![]() |
من مذكراتي (2) .. زيـارة غـيـر مـعـتـادة
ـ"عليك أن تهتم بإنجاز جذاذات الدروس !"..
ملاحظة في محلها، ذيل بها السيد المفتش صفحة من صفحات مذكرتي اليومية. لم أهتم في بادئ الأمر بهذه الملاحظة،إذ عرفت أنني مقصر في تهيئ الجذاذات كل يوم . والحق علي ؛ بصراحة ،ثلاث جذاذات هي كل ما استطعت إنجازه طيلة مساء اليوم السابق،ولأنني علمت مسبقا بأنني سأتشرف بالطلعة المباركة للمفتش الجديد التي ستنتهي ـ لا محالة ـ بمنحي نقطة امتياز كما اعتقدت ،هذا وإن جذاذات الفترة التي مضت هي كل ما ينقصني،وهي التي سألني عنها،لكنني أريته حزمة من الجذاذات وصارحته القول بأنها ليست لي وأنني أعمل بها ، فثارت ثائرته !..ثارت إذ من غير اللائق أن نجد شابا طموحا في بداية عهده بالوظيفة يظهر الخمول والتقصير في القيام بواجباته ، ولا ينجز الجذاذات بنفسه ! قال لي ذلك بعد أن فكر للحظات في البداية عن جملة جمع شتات كلماتها بشق الأنفس ، وبعدما أثنى على صراحتي بكلمات عابرة لم أسمع منها سوى وصفه لي بأنني إنسان فطري ! كان يتكلم في تثاقل ، ملوحا بجذاذة من الجذاذات الملعونة ، وهو لم يفحصها البتة !..خشيت أن تلفت سلوكا ته المضحكة انتباه المتعلمين فيضحكون لذلك، ويصير "معلمنا" في "ما هي وما لونها ؟"وهم الذين اعتادوا الضحك لأدنى الأشياء،حتى وإن بكى أحدهم يكون من السهل علي أن أضحكه بإحدى دعاباتي التي ألفوها،إذ أنني أستبعد الأسلوب السلطوي الذي يتصرف به بعض أو أغلب الزملاء في المهنة،وأحب اعتماد الأسلوب التنشيطي في علاقتي مع جماعة المتعلمين ..هذه بعض أشياء شحنا بها عقولنا ، واقتنعنا بها منذ كنا في طور التكوين البيداغوجي،لكن السيد المفتش نسي أن يسألني ،لسبب من الأسباب،عن أشياء كهاته،كما نسي أن يفحص دفاتر المتعلمين،وأن يقف على مدى تحسن كتاباتهم بالمقارنة مع ما كانوا يرسمونه في بداية السنة الدراسية من ثعابينَ وعقاربَ وغيرِها من الحشرات،وكنتُ الوحيد الذي يسري سمها في شرايينه،فأتجلد لذلك وأعمل جاهدا على أن يحاول المتعلمون رسم الحروفِ حروفاً والكلماتِ كلماتٍ وفق النماذج المعلومة . نسي أن يفعل ذلك أو ربما عجز عن الوقوف والقيام بجولة واحدة داخل الفصل ، خاصة وأن الحصة حصة الكتابة والمتعلمون منهمكون في رسم الحروف والكلمات. حاولت لفت انتباه المفتش إلى الحالة الصحية للسبورة،وما تشكله لي من متاعب ؛ فالنص القرآني المقرر ،من المفروض ن يبقى مكتوبا وراء أحد جناحي السبورة لأنه سيدرس طيلة الأسبوع،ولكن أين سأكتب السورة الخاصة بالقسم الثاني ليدرسها هو الآخر ؟وأين سأكتب حصيلة القراءة الخاصة بالقسم الأدنى المفروض إعادة قراءتها في الحصة الموالية دون أن أمسح مادة وأكتب مكانها مادة أخرى ، لأعود وأكتب المادة الأولى مكان الثانية حتى تنتهي الحصص المتتابعة ؟.. انهمك في ملء سجل لديه، وأخذ النقط الصالحة لتحرير التقرير،أو أنه تظاهر بالانهماك وكل ما أعقبه أن أشار إلى أن مشاكل التجهيزات وغيرها لها تقاريرها الخاصة،وأن المعلم دائما مبرأ منها .. ـ "أجل أيها المفتش،إنه مبرأ منها ،ولكنها غير مبرأة منه ..إنها تحول دون تمكنه من مواصلة العمل في ظروف عادية على الأقل! " هكذا قلت في قرارة نفسي وأنا أحاول فهم عبارة "مبرأ منها"،وافترضت لو أن الكرسي الذي يجلس عليه صاحبنا يشتكي هو الآخر علة ما في إحدى أرجله .. كنت أنظر إلى الساعة في معصمي بين الفينة والأخرى آملا في ن تحل لحظة الاستراحة وتنتهي الحصة ، ولما خرج التلاميذ أمليت على المفتش نسب المواظبة للأشهر السالفة تحت طلبه،إلى جانب بعض المعطيات.. ـ المستوى ؟ ـ القسمان الأول والثاني . ـ المسجلون ؟ ـ 12 بالقسم الأول وإثنان بالقسم الثاني. ـ الحاضرون ؟ كنت أريد المزاح وأن أقول :"لا أحد كما ترى !"لكنني ترددت وفكرت فيمن عساه يكون غائبا من المتعلمين؛ إنه واحد فقط لم يعد يحضر منذ أشهر لأن أبويه يحتاجانه لرعي المعز .تظاهرت بأنني أتذكر ،وجلت ببصري على المقاعد وأجبت : ـ ثلاثة عشر ! ـ الغائبون ؟ ـ واحد ..طبعا ..هه ! ـ الإناث ؟ ـ الأهالي هنا لا يدرسونهن ! فيما كان يدون الأجوبة، اعتقدت لبرهة أنه سيسألني عن السبب أو أنه سيسألني عن طباع الأهالي،وعما إذا كانوا حاتميين معنا كما هو معروف عن أهل البوادي،خصوصا وأننا أمضينا حوالي ستة شهور ولم نتسلم رواتبنا بعد ! ـ "سوف أعود لزيارتك !" كان ذاك آخر ما نطق به وهو يضع ختمه على الملاحظة السخيفة، فيما أجبت على الفور: ـ " إن شاء الله يا أستاذ !" قلتُها وأنا شبه متيقن من أنه لن يكرر زيارة هذه المدرسة النائية إلا على متن "لاندرو فر" كما أنه لم يسبق لمفتش أن زارها ،ولكنه محظوظ طالما وجد في السكان من يسعفه ببغل قوي يركبه هذه المرة ،ومعلم سبق له العمل بهذه المدرسة يقود الاثنين إليها ! كتبتها خلال إحدى السنتين 1996ـ1997 نشرت بجريدة "حلول تربوية" التي كانت تصدر من إنزكان وتوقفت عن الصدور.كانت جريدة تربوية جد مهمة . |
واقع يسرد ذاته كم تمنيت لو كانت كل الوثائق معك.. حينها كان بالإمكان الدخول مع المشرف في نقاش جدي حول الظروف..والتجهيزات.. لكن تقاعسك يا الغيلاق حرمك هذه الفرصة وجعل الزائر يستفرد بك ويرجع كل شيئ لك عليك تحيتي لقصتك الواقعية الحرية تحييك http://www.hellasmultimedia.com/webi...es/pinkbow.gif |
شكرا لك أختي الحرية3
حتى ولو كانت معي كل الوثائق فلابد له أن يعثر على أية كبوة ..مثل متحف القسم (حتى وإن انعدمت النوافذ والأبواب) ، أو عدم ارتداء الوزرة ، أو ... كما أنها بداية المشوار ليس إلا .تقبلي خالص مودتي . |
واقع المغرب الغريب هذه حال المدرس مع بعض المفتشين الذين يحضرون الى الأقسام ليس لتقديم النصح فقط من أجل #ايحصل # المدرس شكرا على المساهمة الطيبة |
اقتباس:
أضحكتني اخي.. نتمنى ان تتخلص منظومتنا العزيزة من مثل هذه العقليات الهدامة موفور ودي |
| الساعة الآن 07:43 |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات دفاتر © 1434- 2012 جميع المشاركات والمواضيع في منتدى دفاتر لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة المنتدى بل تمثل وجهة نظر كاتبها