![]() |
الجيلالي والخيطاني
الجيلالي و الخيطاني
استقرت به عربة نومه المتنقلة على جانب المنحدر المجاور للهضبة التي أقيمت عليها الفرعية الموكلة للمعلم " الجيلالي بومعزة " . انتفض " الجيلالي " من غفوته على صوت محرك قوي لم يعهد له مثيلا بالدوار ، فخرج مهرولا من قسمه لاستطلاع الأمر متبوعا بكل تلاميذه الذين اعتادوا " الهرولة " كلما سمعوا هدير محرك طيارة ، أو صوت صفير قطار أو حشرجة محرك جرار أو حتى نهيق حمار جبار... طالعه هيكل عربة متوقفة استحضرت له صورتها ، عنوان أحد الأفلام المكسـيكية المدبلجة الذي امتدت مدة بث حلقاته طيلة سنتي تكوينه . أصدر باب العربة صوتا شبيها بأبواب حانات " الكوبـوي " و طالـع " الجـيلالي " أول ما طالعه كعب حذاء جلدي أمريكي الصنع ... اكتـملـت صورة الـزائر بظهور خصلات ذيـل شعـره الطويـل، و لمعان قرط أذنه اليسرى الشبيهة بصليب أجراس الكنائس، وبروز انتفاخ صدره الموشوم برسم ملون لأفعى ملولبة مكـشرة عـن نـابـها السـام ، تدلـت عليـه مـن عنـقه حزمـة مـن السلاسـل الذهـبية ... تأمله " الجيلالي " بسذاجة حنينية ، اعتقده سائحا تائها في الدوار ، فعاودته الذكرى للأيام التي كان يشتغل فيها صيفا مرشدا سياحيا دون رخصة... يصطاد زوجا أجنبيا تائها ليتوه به أكثر في دروب و أزقة فاس ، مـرتادا و إياهم كل " البزارات " المشبوهة التي تعاقد سلفا مع أصحابها عـلى " الجـعبة " ، و على اقتسام الأرباح المضاعفة . تأمله " الجيلالي " مرة ثانية ، وركز بصره على صدره البارز غيـر مصدق ، هالته من جديد أوشام هياكل عظمية غطـت سـاعديه ، فتحسس في خـجل صدره الغائر و استحضر سباب زوجة زوج أمه الدائـم : " سـير يا كعليطـة كحل الـسيفة يا صدر الفـراكة يا راس السمكة فين ما حطتي رجليك ينوض الشوك "... اقترب " الجيلالي " من الزائر معتقدا إياه بائعا جوالا هذه المرة ، تقدم منه و سأله عن " الصابون البلدي " ابتسم الخيطاني بإسبانية شفوية ، أزاح عن عينه اليمنى خصلة من شعره تلاعبت بها الرياح و رد موضحا : " هولا أميكو ... صوي د إسبانيا ؟ كومو طياماس ؟" تردد " الجيلالي " في الإجابة لبعد عهده بتوظيفه للغاته الأجنبية ... لكنه استدرك بعد هنيهة بإسبانية ذات لكنة صحراوية مثيرة : إسمي " الجيلالي " ... " الجيلالي جوج دوس " لكنهم ينادونني هنا بـ " الجيلالي بومعزة " ... و أنت ما إسمك ؟ رد الزائر : " ميكل الخيطاني " و كان التـعارف و اللقـاء سـاخنا و التلاميذ ينتظرون قدوم معلمهم . تجاذب الاثنان أطراف الحديث ... امتد بهما الحوار بعيدا تناقشا في موضوع الأديان السماوية و الحـركات التبشيرية ، كما أثارا إشكالية قوارب الموت و الهجرة السرية ، تحدثا عن طارق بن زياد و عن ملوك بني الأحمر ... توقفا بالحديث عن وضع المدينتين السليبتين " سـبتة و مليلية " . و لم يجد الخيطاني ما يقوله بخصوص هذا الموضوع ، لعدم إلمامـه بخفــاياه و مرجعيـاته ،و انفجر " الجيلالي " كبركان خامد منذ عشرات السنين ، و علامات الحـسرة و الحـزن و الظلم و عدم الرضا بادية على ملامح وجهه وتوحيمته الفحمية ، انفجر متحدثا بوطنية الغيورين : " – أتدري أنني أستحيي من قول حقيقة وضع المدينتين المغربيتين لتلاميذي الصغار ... بالله عليك ، أمن المعقول و المنطق تجريد المدينتين السليبتين من مغربيتهما و هما تتواجدان بين أحضان وطننا الأم و على نفس صفيحة تراب أرضنا الغالية بل ووراء الضفة الأخرى من مضيق جـبل الموت ؟ أحاول جاهدا ألا أثير موضوعهما مع التلاميذ . أتعلم انهم يثورون في وجه من وطأ شبرا من أرضهم البور . فما بالك تراهم فاعلين لمن استحوذ على جزء من وطنهم ؟ و أي رد فعل تنتظر ممن لقناهم مبادئ وطنية السلم و الحوار و الثورة و التحدي ؟ انعطف " الجيلالي " في حديثه محاولا عدم الغوص مع الخيطاني في فك خيوط قضية تتجاوز إطار عمله ، و انتقل ليساله عن بعض خصوصـيات حيـاته الشخصـية ، و التلاميذ لا زالوا ينتظرون قدوم معلمهم . - أمتزوج أنت ؟ - بالتأكيد نعم . - ألديك أطفال ؟ - بالطبع لا . - لماذا ؟ - لأن " خوسي" لا يلد . - " خوسي" هل هي زوجتك ؟ أردف الجيلالي متعجبا . - لا إنه زوجي . وضح الخيطاني باسما . - إذن أنت زوجته ؟ ! استطرد " الجيلالي " شاكا في رجولة " ميكل ". - لا أنا زوجه ! رد الخيطاني مقهقها . و ابتعد " الجيلالي " عن الخيطاني مصدوما . اختلطت عليه الأمور و لم يستطع إدراك طبيعة الموقف . كما لم يقو على تحليل وفهم طبيعة العلاقـة التي تجمـع بيـن " مـيكل " و " خوسي " . و لم يتردد " ميكل " في إفهام " الجيلالي" أنه من النوع النباتي الشاذ جنسيا ، و أنه على علاقة زواج شرعية مع " خوسي " ...انتاب " الجيلالي " شعور قوي بالندم على محاورة كائن مختلط النسب و الأمشاج ، منحل الأخلاق ،عديم القيم ... اعتذر للخيطاني بكلمات مؤدبة لبقة . وعده بلقاء ثان ، و عاد إلى قسمه ليتمم للتلاميذ شرح عناصر موضوع " الغاية من تشريع الزواج " رافعا صوته عاليا : قلنا إذن بأن الزواج ميثاق ترابط و اتصال بين رجل و امرأة ..أكرر رجل و امراة غايته الإحصان و العفاف و تكثير سواد الامة...ارتحل الخيطاني عن الدوار وتوحيمة " الجيلالي " الفحمية الشحمية لا تفارق مخيلته ، و قوامه الصحراوي المثير يزاحم أحلامه السيركية الخليعة ... ارتحل الخيطاني و صدى و عد "الجيلالي " يتردد في أذنه : " انتظر عودتك يوم تعود المدينتان السليبتان لحضيرة الوطن الأم ... وقتها أعدك باستقبال شعبي فولكلوري على شرفك ." مرت سنون قليلة على زيارة الخيطاني الأولى . و عاد من جديد . عاد هذه المرة حاملا البشرى للجيلالي ... استقبله أهل الدوار بحفاوة بالغة ، سألهم بلهفة عن صديقه المعلم ، فاقتادوه صامتين لضريح قبره ، ... وقف الخيطاني ذاهلا واجـما أمام روعة البناء ، وهندسة الفسيفساء ، وزحمة الرجال و النساء المرتادين لضريح صديقه ... و أحس وقتها برهبة شبيهة بتلك التي تنتابه و هو يتأمل صومعة " الخيلاردا " أو يتجول بين ربوات حدائق " غرناطة " ... تأمل المشهـد من جـديد ، و أيقن أخيرا بأن للعربي عزة في موته ليست لمصارع الثيران في حياته ... |
لا ادري لماذا اخرتها كل هاد التاخير.....؟؟؟؟؟؟؟؟
|
اقتباس:
تحياتي وسلامي لإيمانة الصغيرة |
أخي نور الدين
أهلا وسهلا بك أولا بعد" طول" غياب ..امكن درتيها بالصح ..لقد سبق ان قلت أنك وضعت نظاما صارما مع الانترنت ..لعن الشيطان ألسي نورالدين ..أخليك معانا ..أما ما قلته أن المساهمات القليلة ، فتأكد أن ابتعادنا هو ما سيساعد على نمو الفطريات ... ماعليناش لقد ناقشت في نصك القصصي هذا مواضيع عدة ، ابتداء من غربة الفرعية ، مرورا بالتحايل على السياح ..ومناقشة المدينتين السليبتين وايام الاندلس. ..ثم موضوع الشذوذ الجنسي الذي يذكرنا بقوم لوط ..ولعل النصارى طوروه ووصلوا به حد الزواج شرعا ومباركة.. وانتهاء بعودة الخيطاني حاملا البشرى ، لكن يجد الجيلال قد مات ..واضحى ضريحه مزارا للقرويين رجالا ونساء . هذا ما فهمته من النص وارجو ألا أكون مخطئا . من الناحية اللغوية الاخطاء قليلة لن تفت في عضد القصة شيئا : - غطت ساعدي يديه ، كان يمكن الاكتفاء ب ساعديه. - يوم تعود المدينتن السليبتين ، الصواب المدينتان السليبتان -مرت سنين قليلة ، الصواب سنون قليلة هذا عن اللغة ، أما عن الافكار ، فإني أعترض في محطتين :الاولى عند قولك "و عاد إلى قسمه ليتمم للتلاميذ شرح عناصر موضوع " الغاية من تشريع الزواج " رافعا صوته عاليا : قلنا إذن بان الزواج ميثاق ترابط و اتصال بين رجل و امرأة أكرررجل و امراة غايته الإحصان و العفاف و تكثير سواد الامة..." السؤال بأية لغة كان الجيلالي يتكلم ؟ هل بالاسبانية فكيف سيفهم التلاميذ ؟ أم بالعربية ؟ وكيف سيفهم الخيطاني الخطاب الموجه إليه ؟ بل هل سيعير السائح لذلك الخطاب أدنى اهتمام؟ أما الثانية فعند قولك " سألهم بلهفة عن صديقه المعلم ، فاقتادوه صامتين لضريح قبره ، ... وقف الخيطاني ذاهلا واجـما أمام روعة البناء ، وهندسة الفسيفساء ، وزحمة الرجال و النساء المرتادين لضريح صديقه .."السؤال : هل كلامك هذا مقنع ؟ هل ستجد من سيصدق هذه النهاية ؟ وهل يمكن ان نفهم أنك تروج لثقافة زيارة الاضرحة والتمسح بعظام الموتى وانتظار الفرج في حضور أرواحهم و..و...؟ أكيد لا.. السي نورالدين ..هذه تسمى أخطاء تقنية ....كان يمكن تفاديها طبعا الاسلوب جذاب كالعادة ..نفس طويل الله إعطيك الصحة .. كما أنك أضحكتني عند قولك "سـير يا كعليطـة كحل الـسيفة يا صدر الفـراكة يا راس السمكة فين ما حطتي رجليك ينوض الشوك "... أخي نور الدين ، يا صاحب القلم الذهبي ، لقد استمتعت بحيك ..أشكرك تحياتي |
[quote=tijani;219356]أخي نور الدين
أهلا وسهلا بك أولا بعد" طول" غياب ..امكن درتيها بالصح ..لقد سبق ان قلت أنك وضعت نظاما صارما مع الانترنت ..لعن الشيطان ألسي نورالدين ..أخليك معانا ..أما ما قلته أن المساهمات القليلة ، فتأكد أن ابتعادنا هو ما سيساعد على نمو الفطريات ... صدقت أخي وتأكد أنني سأعيد النظر في قراري نقدك أسعدني وعموما يسعدني مرورك أكان نقدا أو تعليقا خصوصا أنك من أهل الإختصاص ومن ذوي السوابق المشرقة في عالم الكتابة قمت بتصحيح الأخطاء اللغوية ولي رأي أخر بخصوص الأخطاء التقنية إذ أشرت في بداية القصة أن الجيلالي يجيد الحديث باللغة الإسبانية وطبعا عند عودته لفصله سيتحدث عربية ولا يهمنا إن فهم الإسباني شيئا من درسه أو لم يفهم أجدد شكري لاهتمامك ونقدك المشجع دمت مبدعا |
| الساعة الآن 18:17 |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات دفاتر © 1434- 2012 جميع المشاركات والمواضيع في منتدى دفاتر لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة المنتدى بل تمثل وجهة نظر كاتبها