منتديات دفاتر التربوية التعليمية المغربية

منتديات دفاتر التربوية التعليمية المغربية (https://www.dafatir.net/vb/index.php)
-   دفاتر الإبداعات الأدبية (https://www.dafatir.net/vb/forumdisplay.php?f=74)
-   -   من أنا!؟ كم أنا!؟ (https://www.dafatir.net/vb/showthread.php?t=43821)

محمد معمري 07-12-2008 20:39

من أنا!؟ كم أنا!؟
 
من أنا!؟ كم أنا!؟




لقد مر حين من الدهر لم أكن شيئا مذكورا؛ فخلقني الخالق البارئ المصور المبدع... فصورني وأحسن تصوري، وكرمني على جميع مخلوقاته، فأمر الملائكة بالسجود لي إذا سواني، فسجدت الملائكة إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين، فسأله رب العزة، وهو بكل خلق عليم، إنما ليشهد على نفسه سبب المنع من السجود لي، وتكون الملائكة شاهدة على قوله حيث قال: أنا خير منه، خلقتني من نار، وهو من طين.. أغواه الظاهر ولم يدر سر الباطن... فجئت إلى هذا الكون ولي عدو مبين، إذ أخرجني وزوجي من الجنة بعد أن كشف عن عوراتنا.. طرده الحكم العدل الحسيب الرقيب الشهيد من رحمته وجعله مرجوما في الدنيا وله في الآخرة عذاب عظيم.. فطلب من القادر المقتدر القدير أن يُنظره إلى يوم الدين، فقال له الوهاب العاطي المعطي: إنك من المنظرين.. فأقسم أن يقعد لي في الصراط المستقيم إلا إذا كنت مخلصا لرب العالمين، وأن يأتيني عن يميني وشمالي ليملي لي كيده الضعيف... علمت أن ليس له علي سلطانا، وإنما يغويني بهمس الوسواس الخناس.. لقد أخذ اليمين والشمال، والعليم الحكيم الخبير قال: الذين استقاموا تتنزل عليهم الملائكة... كما قال: يأكلون من فوقهم ومن تحتهم... سبحان الذي بيده ملكوت السماوات والأرض...
كرمني الواجد الماجد الواحد الصمد، لأني حملت الأمانة لما رفضتها السماوات والأرض والجبال، وكنت ظلوما جهولا.. حملت أسماء الله الحسنى: العلم، الحكمة، العدل، الحكم، الإبداع، العفو، المغفرة، العطاء... وأسماء نهيت أن أحملها: الكبرياء، القهر...
خلقني الخلاق العظيم على فطرة الإسلام، على ملة سيدنا إبراهيم الخليل حنيفا، وأرسل إلي الرسل بكتب منيرة تهدي إلى سبيل الله المستقيم، لأن ربي على صراط مستقيم؛ لقد خلقني فسواني وفي أحسن صورة ركبني ثم السبيل يسرني فهداني...
وكعادتي، أحمل القلم وأجلس في مكتبي أمام النافذة المطلة على البحر المهجور، لا أرى سوى الريح تلتطم بالريح، والموج يصطدم بالصخور وينتحر في ساحل البحر؛ في سكون الليل الأخير حيث يحلو السمر والسهر، ينتحر القلم على صفحات بيضاء، دمه يترك آثارا لعلها مرآة ذاتي...
وفي أحد الأيام جلست شهيدا لحوار جرى بين ثلاثية: العقل، والقلب، والنفس:
* النفس: قالت أنا أعشق الهوى، وأنت أيها الإنسان سجنتني بين أضلعك، أماترفق بحالي؟
* القلب: ويحك أيتها النفس، إن الله، جل وعلا، قد ألهمك الفجوروالتقوى، فكيف تعشقين الهوى بدل التقوى؟
* النفس: أنا صبية بين ذراعي الإنسان،آمر بالسوء لأنه أحلى وألذ لي من التقوى!
* القلب: لكني أفقه ما معنى الفجور،وما معنى التقوى...
* النفس: وفي علمي أني سوف أجازى عن كليهما.
* القلب: نعم، ولكن جزاء الفجور جحيم وعذاب عظيم، وجزاء التقوى جزاء نعيم ومقام عظيم.
* العقل: أتفق مع ما قاله القلب، فتعقلي أيتها النفس.
* النفس: وكيف أتعقلأيها الحكم؟
* العقل: باطمئنان القلب.
* النفس: وكيف يطمئن هذا القلب؟
* العقل: إنه يطمئن بذكر الله.
... بين حوار هذه الثلاثية تبادر إلى ذهني السؤال التالي: من أنا!؟
وبين بسمة وحيرة سألت نفسي مرة أخرى وقلت: كم أنا!؟
نفس تأمرني بالسوء، قلب يستفتي ما تأمر به النفس، وعقل يحكم بما علم وعرف.. وأنا جسد وروح... لست أدري من أنا، كم أنا!؟
كل ما أعلم أنه قد جاءني الهدى وقال لي خذ ذاك المفتاح، وافتح ذاك الباب، ولا تنسى الزاد إن الطريق طويل قصير بعيد قريب... فأخذت المفتاح فوجدته صبرا، وفتحت الباب فوجدت الطريق المستقيم، وسألت عن خير الزاد فوجدته التقوى، فتوكلت على الله، الوكيل، وأنبت إليه، وتوجهت في الطريق المستقيم.. ظننت أني سأجده زرابيا مبثوثة، فإذا بي أجده شوكا وحفرا، وحافات، وجرفا... فسألت الماشين فيه: كيف تمشون حفاة في هذا الطريق والشوك نذير!؟ كيف تمشون فيه والجرف ينادي كل قدم وطأت على حافته!؟... سرت هكذا أسأل، وأتساءل إلى أن وجدت نفسي في وسط الطريق فأدركت أن الذي مشاني نصف الطريق قادر على أن يعينني حتى أصل إلى آخر المشوار... وهكذا دواليك إلى أن وصلت إلى بحر الأنوار، فوجدت يختا من أروع الصنع، لا أستطيع وصفه لأن الوصف عنه قاصر.. فركبت فيه؛ ولما توسط بي وسط الأنوار حيث أصبحت لا أدري الجهة من المكان.. كاد أن يغرقني لولا لطف الله.. وأوصلني اليخت إلى عالم لم أر قط مثله، فقيل لي إنه عالم الملكوت والجبروت، فانطلقت تسبيحات كعادتي؛ وفوضت أمري لله، وقلت: حسبي الله ونعم الوكيل، فصارت تترد هذه التسبيحة إلى أن هلّ الفجر، فأشرقت معه شمس الحقيقة إنه عالم هاروت وماروت؛ كدت أنخدع لولا لطف الله اللطيف الودود؛ فعدت إلى اليخت، فأكمل بي المسيرة إلى أن وصلت إلى شط الحقيقة فغدوت أدري من أنا، كم أنا:
كم أنا!؟
أنا إنسان مركب من شهود سوف تشهد علي يوم القيامة: جلدي، ويديّ، ورجليّ، وبصري، وسمعي، ولساني، وقلب يحصل كل ما أعمله كأنه كتاب يوم النشر، وعقل سوف يذكرني يوم القيامة كلما قلت هذا نسيته، أو لم أفعله، ونفس ألهمها الله الفجور والتقوى، سجنت بين أضلعي لأروضها عن التقوى، وروح في ذاتي تسري تمنحني القوة والإرادة والوجود... وجسد من مواد الأرض التي ستتحلل بعد حين..
من أنا!؟
أنا عبد لله.


بقلم: محمد معمري

assif10 08-12-2008 12:05

السلام عليكم


شكرا أخي محمد على هذا الموضوع المتميز الذي يحمل في طياته نفحة فلسفية و أخرى عقائدية..
النفس او الروح (الأمارة بالسوء) ..العقل الذي يحتكم للرزانة..القلب (المضغة التي إذا صلحت صلح الجسد كله و إذا فسدت فسد الجسد كله )..رابعهم الجسد الذي تتحكم فيه الأبعاد الثلاثة التي ذكرتَ أخي تعطينا هذا الانسان ...هذا المخلوق العجيب الذي هو أنتَ و أنا و هو..
فقط هذه الأبعاد الثلاثة هي التي تميز فلان عن فلان..
راااائع كما عهدناك..وفقك الله ..
عيد مبارك سعيد.

محمد معمري 08-12-2008 14:08

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة assif10 (المشاركة 299904)
السلام عليكم


شكرا أخي محمد على هذا الموضوع المتميز الذي يحمل في طياته نفحة فلسفية و أخرى عقائدية..
النفس او الروح (الأمارة بالسوء) ..العقل الذي يحتكم للرزانة..القلب (المضغة التي إذا صلحت صلح الجسد كله و إذا فسدت فسد الجسد كله )..رابعهم الجسد الذي تتحكم فيه الأبعاد الثلاثة التي ذكرتَ أخي تعطينا هذا الانسان ...هذا المخلوق العجيب الذي هو أنتَ و أنا و هو..
فقط هذه الأبعاد الثلاثة هي التي تميز فلان عن فلان..
راااائع كما عهدناك..وفقك الله ..
عيد مبارك سعيد.

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
أخي الكريم assif10، أشكرك على اهتمامك، وتقييمك للموضوع، وتحليلك الوجيز، ومشاعرك الطيبة...
كما أشكرك على تهنئة العيد
عيدك أنت أيضا مبروك عليك وعلى أسرتك، وكافة المسلمين
مودتي وتقديري.


الساعة الآن 16:12

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات دفاتر © 1434- 2012 جميع المشاركات والمواضيع في منتدى دفاتر لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة المنتدى بل تمثل وجهة نظر كاتبها