منتديات دفاتر التربوية التعليمية المغربية

منتديات دفاتر التربوية التعليمية المغربية (https://www.dafatir.net/vb/index.php)
-   دفاتر الإبداعات الأدبية (https://www.dafatir.net/vb/forumdisplay.php?f=74)
-   -   على المعبر (https://www.dafatir.net/vb/showthread.php?t=58554)

Hadrioui Mostafa 28-01-2009 08:23

على المعبر
 





على المعبر


عشرون ربيعا ـ لا غيرـ بالكاد تقرأها على وجهه السموح الطافح بشرا حين تطالعه أو تصادفه. أبدا يسلك نفس الطريق، يعبر وينعطف من ذات المواقع، وفيّ مع ديدنه اليومي، يعرف الكل و الكل ... يعرفه، يصافح الجميع إيماءً، أو تحية أو بسمة عريضة، صافية لا مراء فيها كأنه قرار من السعادة والنعيم، بل كأنه نسي يده المدودة ـ يوما ـ من الردم وهو عار كدودة ، ونسى ـ أيضاـ ثانية تتلقفه بحنو دافق حبا، وثالثة راعشة تمسح مخاطه وجراحه وتلفه في ملاءة نازفة. تصد عنه قرس فجر شتوي بارد، و كأنه... ناس جيشا من الأرجل يكاد يحجب عنه طيف والديه الهامدين ممددين بلا حراك مجندلين قطعاً كبطاطيس مقلية يعتليها كيتشاب قان يلفها ورق... الماكدونال !.بل كأنه لم يبق يذكر قط ذاك الألم الفظيع الذي لفه حين استنتجت روحه الصغيرة أنه بقي وحيدا بلا إخوة ولا أم حانية ولا أب رحيم ! فصرخ باكيا بكاء أحسه قادما من أعماق روحه كظُبَى مُدىً تمزق أحشاءه، فهمّ بالبكاء أكثر عل عويله يفلق المدى غير أن يدا دافئة مؤلوفة التضاريس لديه تشد عليه بقوة وتحضنه بحرارة، حينا يخرس... ويمسح بظهر يديه المتربة عينيه ليرى جده عائمة عيناه في سيل من الدمع.
قرابة عقدين تلوك ذاكرته نفس الصور وتجترها ، وحتى إن جاهد في تجاهلها أزيز الرصاص الطائش، والصائب، وصوت المزنجرات والدبابات وطابور المعابر وسواد "الكيبات" وأحذية العساكر وبزاتهم وهدير المروحيات يعود بها لتتبوأ مقدمة فكره ، لم يعرف يوما راحة نفسية رغم هدوءه الظاهري ، قلبه أبدا راجف ، ويداه راعشتان رعشا صامتا ، وكيانه يمتلئ يوما عن يوم حنقا ويزداد غيضا، كانت الانتفاضات بلسما له شهورا إذ حولت رعشاته سكينة وشروده مشاريع....
كعادته اليوم يسير وجدار الفرقة الملتف كحبل مشقة على أرض الناصري ، يحث الخطى، يخاتل الطريق الملتوية ربحا للوقت وخوفا أن يضيع له أول الدرس...يصل إلى المعبر الأول و ينضم إلى الطابور، ما ان يلتقط أنفاسه حتى يشرع يستطلع قوامه، لافرق بين البارحة وأمس البارحة نفس الوجوه ، نفس الوجوم، الحالة ذاتها... عاد إلى نفسه يلوذ بأدغالها ويسرح في أحراشها ينتظر مع المنتظرين الجواز من علا صراط البوابة... يتناهى إليه صوت امرأة في جدال مع جنود الحراسة، فيخرج من الطابور ليتابع المشهد ،مشهدا طالما تكرر...وتكرر، يعود أدراجه لكن، صوت المرأة يتسلق طبقات أعلى تجعله يستطلع الأمر من جديد فيراها وقد اشركت يدها في الجدال يرد عليه الجندي بصفعة على وجهها ودفعة قوية تطيح بها على الأرض ومعها طفلها . بخطى تابثة ورباطة جأش غريبة يجد نفسه متقدما نحو الباب، وقبل ان ينتبه له الجندي وهو قبا قوسين أو ادنى منه يلتف حول نفسه ويرفع رجله وبكعبه يلكزه لكزة ليتهاوى من دون حراك فيجرده من رشاشه ثم...يفرغه ببراعة في باقي الحراس ....
تخرس لعلعلة الرصاص ويتربع الصمت سيدا ، وتقوم المرأة من وقعتها وتطلق زغرودة طويلة ....طويلة وجميلة يرد عليها ببسمة عذبة تنطفئ حالما يرى رجل دين، حبرا يعتمر قبعة تتدلى من تحتها ضفائر سود، يخرج من تحت مِسحه مسدسا ويشرع في إفراغها في وجه...ما كاد يستجلي أمره حتى كان ساقطا كهرم.

الكاتب حدريوي مصطفى (العبدي)
الدارالبيضاء في 29/12/2008





















Fouad.M 28-01-2009 10:54

أسلوبك جميل...فقد اصطفيت الفاظك بعناية شديدة....الى درجة انها استهوتني كثيرا.....فضلا عن البناء المحكم.....لكن ثمة هنات سقطت منك سهوا لاباس من التذكير بها في هذا المقام....اذكرمنها على سبيل المثال لا الحصر قولك المؤلوفة :والصواب المألوفة........
... وجدار الفرقة الملتف كحبل مشقة: والصواب كحبل مشنقة....
خوفا أن يضيع له أول الدرس...والصحيح ان يضيع منه أول درس....
وقبل ان ينتبه له الجندي وهو قبا قوسين أو ادنى:والصواب وقبل......وهو قاب قوسين أو أدنى.....
تخرس لعلعلة الرصاص ويتربع الصمت سيدا :اجد صعوبة بالغة في استصاغة هذه العبارة.إذ يمكن القول: تربع الصمت سيدا بعد ان تخرس لعلعة الرصاص...او اية صياغة اخرى تراعي زمن الحكي......
يرد عليه الجندي بصفعة على وجهها ودفعة قوية تطيح بها على الأرض ومعها طفلها .اعتقد أنه يمكن صياغتها على هذا النحو:يرد عليها.........تطيح بها أرضا بمعية طفلها......
يلكزه لكزة ليتهاوى من دون حراك فيجر...:يلكزه لكزة يتهاوى معها دون حراك...
لكن هذا لا يزري بعملك الجيد حبكة واسلوبا ووصفا....
شكرا لك اخي مصطفى حدريوي على تحفتك الجيدة.....
تحياتي وودي............


نورالدين شكردة 28-01-2009 11:07

عزيزي مصطفى الحدريوي:
لعلك خبرت رأيي في إبداعاتك التي لطالما استحسنتها هنا وهناك وفي أي مكان ستنشر فيه أريج كلماتك المقاومة...
لقد كنت هنالك على المعبر ...وأنت من لكز الجندي... وحمل الرشاش... وأطفأ نار الإهانة التي يمررونها لنا لقمة لقمة...

نعم أخي مصطفى لقد عودونا على الإهانة والظلم والعدوان والتقتيل ...لانهم يهيؤوننا لما هو أفضع وأقتم ...أقسم لك أنني أستشعر مطامعهم الدنيئة...لا أستطيع تسميتهم بالإسم ليس مواربة ولكن احتقارا واستصغارا...عودونا على صور الموت والقتل ...عودونا على إشعال فتيل انفعالاتنا ...وتحويل غضبنا إلى فتنة وهياج وصراخ...هم يخططون ويقعدون ... ونحن نهيج وننفعل ونتفنن في إصدار ردود الفعل...هم سرطان فتك بقلب الأمة وضمير الأمة ولن يهنأ له امتداد وانتشار حتى يأتي على كل جسد الأمة ...لا العلاج الكيميائي ..ولا الأشعة ..ولا أدوية الكي باتت تنفع مع هذه الكتلة الهجينة من خلايا الزنا وخلايا العفن وخلايا أنجس الدماء ....هم كتلة مريضة تحتاج للبتر ...وإما أن تكون هي أو نكون نحن ..وهذه كانت رسالتهم على الدوام ...ولقد فهمناها...
فشكرا لك أيها المبدع المتميز






hlilou 28-01-2009 16:09

اسلوب متميزدمت لنا مبدعا

أم علاء 29-01-2009 10:11

مشاركة متميزة منك أخي الكريم
استمتعت بحكيك الراقي
وفقك الله

كل التحية و التقدير


الساعة الآن 07:43

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات دفاتر © 1434- 2012 جميع المشاركات والمواضيع في منتدى دفاتر لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة المنتدى بل تمثل وجهة نظر كاتبها