![]() |
قصة قصيرة: راوية القصص
راوية القصص..! بعدما أمهلتها السنون لقضاء فترة في الخدمة المدنية، كموظفة بالقطاع العمومي بسلك التربية والتعليم، وكمجاهدة في اجتثات الأمية، وموقدة لشمعة في قبو مظلم من الجهل..هاهي ترتع في شباك التقاعد المقيت ، وتتخبط في فك ألغاز فراغاته، وملء أوقاته، بعدما أتمت مهمة البناء الأسري على أكمل وجه، حيث أوصلت ابنتها الوحيدة إلى شاطىء الأمان ( بيت الزوجية ). بعدما نالت من العلم والمعرفة ما يضمن مستقبلها..بالرغم من امتداد يد المنون لاختطاف أنيسها، ومؤنسوحدتها ، ورفيق دربها، وأب ابنتها.. هي كالفراشة تعشق الحرية، والتنقل من زهرة لزهرة. لاتعرف للكسل سبيلا، ولا للملل طريقا. تجدها في كل عمل جمعوي تسعى من ورائه لتنوير الفكر، وإشاعة روح التضامن والتكافل. باسطة يدها لكل من يحذو حذوها. خانتها الوظيفة، وسرقت منها أجمل حافز للعمل والبذل والعطاء، سلبتها الامتلاء، وتركت لها الفراغ غير عابئة بها. ولكن..هيهيات ! هيهيات!. فبالرغم من قيامها بأعباء البيت الحاضن لها ولابنتها وزوج ابنتها، من طهو وكنس وتنظيف.. لم ترفع الراية البيضاء، بل استمرت في نهجها وحافظت على عاداتها، كقراءة الكتب، وكتابة المذكرات، وطلبات العمل لشركات ومؤسسات ترغب في استقطاب موظفات يتمتعن بكفايات محددين ضوابطها في إعلاناتهم. كانت تفلح في الفوز بها من خلال استدعائها من قبل المشرف على إدارتها، إلا أنه كان يفاجأ بشيخوختها كشكل، وبشباب متنطع، وروح مرحة كعمق. فيتاسف أيما تأسف..إنها أصبحت كالسمكة ال****** من مجالها، تفتقد إلى مقومات وجودها،تعارك من أجل استرداد وضعها الطبيعي: أن تكون حية فاعلة ومتحركة، وليس ميتة جامدة وساكنة.. مرة وهي تشاهد التلفاز، وتتنقل عبر قنواته، لفت انتباهها إعلان بقناة مضمونه: كل من أراد أن يقدم برنامجا تلفزيا خاصا به، عليه بالأداء حسب الزمن المخصص للبرنامج. راقتها الفكرة، بعدما دونت معطيات القناة، وأصبحت وفية للقناة بمتابعة برامجها. هذه مجموعة غنائية تقدم ألبومها، وهذه تقدم رقصة بأفعى الكبرى ،وهؤلاء يقدمون سكيتشا هزليا، وهذا لا يقدم شيئا مجرد حركات.. نمت الفكرة ، وترعرعت وأصبحت قابلة للتنفيذ بعدما قلبتها يمنة ويسرة باحثة عن نوعية البرنامج الذي تنوي تقديمه، فلم تجد إلا رواية القصص للأطفال باعتباره مجالها الحيوي، والذي أبلت فيه البلاء الحسن في حياتها العملية. فلم لا وهي متقاعدة ؟. طرحت الفكرة للنقاش على مائدة غذاء تحلق حولها هم الثلاثة: زوج ابنتها وابنتها وهي. ابنتها لم تستغ الفكرة على اعتبار أن أمها يجب أن تخلد للراحة بعد سنوات طويلة من العمل. بينما زوجها قبلها كتزجية وقت، وملء فراغ. كم كانت فرحة الأم كبيرة عندما وجدت من يدعم فكرتها ! طلبت من زوج ابنتها أن يبحث لها عن مكان القناة بعدما أمدته بمعطياتها. كان لها ذلك. وفي اليوم الموالي استقلت سيارة أجرة قاصدة مكان القناة للتعرف عليها، وعلى من يديرها، والمشتغلين بها، وعلى فضاءاتها.. وهي تراجع ملفات الذاكرة لما تتضمنه من قصص وحكايات وروايات..فرمل السائق عند منعطف زقاق، مشيرا ببنانه ببقناة المطلوبة بالعنوان.. قبضتــه، وتوجهت راجلة في ذهول من مكان تواجد القناة. حي شعبي أغلب أزقته ترفل بالأزبال والنفايات، وروائح عطنة تزكم الأنوف، ويافطة مهشمة علقت بجدار الزقاق كتي عليها بخط رديء اسم القناة. شككت في الأمر لحظة، وبدأت تتواردعلى ذهنها أسئلة محيرة.هل هذه فعلا محطة قناة تلفزية ؟ ألم أنخدع من قبل سائق سيارة الأجـــرة ؟ أيكون زوج ابنتي قد أخطأ العنوان ؟ ........................................ لا،لا. العنوان الذي أتوفر عليه هو المتبث بأعلى اليافطة..مشت الهوينى ، دلفت البهو دون استئذان لعدم وجود ما يمنعها. اصطدمت براقصة تستعد لتقديم وصلتها، استفسرتها، لم ترد.؟. استفهمت بصوت مسموع عن أصحاب الدار. لا مجيب. لحظة، نهضت المشرفة على تدوين أسماء الزبناء، ومقدمي البرامج الخاصة ، من تحت مكتب محاط بزجاج، فاتحة كوة منه، ومستفهمة بدورها عن صاحبة الضوضاء، مستفسرة طلبها وما تود معرفته. أمدتها بنسخة استمارة مطبوعة متضمنة كل ما تستفسر عنه.. عبأتها بتأدة في انتظار موعد إلقاء برنامجها المقترح لاحقا، بعدما أدت واجب البث مسبقا. كم كانت فرحتها عظيمة، وهي تعد الأيام كي تمر بسرعة ليصل موعدها للالتقاء بمشاهديها المحتملين. أعدت قصتها الأولى ، وتدربت على إلقائها مواجهة المرآة العاكسة لجمهورها ومشاهديها، وكأنها في الاستوديو، تنصب عليها الأضواء، وتواجهها الكاميرات.. حانت اللحظة الحاسمة لاختبار قدراتها في إلقاء حكايات و رواية قصص للأطفال. وهي تستعرض شريط النجاح والإخفاق ، وتقلب إقبال الأطفال على المشاهدة أو إدبارهم ، تعزز إصرارها على السير قدما في طريق النجاح معتمدة شعـــار :( لكل حصان كبوة، ولكل إنسان عثــرة). نودي على اسمها من قبل المشرفة على تنظيم البرمجة. ارتبكت عند سماع اسمها. همت منتصبة ، وتوجهت صوب الاستوديو الذي كان عبارة عن غرفة ضيقة تتخللها كابلات كهربائية، وكاميرا وحيدة. استقبلها شاب ببسمة تخللها إعجاب، ونظرات شعت منها غرابة موقف. أمسك بيدها، وخيرها ما بين كرسي أو أريكة للجلوس. خبرت الإثنين، وعقدت العزم على تسليم مؤخرتها لصفحة الكرسي لكي تبق يقظة ومنتصبة.. أمهلها الشاب/ المخرج هنيهة لترتيب أوراقها. وضعت النظارات الطبية استعدادا لقراءة أول قصة محكية ومروية لأطفال محتملين، يحذوها الأمل في شد انتباههم، والسفر بهم إلى عـالم الخيال لبناء عوالمهم، واكتشاف ذواتهم.. وبذلك دخلت في اختبار قدراتها كراوية. واضعة نصب عينيها هدفا واحدا ووحيدا هو جلب واستقطاب أكبر شريحة من الأطفال لتتبع مروياتها بطريقة مشوقة ومشخصة بحركات يديها، وبتغييرات نبرات صوتها خفضا ورفعا ، جهرا وهمسا. وبتعبيرات قسمات وجهها. تجهما وتبسما، ضحكا وبكاء. وهي تعيش لحظة النجاح أشار لها الشاب/ المخرج بحركات كي تستعد للبدء. أجابته بهزة من رأسها، وانطلقت انطلاقة المياه المنسابة كشلال تخترق في حكيها تلافيف عقول الصغار والكبار، شادة انتباههم ومسامعهم وعقولهم، كما شدت انتباه مخرج البرنامج الذي ترك الكاميرا مركزة على الراوية، وأصخى السمع لما يروى إلى أن اتمت الحكي. فبدأ يصفق لها إعجابا بما قدمته. كم كانت خجلى وهي تشنف أسماعها بكلام إعجاب وتقدير لما قدمته من قبل المشرف على الاستوديو. توالت الحلقات. وأصبح برنامج راوية القصص ذا صيت عال ، تتناقله كبريات القنوات التلفزية، وتتحدث عنه الصحف ، وتتهافت عليه كبريات الشركات للظفر بلحظة إشهار نتيجة ارتفاع نسب المشاهدة...dd1 |
قصة مؤثرة تبين النتيجة الحسنة للصبر و الإصرار و صفاء النفس ... رغم الوحدة و كبر السن ..مشكووووور أخي عبد الكريم
|
مشكور على المرور أيها الأخ العزيز أبو عبد الصمد. تحياتي.
|
| الساعة الآن 04:31 |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات دفاتر © 1434- 2012 جميع المشاركات والمواضيع في منتدى دفاتر لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة المنتدى بل تمثل وجهة نظر كاتبها