![]() |
إنهم يخدعوننا
إنهم يخدعوننا أعتقد جازما أن أخطر كلام نسمعه هذه الأيام بمناسبة الجرائم الشنيعة التي تقترفها القوات الإسرائيلية في حق أهل غزة ، هو أن البعض يحاول بكل ما أوتي من قوة أن يطمئن الشعوب العربية ، ويسعى إلى إيصال رسالة ملغومة إلى هذه الشعوب مفادها أن إسرائيل ليست سوى فقاعة هواء سرعان ما ستتلاشى يوما ما في سماء الشرق الأوسط ، وتصير في خبر كان .هؤلاء الذين ينشرون هذه التطمينات الواهية ، هم في واقع الأمر يخدرون العرب ، ويبنجونهم ، وهم لا يعلمون . أو بالأحرى هم يعلمون ولكنهم مع ذلك يصرون على الاستمرار في غيهم ، لأسباب لا تخفى على أحد ، وعلى رأسها تحقيق مصالحهم الشخصية . هؤلاء الواهمون ، الذين يحلمون باندحار إسرائيل ، ببيانات التنديد العربية ، والمظاهرات الشعبية الصاخبة ، ينتمون في أغلبيتهم الساحقة إلى القوميين العرب ، الذين يحبون أن يلقوا على مسامع الشعوب العربية كلاما رومانسيا يجعل الناس غارقة في الأحلام ، لكن هذه الأحلام مع الأسف لا تليها الانتصارات العربية المأمولة ، ولا يليها اندحار إسرائيل ، وإنما الذي يحدث بعد انتهاء كل حلم هو أننا على كابوس جديد ، وهذا بالتحديد ما يحدث اليوم لإخواننا وأخواتنا في مدينة غزة المدمرة . ************** إسرائيل ليست مجرد فقاعة هواء ، وليست جماعة بدون هوية ، بل دولة قائمة بذاتها ، أنشأتها حركة صهيونية بمباركة بريطانيا عام 1918 . في ذلك الوقت البعيد ، كان من حق العرب أن يعتبروا إسرائيل مجرد فقاعة قابلة للتلاشي في أي لحظة ، وكان بإمكانهم أن يقضوا عليها فقط ببضع صواريخ بدائية ، لكنهم لم يفعلوا ، لأن العرب في ذلك الوقت كانوا مجرد قبائل بدوية ترزح تحت أقدام الاستعمار الغربي ، ولم تكن لديهم جيوش نظامية ولا عتاد ولا سلاح . لذلك استطاعت إسرائيل أن تنمو وتترعرع كشوكة حادة في الشرق الوسط ، وبعد مرور ثلاثين عاما فقط ، لقنت العرب أجمعين درسا لا ينسى ، وهزمتهم في أول حرب بين الطرفين عام 1948 . ثم عادت لتهزمهم من جديد في حرب 1967 ، لأن جمال عبد الناصر ، الذي كان العرب يرون فيه المحرر والمنقذ والقائد العظيم ، عندما قاد العرب لمواجهة إسرائيل للمرة الثانية لم يحسب حسابه جيدا ، وذهب إلى المعركة بدافع أن كل الشوارع والحارات والأزقة العربية من المغرب إلى البحرين تقف خلفه ، ومن تم كانت الخسارة المدوية التي ما زالت تحمل إلى اليوم اسم النكبة ، لأن عبد الناصر غاب عنه ربما أن الشعوب ليست هي من يحسم الحروب في العصر الحديث ، وإنما الجيوش المتطورة والخطط العسكرية المحكمة والأسلحة الفتاكة التي تملك منها إسرائيل الكثير ، من صنعها صنعها ، في الوقت الذي تجهز فيه الدول العربية جيوشها بأسلحة تشتريها من خردة أمريكا وبريطانيا وفرنسا وروسيا . **************** نكبة عام 67 كانت لها تداعيات خطيرة على العالم العربي ما زال مفعولها ساريا إلى اليوم ، ومن المستحيل أن يمر شهر "تموز" من كل سنة دون أن يتذكر العرب نكبتهم بكثير من الحزن والأسى العميق ، ولكي يخففوا من وطأة الألم يواسون أنفسهم بكون العرب هزموا إسرائيل عام 73 . لكن أين هو أثر الهزيمة ؟ ولماذا لم تخلف هذه الهزيمة المزعومة أي أثر في نفوس الإسرائيليين كما فعلت نكبة عام 67 في نفوس العرب ؟ النكبة جعلت العرب يتراجعون إلى الخلف بعشرات السنين ، بينما إسرائيل ظلت مستمرة على السير في طريق التقدم الاقتصادي والعلمي والسياسي والعسكري ، حتى صارت اليوم أهم قوة في الشرق الأوسط . وهذا معناه أن "الهزيمة" التي يفتخر العرب بكونهم ألحقوها بعدوهم رقم واحد لم تكن سوى حلما من أحلامهم التي لا تنتهي ! فلماذا لا تعترفون بالحقيقة رغم مرارتها أيها القوميون العرب . ولماذا لا تصارحون الشعوب العربية وتقولون لها بأن إسرائيل ليست هي الضعيفة وإنما العرب هم الذين يقفون اليوم في موقف ضعف . *************** المؤسف في هذا الصراع العربي الإسرائيلي المزمن ، هو أن المنهزم الوحيد ، والخاسر الوحيد ، والذي يدفع الثمن لوحده ، هو الأمة العربية . الشعوب العربية وحدها التي تعاني من ويلات هذا الصراع ، وتعيش في التخلف والجهل والأمية المستفحلة بسبب هذا الصراع الذي يتخذه الحكام العرب سببا وذريعة للبقاء في مناصبهم مدى الحياة ، وتحويل الجمهوريات إلى ملكيات يتوارث فيها أبناء العائلة الحاكمة الحكم فيما بينهم . الحكام العرب يقولون لشعوبهم بأن الديمقراطية لن تجد طريقها إلى المنطقة ما دام الصراع العربي الإسرائيلي قائما ، أي أن ظروف الحرب تمنعهم من التفكير في رسم معالم الديمقراطية في بلدانهم ، وهذا ما يسمى بالكذب البواح ، وإلا فلماذا توجد في إسرائيل التي تعتبر الطرف الأبرز في الصراع مع العرب ديمقراطية داخلية لا فرق بينها وبين ديمقراطية الدول العريقة في هذا المجال ؟ ولماذا لا يتخذ القادة الإسرائيليون بدورهم هذا الصراع كي يستبدوا ويطغوا ويحكموا بالحديد والنار كما يفعل نظراؤهم العرب ؟ أم أن الشعب الإسرائيلي لن يسمح لهم بذلك مثلما تفعل الشعوب العربية مع حكامها المستبدين ؟ هؤلاء الحكام الطاغون يستغلون القضية الفلسطينية شر استغلال ، لأنهم يدركون جيدا أن شعوبهم تستطيع أن تفضل التفريط في الديمقراطية حتى تنتهي معاناة إخوانهم الفلسطينيين أولا ، وهذا أكبر وأفظع خطأ يرتكبه العرب ، وقد دفعوا كثيرا من تكلفته الغالية ، وسيدفعون المزيد في المستقبل القريب والبعيد ، لأن القضية الفلسطينية إذا استمر العرب في الحلم بأنها ستنتهي بإزالة إسرائيل من على الخريطة لن تجد طريقها إلى الحل أبدا ، ولو بعد مليون عام . فالواقع شيء ، وما تقوله حركة حماس من تحرير فلسطين من البحر إلى النهر ليس سوى مجرد وهم . ******************** لذلك يجدر بالشعوب العربية إذا كانت تريد الخير لنفسها ألا تنساق وراء هذه التطمينات الفارغة التي يوزعها القوميون العرب ذات اليمين وذات الشمال . هؤلاء القوميون إلى جانب الحكام المستبدين يشكلون خطرا على هذه الشعوب ، ولعل في دعمهم ومساندتهم للرئيس السوري أكبر دليل على أنهم بلا مصداقية . تصوروا معي كيف لهؤلاء القوميين الذين يدعون الحرص على مصلحة الأمة ، أن يساندوا حاكما عربيا يعلم الجميع أنه – كما يحدث في كل الدول العربية - ما يزال يسجن النشطاء الحقوقيين والسياسيين المعارضين وحتى كتاب الرأي ، فقط لأنه يقف في صف "دول الممانعة" . في ما ستفيدني أنا ، كمواطن مقهور ، أن يحكمني رئيس يقف في وجه إسرائيل وأمريكا ، ويهضم حقوقي ويدوس كرامتي ولا يسمح لي حتى بالصراخ ؟ المصيبة أن سوريا ، التي تحظى بدعم القوميين العرب ، ليست دولة ممانعة كما يزعم هؤلاء ، لأنها تجري محادثات سرية مع القادة الإسرائيليين من أجل استعادة هضبة الجولان . إنهم يخدعوننا ، ويكذبون ويضحكون علينا . سوريا تساند حماس ، ليس حبا في الفلسطينيين ، بل تتخذ هذه المساندة ورقة ضغط تضغط بها على إسرائيل في مفاوضاتهما السرية ، بمعنى أعد إلي هضبتي ، وإلا ساندت عدوك الذي ي***ك بصواريخ القسام . ولتذهب فلسطين ومعها الفلسطينيون الذين يحترقون بنيران جيش الاحتلال إلى الجحيم . في الختام ، لدي سؤال واحد أوجهه إلى هؤلاء القوميين الذين يريدون استغباءنا : قولوا لي أيها السادة بربكم ، كيف وبأي طريقة ستندحر إسرائيل ؟ سؤال بسيط جدا ، لكن الإجابة عنه تتطلب أولا الاستيقاظ من النوم العربي ، والكف عن الأحلام القومية . |
| الساعة الآن 04:58 |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات دفاتر © 1434- 2012 جميع المشاركات والمواضيع في منتدى دفاتر لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة المنتدى بل تمثل وجهة نظر كاتبها