![]() |
ماذا بعد النار؟
ماذا بعد النار؟ الياس خوري بدأ الغبار ينجلي عن 'الرصاص المسبوك'، وبدا قطاع غزة بمدنه وبلداته ومخيماته، اشبه بالخراب. برافو ايها الاسرائيليون، لقد قتلتم ما طاب لكم القتل، ولم يمت من جنودكم الا اقل من القليل. غابي اشكنازي، يستحق وساما مصبوبا بالدم. تعلم درس سلفه البائس حلوتس، وحارب بالنار فقط. لم يغامر بالدخول الى عمق المناطق السكنية، خوفا من الاشتباك المباشر، ونجح في تجنيب الجيش الاسرائيلي مرارات مقبرة الدبابات الشهيرة في وادي الحجير عام 2006، ولكن هل انتصرتم؟ وما معنى ادعائكم النصر؟ يستطيع القادة الاسرائيليون التباهي بالدمار الهائل الذي احدثوه في غزة، والنظر بشماتة متعجــــرفة الى القتلى والجرحى والمعوقين الذين اسقطتهم الآلة العسكرية الاسرائيلية، لكنهم لا يستطيعون اعلان النصر. هذا هو مأزق حروب اسرائيل مع الفلسطينيين. باستثناء 'نصر' عام 1948، الذي فرضته ظروف هيمنة الأنظمة العربية على فلسطين، لم يعد هناك من نصر. لأن الحرب تستولد حربا جديدة فور نهايتها، ولأن الحرب ليست حربا ذات اهداف ممكنة، بل هي اشبه بالدائرة التي لا تتوقف عن الدوران على نفسها. ماذا اراد الاسرائيليون من حربهم الجنونية على غزة؟ يتحدثون عن الصواريخ وكأن غزة دولة عظمى، وكأن صواريخ القسام والغراد تهدد بتدمير اسرائيل؟ الصواريخ ليست المشكلة، المشكلة هي وجود الشعب الفلسطيني. اسرائيل منزعجة من وجود ضحيتها، ولا تريد من ضحيتها سوى الاختفاء. واذا كان اختفاء الفلسطينيين الجسدي غير ممكن، فلا بأس من وضعهم خلف جدار او في اقفاص، بحيث لا يراهم الاسرائيليون. هذه اللعبة مستمرة بلا توقف منذ عام 1948. في البداية قالوا ان لا وجود للفلسطينيين، وعندما سقط القناع في حرب 1982، وفي الانتفاضة الاولى، قالوا ان لا وجود لفلسطين. اعترفوا مرغمين بوجود شعب فلسطين، جاعلين منه شعبا بلا ارض! قمة الوقاحة والكلبية لقاموس صهيوني بدأ بكذبة شعب بلا ارض لأرض بلا شعب، لتنتهي اللعبة بالاستيلاء على ارض الضحية ومحاولة حجبها. ومع كل حرب، مهما كانت نتائجها العسكرية، تؤكد اسرائيل ما تحاول نفيه. فالدم الفلسطيني الذي سال في غزة في الاسابيع الثلاثة من جنون الوحش الاسرائيلي، يغطي اليوم وجه العالم. ما ارادت اسرائيل حجبه يظهر بوضوح اكثر، بصرف النظر عن النتائج العسكرية للغزوة البربرية في غزة. السياسة الاسرائيلية ليست سوى محاولة لشراء الوقت بالدم. يشترون وقتهم، ويؤخرون ما ليس منه بد، عبر سفك الدماء وقتل الناس وتدمير المدن. هذا ما فعلوه في عملية السور الواقي عام 2002. قالوا ان عرفات ارهابي، وانه ليس شريكا، اجتاحوا الضفة وحاصروا المقاطعة وقتلوا الرجل، ثم ماذا؟ لا شيء، اشتروا خمس سنوات او سبع سنوات، ليجدوا انفسهم في حرب غزة. اللعبة اسمها دفن العقل في الدم، والاصرار على حجب الحقيقة. يستطيع الاسرائيليون اللعب على حبال الانظمة العربية المتآكلة، والتي فقدت آخر علاقة لها بشعوبها وبقضية فلسطين. لكن النظام العربي الذي يتفسخ انحطاطا لا يستطيع ان يقدم لاسرائيل شيئاً. بلى يستطيع ان يدعي الحرص على السلام، او ان يدعي الصمود والممانعة، لكنه لا يستطيع ان يقنع الفلسطينيين بدفن انفسهم احياء، كما لا يستطيع ان يعطي شرعية للاحتلال الاسرائيلي. حاول النظام العربي من خلال مبادرة السلام العربية، التي طبخت في الاعلام الامريكي تقديم الشرعية لاسرائيل، والوعد باعتراف جماعي بها وتطبيع للعلاقات معها، لكن اسرائيل تعاملت بازدراء مع المبادرة العربية، لأنها ترفض التنازل عن احتلالها. اسرائيل تعتقد انها تستطيع فرض شرعيتها بالقوة، وهي ليست في حاجة لأحد. واستراتيجيتها الوحيدة هي اللعب على شراء الوقت. اي ان المشروع الصهيوني المناقض لأي منطق تاريخي يراهن على الزمن والتاريخ! بؤس يستولد سفاحين وقتلة لا يرتوون من الدم. اسرائيل تشتري الوقت بالمذابح والدم، والنظام العربي يبيعها وقتا من جثث الفلسطينيين وبلادهم المدمرة. هذه هي المعادلة التي دخلتها القضية الفلسطينية اليوم، في عهد الانقسام، والقيادات البائسة التي صعدت بعد غياب القيادة التاريخية للشعب الفلسطيني التي اسست الهوية الفلسطينية بعد اعوام النكبة. اسرائيل لم تربح سوى صورة المجرم. واذا كان الخيار الاسرائيلي المستند الى ايديولوجية مقفلة ومتخشبة هي الصهيونية، لا يعنينا، واذا كان الانحطاط العربي الطويل مستمرا بسبب الاغماءة المصرية المستعصية، فان ما يعنينا اليوم هو ان لا يبقى الشعب الفلسطيني مجرد ضحية، وحقل رماية اسرائيليا، وهذا لا يتم بغير تجديد جذري في القيادة الفلسطينية، وبغير روح جديدة موحدة وجامعة وعقلانية ومقاومة في الآن نفسه. اسماعيل هنية تكلم بعد وقف اطلاق النار عن استثمار صمود غزة من اجل بناء الوحدة الفلسطينية. وهنية على حق، فاذا لم يستطع هذا الدم المراق ان يوحد الفلسطينيين، فماذا يوحدهم؟ نداء الوحدة يجد تجسيده العملي في ضرورة استعادة المؤسسة السياسية الفلسطينية شرعيتها عبر الانتخابات. انتخابات رئاسية وتشريعية تجدد القيادة بعدما عجزت المؤسسات عن تجديد نفسها من الداخل. فلسطين كلها في السجن، فلماذا لا تنتخب رئيسا سجينا؟ ماذا ينتظر مروان البرغوثي كي يتقــــدم الصفوف؟ ماذا ينتظر الأسرى كي يفرضوا وثيقتهم الوحدوية على الجميع، ولكن عبر الانتخابات؟ انها لحظة الخروج من الضياع، لا من اجل تقديم التنازل للعدو المحتل، ولا من اجل الخضوع لمنطق الوحش الاسرائيلي، بل من اجل استعادة فلسطين، واستعادة روح المقاومة. |
| الساعة الآن 06:31 |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات دفاتر © 1434- 2012 جميع المشاركات والمواضيع في منتدى دفاتر لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة المنتدى بل تمثل وجهة نظر كاتبها