لم يستيقظ، وأحسست برجليهباردتين، وحوالي الـ 11 صباحا توفاه الله..' .
ومن جهته يصف غانم متابعتهللعملية عبر الاتصال المستمر مع علي هناك بالقول
'
أجريت العملية وفهمنا أنهاناجحة بحسب الأخبار الواردة من هناك، وأنه يحتاج فقط إلى 48 ساعة في العنايةالفائقة ، إلا أن الأخبار بدأت تسوء إلى أن فوجئت يوم الجمعة بعلي لا يرد علىتلفونه، ثم كررت المحاولة ولا جواب إلى أن سمعت صوت أكرم هنية يقول لي: 'الله يصبركويصبرنا الوضع يسوء ومحمود عنده تلف في الدماغ وحصل يا غانم كل الذي كان محموديخشاه...!!'
ويتابع علي روايته وهو يكاد يغص بالبكاء ' صلينا عليه ظهرا فيالمركز الإسلامي بهيوستن، وشيع جثمانه الذي كان ملفوفا بالعلم الفلسطيني نحو 150 منأبناء الجالية العربية هناك، وفي الليل أقيم حفل تأبين له في المركز العربي وحضرنحو 350 شخصا ، وجاء مدير مكتب أبو مازن د. رفيق الحسيني وألقى كلمة ورافق الجثمان، وفي صباح الثلاثاء في العاشرة صباحا غادرت الطائرة الإماراتية من مطار جورج بوشإلى عمان، ولم أستطع تحمل الصدمة والرجوع مع صديقي وهو في النعش فبقيت هناك فترة منالوقت وعدت منذ أيام قليلة ..!ويعترف بأنه كان هناك مجموعة من أصدقاء محمود ومحبيهفي المستشفى تابعوا الأمر أولا بأول وهم يعيشون في أميركا منهم فاروق العطار وهوعراقي وزوجته الفلسطينية ، والسيدة رنا عبوشي وهي فلسطينية وزوجها الدكتور ماهرناصر وهو طبيب لبناني، وكان أيضا هناك د. فادي جودة مترجم أشعار درويش إلىالإنكليزية وصديقه..!
يختم غانم زريقات حديثه بالترحم على صديق عمره بالقول 'سيبقى شاعرنا الجميل معنا وحيا فينا، وفقدان شاعر بقامته ليس فجيعة شخصية فحسب،أما أنا فلا أعتقد أن ما تبقى من العمر يكفي لأتعافى من هذه الفجيعة، وكل ما أتمناهأن يرحمه البعض من ادعاء الحب، وأن لا يحملوه مواقفهم وهو لم ير بعضهم أو حتى لميحادثهم منذ سنوات..!'
بقية الحكاية معروفة فقد عاد محمود إلى عمان محمولا فيالنعش، والتقاه أصدقاؤه ومحبوه للمرة الأخيرة بالبكاء والترحم عليه، وغادرت طائراتسلاح الجو الأردني بمحمود فوق عمان لتصل رام الله بعد دقائق معدودة ، وفيما كانتروحه تلوح للواقفين في مطار ماركا تلويحة الوداع، كانت أيدي وقلوب الآلاف من أبناءشعبه تلوح لقدومه في أرض فلسطين التي حملها في قلبه حيا وراحلا وموقنا بحياة أخرىيقول فيها 'سأكون في مكان حيا بعد موتي ..'


ليلته الأخيرة فيعمان

غادر محمود إلى أميركا صباح الاثنين الثامن والعشرين من شهر تموز (يوليو) الماضي برفقة صديقه الكاتب أكرم هنية، وهنا يروي بعض أصدقائه ممن زاروه فيشقته أو زارهم في بيوتهم التفاصيل الأخيرة لأيامه في عمان:
تقول بسمة النسور 'زرته ومجموعة من الأصدقاء قبل يومين من سفره إلى أمريكا كي نتمــــنى له عودةســالمة، وكان مضطرباً بعض الشيء، وحدثنــــا عن هواجسه وتصميمه على العودة ماشياعلى قـــــدميه كخيار واحد ليس له بديل. وعدته بمنسف أردني معدّ على الأصولاحتفالاً بعودته. حدّثنا بإعجاب كبير عن تجــــربة أمجد ناصر الشعرية واعتبرهاعلامة فارقة في حقل قصيدة النثر، وذلك ردا على تساؤلي حول ماهية قصيدة النثر ومدىالشعر فيها. ودّعناه في ذلك المساء بقلوب دامية، ومع ذلك ظل الأمل بعودته قائما بمايشبه اليقين..'.
أما طاهر رياض فيروي تلك التفاصيل قائلا 'قبل سفره بليلتين زرتهفي بيته، وحاولت رفع معنــوياته، وقال لي 'معنوياتي عالية، ولكني متشائم' وشرح ليكيف ان الطبيب العراقي الشهير قال له بأن نسبة الوفاة في هذه العملية 1 بالمئة، وأننسبة الشلل 3 بالمئة، وقال لي بأن 'نسبة الوفاة لا تخيفني حتى لو وصلت إلى 50بالمئة، لكن الشلل يخيفني حقا، ولا أستطيع التعامل معه، ولهذا أوصيك وبعض الأصدقاءبأنني فيما إذا أصبحت مشلولا ان تذهب بي إلى إحدى الدول الاسكندنافية التي تبيحالمجال للموت الرحيم لمن هم في مثل حالتي..'
في الليلة الأخيرة كان محمود فيبيتي وتناولنا العشاء معا، والتحق بنا الشاعر زهير ابو شايب، وكان محمود مرحا ومحباللحياة بطريقة مدهشة، ودخن 3 سجائر رغم انه في العادة لا يدخن بأمر من الطبيب، وبقيمعنا إلى الساعة الثانية صباحا على غير عادته أيضا، وصورته في الفيديو كعادتي، لكنهاحتج قائلا 'لشو التصوير..' فتوقفت. كنت مطمئنا تماما لعـــودته سالما، فقدانتصر على الموت مرات، وهذه أيضا قلت سينجو منها، وحين أتاني الخبر الصاعق وأنا فيدمشق، لم اصدق، ولا أكاد إلى اليوم اصدق بأنه رحل...!
أما زهير أبو شايب فيصفلقاءه درويش في تلك الليلة قائلا ' وصلت حوالي التاسعة بيت الصديق الشاعر طاهررياض، وكان درويش يأكل الآيس كريم بالشوكولاته، كان شخصا عاديا وبدا لي أن الموت لميكن يشكل أي حضور عنده فقد كان يتصرف بنفس الحيوية ، ودعته وقلت له: عد غانماوسالما.
فقال لي: أكيد سأرجع لكن سالما لا أضمن ذلك.
سألني تلك الليلة عنأمجد ناصر إن كان موجودا في عمان ليراه ، وأنا نادم كثيرا أنني لم أكن أكتب ملاحظاتلوقائع جلساتنا ، كان ملتزما بفلسطين وليس بالسلطة الفلسطينية وكل ما أشيع عنمواقفه السياسية كنت أرى عكسه تماما في هذه الجلسات
التي فيها تاريخ وأسراروالتزام حقيقي من شاعر كان يتحرك أعلى بكثير من السياسي وظل محافظا على مواقفهالنظيفة..'.
ويعود غانم زريقات ليتذكر تلك اللحظات بالقول ' أذكر في الـ 24 ساعةالتي سبقت سفره الأخير إلى أميركا، وكان الصديق علي حليلة قد سبقه قال محمود لي: علي فوق الأطلسي الآن وهو سيعود ولكني أخاف من الشلل لذا لن أجري العملية، وعندماكنا نشجعه من أجل العملية ، كان يقول: 'ما دامت قنابل سأنتظر حتى تنفجر ونحن نلعبالطاولة معا'. لكنه اقتنع أخيراً وذهب..
بدأت علاقتي بمحمود في بيروت العام 1972، ومنذ المؤتمر التوحيدي الأول لاتحاد الكتاب والصحافيين الفلسطينيين الذي كانلي شرف عضوية الأمانة العامة والتي لم تكن هما عند محمود، ولا كل الوظائف التيشغلها بحكم المنفى والمكان من رئاسة مركز الأبحاث الفلسطيني، ورئاسة الاتحاد العامللكتاب والصحافيين الفلسطينيين، وعضوية اللجنة التنفيذية، وفي العملين الأخيرينانتخب درويش غيابيا، وكان همه الوحيد إصدار مجلة 'الكرمل' والتي فرضنا عليه أن يضععلى غلافها أنها تصدر عن الاتحاد العام للكتاب والصحافيين الفلسطينيين، والحقيقةلله وللتاريخ أن لا دور لنا غير السعيعند الرئيس الراحل ياسر عرفات وعند سلوىالحوت لتأمين إصدار المجلة، وكان هذا بطبيعة الحال عملي لأنني أمين السر ومسؤول عنالمراسلات، ويوما بعد يوم تعززت العلاقة بيننا ووجدت في محمود صديقا قريبا وحميمياوهو أيضا من أكثر من عرفت نبلا وأخلاقا وشجاعة في الموقف.
بعد حصار بيروت، وخروجالمقاومة، وفي الأيام الأخيرة قبل الخروج في انتظار السفن كنت بمعية محمود وسليمبركات، قال محمود: 'أميجو' (كان هكذا يناديني) أنا لن أخرج بهذه الطريقة حتى لوتركنا سليم ـ في إشارة إلى أن سليم كان مسلحا ببندقية كلاشنكوف
فأجبته فورا: وأنا لن أخرج، ولم يعجبه الجواب، وقال بلهجة حادة: أولادك في سورية، وهناك باخرةذاهبة فاذهب، أنا سأهتم بنفسي، ولا أريد أن أنشغل بك. وبقي في بيروت، وبقيت أيضاإلى أن عرفت أنه سيخرج مع السفير الليبي إلى دمشق، وخرجت أنا إلى اللاذقية عن طريقالنائب اللبناني الصديق سمير بك فرنجية مع عميدين من الجيش اللبناني بزيهما العسكريوبسيارة عسكرية..!
في دمشق التقينا في إحدى الأمسيات التي كانت مقررة على مدرججامعة دمشق أواخر 1982 الذي لم يتسع للجماهير واضطرت الجهة المنظمــة إلى نقلالحــضور إلى مـــدرج الأسد في باصات النقل العام والعسكري، وكنت مع الشاعر عليالجندي، ومـــا ان وصلنا بالتاكســي حتى كان الملعــــب مليئا فقال الجنديعبـــارته التي بقي محمود يرددها 'والله لو قتلناه وشرحنا ـ نحــن الشــعراء ـأسبابنا للقاضي سنأخذ براءة ..'.
وفي العام 1984جاءتني برقية من الرئيس الراحلعرفات وكان حينها يزور جنوب أفريقيا لأتوجه فورا من تونس إلى فيينا لأن محمود درويشفي المستشفى، وهناك تحدثت مع محمود عن رغبة أبو عمار لعقد مؤتمر للاتحاد في صنعاء،ولم يكن متحمسا لعقد هذا المؤتمر، نظرا للخلافات بين أعضاء المؤتمر المقيمين فيدمشق والآخرين، وكنت من أشد المعارضين لعقد هذا المؤتمر، ولكن الجهود التي بذلهادرويش بعد هذا المؤتمر أثمرت بعقد المؤتمر التوحيدي في الجزائر.
كنت أعرف مقدارالوجع الذي عاناه من أحداث رام الله وغزة، وكان في السياسة دائما متشائما 'اسرائيللا تريد سلاما يا أميجو'.
لم يجامل يوما ولم يتخل عن ثوابته ولم يرهب أحدا لاكبيرا ولا صغيرا، وكثيرا ما كنا نضطر إلى الذهاب إلى مكان الأمسية قبل نصف ساعة أوأكثر ليطمئن، وكان دائما قلقا قبل كل أمسية، وكان يرتب قصائده بدقة أيهما يقرأ أولاوثانيا وأخيرا، وكان يسأل أيهما أجمل للبداية هذه أم هذه؟وفي أمسيته بجامعة تشرينفي اللاذقية بتاريخ 19 -4-2004 قلت لمحمود سوف يطلبونك أن تقرأ 'سجل أنا عربي' لأنها تدرس هناك، قال: يا أميجو بغض النظر عن الجمالية ورأيي في القصيدة، فاليهوديقولون للفلسطيني أنت عربي، فصرخت في وجه جلادي سجل أنا عربي فهل أقف وأقول لمئةمليون عربي أنا عربي! ..لن أقرأها.
كنت مع محمود في المستشفى في فيينا، عام 1984ورغم أن عمليته في القلب إلا أنه لم يكن متشائما، وأثمرت العملية عن فرح بالنجاح،وزواج من سيدة مصرية فاضلة ( للأسف لم يطل)، وعن قصيدة 'يطير الحمام يحط الحمام' التي لحنها توأم عمره مارسيل خليفة، وفي عملية 1998 في باريس، وهي في الأورطيالقاتل، فنجا من الموت وأثمرت عن 'الجدارية' وبداية الصراع الجدي معالموت. محمود درويش شديد التطلب والمراجعة والنقد الذاتي وشديد الحساسية تجاهتطور تجربته الشعرية. النص الجدير بالاهتمام عنده هو النص الذي لا يشبهه، وإذا شعرأن النص يشبه ما كتبه في الماضي، أو إذا أشرنا إلى ذلك، كان يرميه في السلة أو درجالطاولة وقد يبقى ما يكتبه شهرا أو شهرين، وعندما يكتب قصيدة تعجبه كثيرا وتعجبجمهوره الصغير يحس بأن ديوانا جديدا سوف يصدر.
تبدأ معركة محمود مع محمود إذاجاز التعبير فتكثر خلوته إلى نفسه. يوقف السفر، ويقلل كثيرا من استقبال الأصدقاء،ويتحول إلى حرفي (حداد أو نجار ويبدأ الشغل على قصائد الدرج) من موقع الناقد يحذفويزيد، وعلى نار هادئة وبتأن لم أر مثله، وعندما يتناول قلم الحبر السائل يبدأبكتابة المخطوطة قصيدة بعد قصيدة ثم يأتي دور التبويب، وعندما يصدر الديوان يبدأالسؤال الكبير عند محمود: هل تعتقد يا 'أميجو' أني أستطيع أن اكتب شعرا أجمل منهذا؟
وحين يجمع علي حليلة وغانم باعتبارهما جمهورا مصغرا له يقرأ لنا كل جديد،ويطلب رأينا، وأذكر أني طلبت منه أن يشطب مقدمة 'في حضرة الغياب' لأنني كنت أسمعوأرى محمود درويش فيها، وكان هو لا يحب ذلك، لأنه أدمن التفوق على نفسه، فهو يريدفنا متطورا يخاطب الأغوار العميقة في النفوس، ويبقى أثرها في الوجدان، وكان دائماحريصا على أن يجمع بين هذا الفن المتطور والانتشار الجماهيري الواسع، وكان يصر علىأن يقرأ للحشود بعضا من أصعب قصائده، ولا يستجيب للطلبات، حتى أنه قال في إحدىالمقابلات الصحافية في الأردن أنا أستمع إلى رأي أصدقائي حتى أن صديقا لي محامياطلب مني أن اشطب أكثر من عشر صفحات وقد كان له ذلك..!
ورغم أن محمود ترك أكثر منأربعين مؤلفا، وفيها ما سوف يشغل النقاد زمنا طويلا إلا أنه كثيرا ما كان يردد: ياأميجو لست راضيا عن نفسي، ويبدو أن الموت سوف يهزمنا هذه المرة، وأصبح هاجسا فيالسنوات الأخيرة 'أيها الموت انتظر' وكان محمود يرغب في الحياة لسنوات قليلة مقبلةلينجز عملا كبيرا كان يراوده، عملا روائيا أو مسرحيا كما أظن.
الموت كان حاضرابقوة وأصبح هما يوميا وعاديا ليس 'في حضرة الغياب'، و'أثر الفراشة' بل في جلساتنااليومية، وأصبح محمود يسابق الزمن، ويسعى كثيـرا ويعمل أكثر، ونحن الذين نعرف محمودعن قرب والذي لم يكن يرغب في عمل أكثر من نشاط واحد في العام قدم هذه السنة أمسياتشعرية في فرنسا وإيطاليا وكوريا وفي رام الله وحيفا وفي القاهرة وتونس وعمان، وحصدالكثير من الجوائز منها جائزة ' ملك الشعر ' من مقدونيا، وهي عبارة عن تاج ذهبي،وجائزة الشعر العربي من مصر، وجائزة من تونس، وتبرع بالقيمة المالية بالجائزتينالأخيرتين لصالح صندوق الطالب الفلسطيني . لم يتحرر محمود يوما من الإحساسبالمنفى ومن الاغتراب الداخلي، حتى انه في الوطن وفي زيارته الثانية إليه سألته عنالحياة هناك، فهز رأسه بسخرية وقال: هل تعلم بأن شيرين أبو عاقلة (المراسلةالمعروفة للجزيرة) تمنع التجوال في رام الله؟ ولما سألته كيف ذلك قال: تمر سيارةاسرائيلية ويتحدث واحد بالعبرية ويقول: يمنع التجوال منذ الآن وحتى الساعة الثانيةصباحا: التوقيع شيرين أبو عاقلة...!
ومحمود لم ينس يوما أنه فلسطيني ولاجىء، ومنهنا كانت أهمية المكان في قصائده للدفاع عن الذات والثقافة وعن الذاكرة الفلسطينية،وعن الحق والحرية ولهذا كان يعتبر معركته مع الاحتلال والظلم والاستعباد والقهروالظلام وأن سلاحه في هذه المعركة هو الشعر
المصدر: جريدة القدس العربي اللندنية ليومي السب والأحد 20/21 شتنبر
الرابط:http://www.alquds.co.uk/darwish/inde...:&storytitlec=

خادم المنتدى 23-04-2016 23:21

-*************************************-
شكرا جزيلا لك..يلرك الله فيك..شكرا جزيلا لك
على هذا التقاسم
-******************-


الساعة الآن 11:42

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات دفاتر © 1434- 2012 جميع المشاركات والمواضيع في منتدى دفاتر لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة المنتدى بل تمثل وجهة نظر كاتبها