منتديات دفاتر التربوية التعليمية المغربية

منتديات دفاتر التربوية التعليمية المغربية (https://www.dafatir.net/vb/index.php)
-   دفاتر الإبداعات الأدبية (https://www.dafatir.net/vb/forumdisplay.php?f=74)
-   -   اليتيم 4 - 5 (https://www.dafatir.net/vb/showthread.php?t=56073)

محمد معمري 21-01-2009 14:18

اليتيم 4 - 5
 
اليتيم 4


شد يوسف الرحال نحو القدر المجهول.. كلما بصر بيتا إلا وتيمه طارقا بابه دون أن يهتم بالفاتح، بصوت يثير الشفقة والحنان، صوت التعب والإرهاق..:
- إني جوعان، ظمآن..
أي بيت طرقه إلا وأطعمه أهله.. حين يشبع يشكر رب العالمين، وأهل البيت.. ولكن لم يسلم من اللوم والعتاب... يخطو خطوات فيجد نفسه في الطريق نحو المجهول.. لم يزده اللوم سوى عذابا يدغدغ ذاكرته الفتية فتنزلق دمعات تتكور ببطء على سائل خديه وتتولد في نفسه معاني الإجابة:
«يا لائمي لا تلم.. لست تعلم كم أنا أتألم في هذا العالم بين الأنام على كل ناعم تنام وأنا بين الأرض والسماء أحلم.. لست أدري أأسير إلى النعيم أم إلى الجحيم.. أحمل بين أضلعي قلبي المكلوم.. ذاكرتي تحمل الظلم والآلام.. ولم أسلم من كلام لائمي.. لا من يسألني: يا يوسف هل أنت سليم أم سقيم مظلوم؟...».
وصل يوسف إلى مدينة كبيرة في ساعة متأخرة من الليل.. أبهرته الأضواء والبنايات والمتاجر والأرصفة... لم ير في حياته حياة المدينة.. أنسته المدينة هنيهة أحزانه العميقة...
نام يوسف في الشارع.. وفي الغد شرع في التسول.. يمشي بين الشوارع متسولا فينة، وفينة أخرى ينشغل بكل مشهد يراه أول مرة.. متى لم يجد من يتصدق عليه أو يطعمه، يقتات من القمامات ومقالب القمامات.. ينام مفترشا الأرض ملتحفا السماء مستأنسا بالكلاب الضالة...
ظل يوسف على هذا الحال حتى تشرد تشردا لا مثيل له.. يمشي بين الشوارع وهو يردد شعرا حفظه عن أحد المتسكعين:
«رأيت نفسي أعبر الشوارع،
عاري الجسد
أغض طرفي خجلا من عورتي
ثم أمدها لأستجدي التفاتا عابرا،
نظرة إشفاق علي من أحد
فلم أجد!»..
وكلما أشرقت عليه الشمس يقول:
«رويدك يا صبح! بم أشرقت علي اليوم؟ طلعت شمس التشرد ولست أدري إلى أين أمضي؟ سريري الأرض ولحافي النجوم، تؤنس وحشتي الكلاب الضالة والمتشردة مثلي، وحين أكابد لسع التسكع يعاودني شجوي فوق ما أثقل الزمان يتما ظلما قهرا تشردا وتسكعا...».



مرة دهسته دراجة عادية وفر الداهس وتركه ملقى على الأرض مغمى عليه.. كان المكان بعيدا عن الأنظار قرب مقالب القمامة حيث كان يقتات بين الفينة والأخرى.. أفاق المسكين وبدأ يتألم.. لكنه تعود على الآلام، والبلوى، وصروف الدهر...
بقلم: محمد معمري

- تابع -

محمد معمري 21-01-2009 14:19

اليتيم 5
 
اليتيم 5

كانت الساعة تشير إلى التاسعة ليلا، كان الجو هادئا رومانسيا.. وقف يوسف أمام نافذة سائق سيارة فارهة:
- سيدي، إني جوعان، ظمآن..
- ليس لك أهل؟
- لا يا سيدي!
- اركب معي لأعطيك ملابسا وحذاء، والأكل والنقود..
فرح يوسف أيما فرح! قفز بسرعة إلى السيارة.. كانت أول مرة يركب سيارة.. بدأ يمرر يديه على الكرسي الأنيق.. والسائق يستفسره عن حالته المزرية هذه.. طوال مسافة الطريق، ويوسف يحكي قصته مع زوجة أبيه الشريرة، وأبنائها الوحوش.. ها هي السيارة تقف أمام بيت فاخر.. نزل السائق وفتح باب مدخل السيارة.. بعد الدخول نزلا وأقفل الباب، ثم انطلق سائرا في ممر ويوسف يلاحقه وهو يحملق في البناية والأثاث.. والبسمة على شفتيه الجميلتين، والشعور بالفرح كاد أن ينسيه آلامه.. لحظة أحس أنه سيُغمى عليه من شدة الفرح.. لم يشعر في حياته منذ أن بدأ يتذكر ماضيه بفرحة مثل هذه.. أدخله السيد إلى الحمام.. أزال عنه تلك العباءة المتسخة.. قام بتنظيف جسده.. لفه في فوطة.. خرجا من الحمام.. يوسف يمشي وراءه.. دخلا إلى المطبخ وأمره بالجلوس فوق كرسي فاخر وطاولة جميلة جدا.. وضع أمامه أكلة خفيفة وفواكه وعصير البرتقال وعلب "دانون".. شرع يوسف في الأكل.. بدأ يشعر بانتعاشة كأنه وُلد من جديد.. زال عنه ضباب الفقر.. مقاطع من حياته المرة تقطع أشواطها في ذاكرته.. قال له السيد:
- أشبعت؟
- أجل سيدي، الحمد لله والشكر لله، أشكرك جزيل الشكر..
- هيا بنا!
- خرج السيد من المطبخ ويوسف يتبعه من الخلف ومشاهد اللباس والأحذية تمر في جبينه حتى وصلا إلى غرفة النوم..
نزع السيد ثيابه كلها، ثم جرد يوسف من الفوطة ورفعه بقوة فوق سرير النوم.. بدأ يوسف يصرخ ويبكي.. أبكمه بصفعة جعلت جسده يرتعد وأسنانه تصطك...
مر القطار، هدأت العاصفة ليلا وصباحا...
عند الفطور، لم يستطع يوسف ابتلاع طعام ذلك الشرير.. لم يكن ينتظر سوى ساعة الفرج...
انتهى السيد من فطوره.. عاد وحده إلى غرفة النوم حيث لبس ثيابه، ثم خرج ونادى على يوسف:
- هيا يا ولدي!
أسرع يوسف المسكين عاري الجسد إلى حديقة المنزل فرأى عباءته ملقاة على الأرض اتجه صوبها ولبسها .. فتح له الباب، ناوله عشرة دراهم قائلا:
- هيا انصرف ومتى شئت عد...
خرج يوسف يمشي مهرولا يجر الهزيمة وراءه.. يلتفت وراءه كل هنيهة متخيلا أن الوحش يلاحقه.. كان المسكين يشعر بآلام حادة.. لا يستطيع المشي كثيرا ولكن أرغم على الابتعاد عن ذلك الحي المشؤوم...
ابتعد يوسف عن الحي كثيرا.. جلس بعيدا عن الأنظار فجأة انفتقت عيناه بدمع منهمر وقلبه يتمزق، عقله ذاهل من شدة ما أصابه...
«أنا طائر كسير ولا جناح يعينني، مالي سوى مقلتين مدمعهما رقراق، وقلب يتمزق ويحترق، وعلى شاطئ آلامي الموج يلتطم ويتسلى بأنغام المصائب المتراكمة حتى صارت البلايا هي حلتي...»..
بقلم: محمد معمري

- تابع -

اسماء86 22-01-2009 11:38

شكرااااااااااااااا

mahdar 22-01-2009 12:35

النص يتطور ومعه تتطور الاحداث ..خروج يوسف الى الشارع احدث قطيعة مع ماضيه..تعرضه للاغتصاب جعل ادميته تنتهك وبالتالي اصبح عرضة للهواجس والمتاعب..اخي محمد نجحت بشكل كبير في استغلال تقنية المنولوج الداخلي كما ان تحكمك في ادوات السرد بدأ يأخد طريقه الصحيح ادعوك الى مراجعة نصك والانتباه الى بعض الكلمات التي تحتاج الى تقيم من قبيل استحمه وغيرها....دمت صاحب نفس طويل وننتظر المزيد ....

أبو المعاني 22-01-2009 13:50

مع توالي الفصول تتضح جليا حنكتكم وقدرتكم على نسج الأحداث في شكل مثير .
تحياتي


الساعة الآن 10:10

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات دفاتر © 1434- 2012 جميع المشاركات والمواضيع في منتدى دفاتر لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة المنتدى بل تمثل وجهة نظر كاتبها