منتديات دفاتر التربوية التعليمية المغربية

منتديات دفاتر التربوية التعليمية المغربية (https://www.dafatir.net/vb/index.php)
-   دفاتر الإبداعات الأدبية (https://www.dafatir.net/vb/forumdisplay.php?f=74)
-   -   المحاكمة (https://www.dafatir.net/vb/showthread.php?t=49814)

رشيد البعزاتي 03-01-2009 16:26

المحاكمة
 
_ 1 _

انشطر القبر نصفين , فانبثق منه وجه تشرق من ملامحه أشعة السكينة والوقار , وتتساقط منه قطرات نور راسمة لوحة جميلة فوق ثرى اللحد المكشوف , تحسس كامل جسده , ولا أثر لذرة غبار عالقة أو مندسة في هندامه الأنيق . من بعيد زحفت نحو عينيه مشاهد أوطان أسلافه ..شمالها محطم الجبين , جنوبها بين سراب وخراب , شرقها مستنقع الشيطان , وفي الغرب ليل أتعب الانسان , ثم اعترته نوبة سعال حاد , حاول أن يقاومها كي لا يزعج قبور الأحياء المنتصبة أمامه في شموخ , لكنه لم يفلح , فتذكر على التو سرطانه اللعين , وأوراقه في الغرفة رقم 8 ثم قال ..
_ يا لقساوة العودة الى دنيا التلوث والضيق , لولا الحاح زملائي واصرارهم على قيامي بهذه المهمة , لما فكرت في الرجوع , فأعنف ما يجلدني , مقابلة وجه دمي ملطخ بالعار والهوان.

_ 2 _

رفع رأسه أمام البناية الفخمة , فاستقرت عيناه على لافتة خط عليها ..( جامعة الدول العربية ) , ثم باغثته موجة غثيان مقرف , بمشقة حبسها , واضعا في الحسبان طهارة فضلات أمعاءه أمام نجاسة المكان , كما أن المهمة التي أنيطت به لا ينبغي أن تنسفها أنوف كلاب الحراسة , تقدم نحو الداخل بخطى شجاعة , مال نحو اليمين الى أن بلغ أقصاه , انحرف يسارا حتى اجتاز البهو , ثم صعد الأدراج ودار نحو الوسط , أخيرا عثر على مقر اللجنة.
_حضرة اللجنة جئت أشارك الى جانب قادتنا أدام الله لهم النصر والتمكين , ولي رسالة مهمة يجب أن أبلغهم اياها .
_ما هي هويتك ؟ دولتك الممثلة ؟ وفحوى رسالتك ؟.
_اسمي أمل دنقل , 69 سنة , دولتي أرواح الجثث المدفونة قهرا وقمعا على امتداد جغرافية ممزقة تدعى العروبة , ورسالتي تهنئة لولاة الأمر على بطولاتهم المقدامة.
_ألا يفترض أن تكون هيأتك مناسبة لسنك الطاعن , ثم قل لي ألم ينتهي عويلك منذ 26 سنة ؟
_كانت مجرد استراحة لطائر الفينيق , بعدها يحلق من جديد.

_ 3 _

غصت قاعة المؤتمر بالوفود المشاركة , أخذ الزعماء أماكنهم المريحة , وفي الوسط جلس أمل يتفرس في الوجوه , طاولته بدت خالية من أطباق الحلوى , وأكواب العصير , أدار وجهه يمينا وشمالا , فأحس بالدوار , رباه ! كيف تسمن أجساد القياصرة وشعوبهم وقضاياهم أنهكها الهزال ؟ كيف يرفلون في الذهب والحرير والأمة تتوسد العراء ؟ , كان من المقرر أن يتناول الكلمة في آخر الجلسة حسب الاتفاق , لكنه أحس بالاختناق فأحدث المفاجأة , قفز الى المنصة مسرعا , فكانت صورته أول ما شاهد ملايين المتتبعين خارجا ثم خطب ..
_حضرة الموتى القابعين في قلب الجبن , دم شهداء غزة ينساب نهرا , وأنتم هنا على مجرى النهر تملؤون كؤوسكم ومنه تنتشون , صرخات الصغار والنساء مثخنة بالآهات , وأنتم هنا تحت أفخاذ النعيم تتأوهون , جيوش العدو طوقت الدنيا بالعتاد والدمار , وأنتم هنا على أرجوحة الشخير تتمايلون ...
علت علامات الدهشة محيا القادة , بينما انطلقت هتافات النصر والحياة لأمل على ربوع الأوطان الموبوءة , فتدخلت اللجنة بقطع الصوت عنه , لكنه ما لبث أن عاد أقوى من الأول بلا ميكروفون , ثم تابع..
_ناشدناكم بالدمع الساخن المتدفق من وجوه الثكالى , وبالجثث المتساقطة تباعا , ألا تصالحوا , فيد القاتل لا تقبل , وطاعون العصر لا يبجل , لكنكم تعانقتم فوق دم الشهيد , وتبادلتم القبل الملعونة على بساط هزائمكم , طالبناكم ألا تهرولو نحو سلام من سراب , وألا تفقأوا عيون زرقاء اليمامة , فالذئب ذئب وان صاح بالثغاء , والقضية لا تموت وان دافع عنها الضعفاء , لكنكم اكتفيتم بفتات العز , وكرامة ...( لم ينطق الكلمة جيدا نتيجة السعال ).
انقطع البث التلفزي فجأة , لكن صورة أمل ظلت محلقة فوق سماء الأحرار , بعدها انطلق وابل من الرصاص , فكان يخترق صدر الهواء , ولم تسقط الجثة .

نورالدين شكردة 03-01-2009 17:04

أخي رشيد أحييك تحية الإباء والصمود ...تحية العزة والكرامة....تحية الرجولة والشهامة...إن كان النص نصك فلقد شطرتنا نصفين ...إن كانت المحاكمة محاكمتك فلقد حكمت علينا بالإعدام رميا بقلمك الثائر وحرفك المنتفض ...ولي عودة

أم ايمان 03-01-2009 21:11

السلام عليكم

احسنت باختيار احداث غزة موضوعا لقصتك الصارخة ....المحتجة على الوضع ...الرافضة للصمت
و وفقت الى حد بعيد باختيار البطل ....و بعثه من قبره ليستنكر ....وقد استنكر طيلة حياته خضوع العرب و هوانهم على الناس.....احييك يا اخي فافكارك نيرة و اسلوبك محكم .
بما انك اخترت الشاعر امل دنقل بطلا و استحضرت بعض اسماء قصائده ...ارتأيت ان اضع بين يدي القراء هذه :


نبذة قصيرة عن الشاعر امل دنقل


ولد أمل دنقل عام 1940م بقرية القلعه ،مركز قفط على مسافه قريبه من مدينة قنا في صعيد مصر...وقد كان والده عالما من علماءالأزهر الشريف مما اثر في شخصيته وقصائده بشكل واضح...توفي والده وهو في العاشره من عمره مما أثر عليه كثيرا واكسبه مسحه من الحزن تجدها في كل أشعاره...رحل امل دنقل إلى القاهرة بعد ان أنهى دراسته الثانوية في قنا وفي القاهره و ألتحق بكلية الآداب ولكنه أنقطع عن الدراسة منذ العام الاول لكي يعمل.

. عاصر امل دنقل أحلام العروبه والثورة المصرية مما ساهم في تشكيل نفسيته وقد صدم ككل المصريين بانكسار مصر في 1967 وعبر عن صدمته في رائعته "البكاء بين يدي زرقاء اليمامه" ومجموعته "تعليق على ما حدث ". شاهد أمل دنقل بعينيه النصر وضياعه وصرخ مع كل من صرخوا ضد معاهدة السلام ، ووقتها أطلق رائعته "لا تصالح" والتي عبر فيها عن كل ما جال بخاطر كل المصريين ، ونجد أيضا تأثير تلك المعاهدة وأحداث يناير 1977م واضحا في مجموعته "العهد الآتي". كان موقف امل دنقل من عملية السلام سببا في اصطدامه في الكثير من المرات بالسلطات المصريه وخاصة ان اشعاره كانت تقال في المظاهرات على آلسن الآلاف.
عبر أمل دنقل عن مصر وصعيدها وناسه ، ونجد هذا واضحا في قصيدته "الجنوبي" في آخر مجموعه شعريه له "اوراق الغرفه 8" ، عرف القارىء العربي شعره من خلال ديوانه الأول "البكاء بين يدي زرقاء اليمامة" 1969 الذي جسد فيه إحساس الإنسان العربي بنكسة 1967 وأكد ارتباطه العميق بوعي القارىء ووجدانه.
صدرت له ست مجموعات شعرية هي:
  • البكاء بين يدي زرقاء اليمامة - بيروت 1969.
أصيب امل دنقل بالسرطان وعانى منه لمدة تقرب من ثلاث سنوات وتتضح معاناته مع المرض في مجموعته "اوراق الغرفه 8" وهو رقم غرفته في المعهد القومي للاورام والذي قضى فيه ما يقارب ال 4 سنوات ، وقد عبرت قصيدته السرير عن آخر لحظاته ومعاناته ، وهناك أيضا قصيدته "ضد من" التي تتناول هذا الجانب ، والجدير بالذكر أن آخر قصيدة كتبها دنقل هي "الجنوبي".

محمد معمري 04-01-2009 09:36

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
أخي الكريم رشيد، فوجئت عندما قرأت قصتك هذه على طريقة السرد الروائي، والمفاجأة أنني أقرأ رواية الغرفة 8 للروائي السعودي م. يحيى خان ولا زلت لم أتممها نظرا لصاحبها قد نشر الجزء الثاني فقط... إن رغبت في قراءتها أوافيك بالرابط، ولا علاقة لها بقصتك سوى بذكر الغرفة 8
قصتك هذه جميلة من ناحية البنية والسرد والأسلوب، أتمنى لك المزيد من التألق والإبداع...
مودتي وتقديري.

tijani 04-01-2009 13:45

قصة جيدة ومشوقة ، واقتناص موفق للحظة الذل العربي التي لازالت مستمرة منذ معاهدة اصطبل داوود .حتى الفكرة كانت ذكية وجميلة ، فكرة عودة الاحرارمن الهلكى الى الدنيا لمعاينة ان الذل زادت مساحته وكثر أتباعه ...
فقط هناك هنات غير مقصودة يجب تصحيحها:
فضلات أمعاءه / أمعائه
ألم ينتهي / ألم ينته
أفخاذ النعيم / اعتقد ان الصواب هو أفخاد، بدون نقطة
ألا تهرولو / ألا تهرولوا
وشكرا للمبدعة ايمانة على شرحها الوافي.
تحياتي






الساعة الآن 20:35

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات دفاتر © 1434- 2012 جميع المشاركات والمواضيع في منتدى دفاتر لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة المنتدى بل تمثل وجهة نظر كاتبها