منتديات دفاتر التربوية التعليمية المغربية

منتديات دفاتر التربوية التعليمية المغربية (https://www.dafatir.net/vb/index.php)
-   القصص والروايات (https://www.dafatir.net/vb/forumdisplay.php?f=75)
-   -   هذا الجرثوم حسبته معلما (https://www.dafatir.net/vb/showthread.php?t=32578)

نورالدين شكردة 19-10-2008 21:57

هذا الجرثوم حسبته معلما
 
لله هذا الجرثوم حسبته معلما





كلما هممت بفتح نقاش معه حول أوضاع تعليمنا و شغيلته إلا و اتخذ جلسته المـعهودة ، و امتدت أصابع يده الأربعة لعلبة سجـائري وولاعـتي ، و نـادى علـى الـنادل بكأس من عصـير المحامي على حسابي بالطبع ... كان يتنحنح و يغير من وضعية جلوسه قبل أن يدخل معي في متاهات حواراته المنطقية و كان يقول : أي مردودية تنتظر من معلم تلقى تكوينا قصير الأمد ، عـديم الفاعليـة ، و استفاد من مرتب زهيد لا يسمن و لا يغني من جوع ... ثم تعرض لتعيين عشوائي أو بالأحرى لنفي اختياري داخل حدود وطنه ... كنت أجيبه و أحاول أن أقنعه بأننا في عصـر بطالة المجـازين و الدكاتــرة و حملة الشـهادات ، و أن تعييننا في أي جهة أو قرية من مغربنا الكبير ، إنما هو تحميل لمسؤولية وطنية ، و تكليف بواجب إنساني تربوي ، و أضيف بان العمل في ظل الكرامة و الاستقلالية و الحرية ... بين أفراد تتوحد معهم في الدين ، و الجنسية ... و تختلف عنهم في أمور هامشية ، كاللهجة و العادات ... لهو أمر محمود ، أفضله على هجرة وطني ، و العيش غريبا بين قطعان الخنازير . وداليات العنب ، و صفوف الأطـباق المتـسخة ...و كنت أكرر على مسامعه دائما أن الغربة داخل حـدود وطنـي ، ليـست باغتـراب ، بقـدر ما هي سـياحة و اقتراب من مناظر مغربنا الخلاب..
كان يتهكم من وطنيتي و حسن نيتي ، و يبتلع عصير المحامي في جرعة واحدة ، ثم يبدأ في اجترار حواراته التيئيسية المألوفة مع دخان سجائري ...
وكانت لقاءاتي تتكرر مع هذا الإنسان مرة في الأسبوع ، إذ أنني كلما ارتدت مقهاي الدائمة ، خـلال عطـلة نهـاية الأسبـوع إلا ووجـدته ينـتظرني ببـذلته الـسوداء المنكمـشة ، و ربطة عنقه الحـمراء ، و قميصه الأصفر المتآكل ، و شعـره الأشيـب المـنفوش ... كان دائـم الارتـكان في أقصى زوايا المقـهى ، و كلما رآني أشار علي بيده اليمنى التي تفتقر لقاء بعد لقاء لأصبع من أصابعها ، و أشار على النادل بيسراه طالبا عصير المحامي
و هذا اليوم بالذات قررت أن أكسر روتين عطلة نهاية الأسبوع . و أن أوفر تلك الدريهمات التي يبتزها من مرتبي ... توجهت نحو نفس المقهى ، و رأيت نفس الشخص ،ونفس العينين الحمراوتين، و نفس البذلة ، و القميص و الرباط ... كما ميزت يدا يمنى دون أصابع تشير إلي بالاقتراب ، و يدا يسرى تشير على النادل بالعصير المعتاد ..
حاولت أن أبحث لي عن مكان آخر بين طاولات المقهى ، و قسرا شدني لون رباط عنقه من جديد ، فوجدت نفسي مدفوعا دون إرادتي نحو طاولة جلوسه ...ربما بدافع الفضول لمعرفة سر هذا الإنسان الذي تتآكل أعضاؤه أسبوعا بعد آخر ... أو ربما بدافع الشفقة على حالته التي تزداد سوءا و اختزالا ... أخذت لي مكانا مقابلا له ، و هالني أن لاحظت انفه المبتور و أذنه اليسرى الوحيدة ، سألته باغتراب :
- عــلال ماذا حل بك ؟و بأي مرض مصاب أنت ؟
- أجابني بصوت واهن . و فم خال من الأسنان و لسان مهترئ:
- الجيلالي أتوسل إليك ...أنقذني قبل أن أتلاشى !
- تتلاشى ! كيف بالله عليك ؟
- لقد تهت في دوامة التعليم منذ ثلاثين سنة ، و استهلكت من قواي و طاقاتي ما استهلكت ، و الآن أصبحت استهلك من ذاتي و أعيش بمخزون و احتياط أعضائي ... أصابتني حالته بالوجوم و الخوف ، و تأملت في رعب مصير مستقبلي التعليمي و الصحي ، لم اعد أقوى على الإنصات لكلامه المأساوي الممزوج بدموع الألم و الندم على اقتحامه ميدان المتاعب و العلل و الأمراض ... تأملني باكيا و استجداني كي أترك هذا السلك الذي آل به إلى هذه النهاية المؤلمة ... و لم يكن لينسى ارتشاف عصيره المفضل و تدخين سجائري الرخيصة ...
أدنى يده اليمنى من نظارتي و تحدث بصوت مرتعد ، أرأيت ماذا فعل الطباشير بأصابعي ! ...ألم تر يوما أصابعا تنجرف و تتفتت ؟ ثم تحسس موضع أنفه بسبابته يسراه و قال : انظر ماذا أصاب أنفي وعيناي بفعل الغبار ، و أذني هل رأيت ماذا ألم بها ، لقد انفجرت نعم انفجرت بفعل صراخ و ضجيج الأطفال ...
لم أعد أميز سوى اهتزاز شفتيه و هو لا يزال يتابع حديثه الدرامي وأنا اتحسس أنفي وأذني برعب كبير ...
صدمتني حالته و صدقت كلامه ... كيف لا أصدقه و هو المعلم المحترف صاحب الخبرة و الأقدمية و السوابق في الميدان ...
اختمرت الفكرة و قررت من دون تردد الاستقالة من هذه المهنة كما أزمعت ركوب أمواج المتوسطي حارقا عند خالتي بإيطاليا ...
الواقع أنـنـي رغـم ما عـايـنته من ضغوطات نفسية و معانات صحية و لحظات تذمر قصوى ... لم يخطر ببالي أن أصادف يوما مثل هذا النموذج الهش من المعلمين ... لكن الحقيقة تقال : رعي الخنازير و جني العنب و غسل الأطباق و مسح واجهات السيارات أهون من الموت البطيء
أخبرت الإنسان بقراري فابتسم بتهالك لكلامي و ارتكز بيده اليسرى و راحة يده اليمنى على طاولة جلوسنا و ابتسامته تتسع و تتسع لتتحول إلى ضحكة مجلجلة فقهقهة مرعبة ، اعتدل فجأة ، و انسحب مهرولا و هو يصرخ : الضحية الثاني و العشرون ، الضحية الثاني و العشرون و للمرة الأولى أراه واقفا وأطالع نصفه السفلي ... عاريا متجردا من كل ملابسه السفلية ... و لأول مرة أكتشف أن هذا الإنسان أحمق مجذوم ... بل جرثوم مجروب ينخر جهاز تعليمنا ليصيب رجالاته بالتكاسل و التماطل و تصنع الأمراض و توهم العلل ...

hanimos 20-10-2008 22:56

أخي نور الدين
مشكور على هده القصة الرائعة
و قد سبق لي أن قرأتها في النسخة التي فقدت ،للأسف، من المنتدى
فمشكور على إعادة رفعها، فهي تصور لنا واقع هدا النوع من البشر الدي يعجز عن تحقيق أشياء حياتية و مهنية مختلفة و عوض إعادة المحاولة... تراه دائما يحاول إحباط الأخرين و خاصة الشبان منهم و حديثي العهد بأسلاك الوظيفة العمومية.
تحياتي

الزبير 21-10-2008 16:25

خويا نور الدين واقيلا باغينا نهربو من الطباشير أو صداع التلاميذ
شكرا على المساهمة الجميلة والراقية الغارقة في الوصف الدقيق
يقال في مثل صحراوي "بلادي يا بلادي واخا ما فيها غير الشيح أو الريح"
لعلك فهمت قصدي

نورالدين شكردة 06-11-2008 09:17

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة hanimos (المشاركة 222617)
أخي نور الدين
مشكور على هده القصة الرائعة
و قد سبق لي أن قرأتها في النسخة التي فقدت ،للأسف، من المنتدى
فمشكور على إعادة رفعها، فهي تصور لنا واقع هدا النوع من البشر الدي يعجز عن تحقيق أشياء حياتية و مهنية مختلفة و عوض إعادة المحاولة... تراه دائما يحاول إحباط الأخرين و خاصة الشبان منهم و حديثي العهد بأسلاك الوظيفة العمومية.
تحياتي

مشكور اخي هانيموس على معاودة القراءة وعل تعابيرك الراقية الجميلة المفعمة بروح الغخلاص وحب هدا الوطن الجريح
وفقك الله ودمنا مخلصين للمنتدى وللوطن

نورالدين شكردة 06-11-2008 09:18

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الزبير (المشاركة 223276)
خويا نور الدين واقيلا باغينا نهربو من الطباشير أو صداع التلاميذ
شكرا على المساهمة الجميلة والراقية الغارقة في الوصف الدقيق
يقال في مثل صحراوي "بلادي يا بلادي واخا ما فيها غير الشيح أو الريح"
لعلك فهمت قصدي

لا لا اريد إحداث العكس في كل جيلالياتي أي محاولة تحبيب المهنة بالرغم من سرد أوجاعها ومثبطاتها وأتمن أن يوفقني الله في دلك
مشكور عل المتابعة ووفقك الله


الساعة الآن 09:17

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات دفاتر © 1434- 2012 جميع المشاركات والمواضيع في منتدى دفاتر لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة المنتدى بل تمثل وجهة نظر كاتبها