منتديات دفاتر التربوية التعليمية المغربية

منتديات دفاتر التربوية التعليمية المغربية (https://www.dafatir.net/vb/index.php)
-   دفاتر الإبداعات الأدبية (https://www.dafatir.net/vb/forumdisplay.php?f=74)
-   -   ورقة من مذكرات معلم جديد (https://www.dafatir.net/vb/showthread.php?t=51604)

أبو حسام الهواري 08-01-2009 21:06

ورقة من مذكرات معلم جديد
 
تدروين .. ترى ماذا تبقى منها في ذاكرتي .. لحظات حالمة عشتها بين النخيل .. لحظات مفعمة برائحة الوادي و انا جالس .. رجلي في الماء و العينان تبحران في كتاب ... يشملك الاخضرار ... تطير الذاكرة ... تطير ... حتى يتجلى أمامك الوادي كثعبان أخضر غائر في تضاريس وجه صخري ...
تتجاوب الأصوات بين الواجهتين الصخريتين للوادي ... يتشتت صدى الزغاريد يتقاذفه النخيل و الصخور ... يتملكك إحساس و أنت غارق وسط النخيل ... كأنك المتنبي في شعب بوان ... غريب الوجه و الكف و اللسان ... تأتيك الأصوات تتهادى كأنها تأتي من بئر سحيق ... كل صباح تتجاوب مواويل أمازيغية بين ضفتي الوادي ... تبدأ هذه لترد تلك في مسرح احتفالي للنخيل

تكدسنا في سيارة من نوع (ترنزيت) كنا أكثر من عشرين معلما و بدأت تنهب الطريق نهبا ... كانت تفور بهدير من الأصوات كل يحكي عن مدينته ... كان البلد كله منحشرا في هذا الجسم الحديدي المتهالك ... بعد ان اجتاز الحواجز الأمنية ... ووضع في يد الشرطي قهوته المعلومة ...
بدأت معالم تارودانت تغيب وراء الأفق و كان آخر معلم ، ودعناه محطة تزويد الوقود ... يتراءى لنا الجبل من بعيد كسراب في الصحراء ... امتد الطريق المعبد امتداد الصراط ... كل يخاف أن يتخطف من جانبه ... عالم غامض .... و الجسم الحديدي منجذب نحو الجبل كمغناطيس ... كان البعض منخرطا في أحاديث ثنائية ... و البعض ساكن يتملى مصيره ... و يختلس بين الفينة و الأخرى نظرات حرى عبر الواجهة الزجاجية إلى الجانبين ، كمن يبحث عن شيء فقده



بدأ السراب ينساب عن وجه الجبل العجوز انسياب الرمل عن وجه عملة قديمة ... و الجسم الحديدي يتهادى يمنة و يسرة ينوء بما تكدس داخله و فوقه من كتل بشرية و بضائع ... يصدر صريرا من كل جانب ... يزفر زفير ثور هائج ....
ملامح الوجه العجوز الجاثم أمامنا تزداد و وضوحا ... بدأ يفغر فاه استعدادا لابتلاع الجسم الحديدي المتهادي أمامه ... الذي بدأت تخف سرعته إلى أن استدار ....

وادي "أرغن" ثنين غارق في الجبال ... خرست الأصوات التي كانت تهدر داخل السيارة جالت الأعين في الأرجاء ... تناثرت شجيرات الأركان متسلقة سفوح الوادي ... الطبيعة اكتست حلة من رماد ... بين الفينة و الأخرى يلوح " دوار " متشبث بالصخور ... تحجرت الكلمات على شفاهنا ... و استحالت الأفكار حمما حرى تنبعث مع كل زفير ...
ابتلعنا الثنين ... غبنا في أحشائه ... كان الصيف يلفظ آخر أنفاسه ... و بين الفينة و الأخرى تهب نسمات " سبتمبر " الحارة تدفع معها نباتات وحشية تتكدس على جنبات الطريق المتربة ... خضنا في بحر من خراب ... ابتلعتنا الحجارة و اكتسينا بالتراب ... السيارة تزفر وسط غمامة من غبار ...
جئنا لنغير العالم ... نمتشق سيوفا من نور ... حقائبنا ملئى بآمال عراض ... " كولومبس " يزيح الستار عن عالمه الجديد ... يا جبال أوبي معنا و رددي نشيد الفتح من جديد ... فتستحيل الرسالة في قلوبنا إلى رماد ... و السيوف إلى خشب ... و تناثرت الحروف شظايا من صخور

قام فينا الرغيف خطيبا : " يا معشر الجياع ... النازحين من كل قاع ... الجبال أمامكم ... و البطالة وراءكم ... و ليس لي و لكم إلا ما اخترتم ... "



رفعنا راية الاستسلام ... و أحرقنا مراكب الرجوع ... و خرست الدمعة في الأحداق
ــــــــــــــــــ
كتبت هذه الورقة في السنة التي انتقلت فيها من أرغن 1998

أم ايمان 08-01-2009 22:06

قطعة ادبية في غاية الاتقان اسلوب رفيع و تشبيهات موفقة
انصحك ايها الكاتب المتمرس بنقل تحفتك هذه الى دفترالقصص و الروايات
اتمنى لك التوفيق

أبو حسام الهواري 08-01-2009 22:11

شكرا على الملاحظة أختي

من الشعب 08-01-2009 22:32

فعلا اسلوب مميز جعل السطور تنطق,,,,,,شكرا و المزيد ان شاء الله

أبو حسام الهواري 09-01-2009 14:18

شكرا أخي على المرور و الملاحظة


الساعة الآن 04:13

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات دفاتر © 1434- 2012 جميع المشاركات والمواضيع في منتدى دفاتر لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة المنتدى بل تمثل وجهة نظر كاتبها