منتديات دفاتر التربوية التعليمية المغربية

منتديات دفاتر التربوية التعليمية المغربية (https://www.dafatir.net/vb/index.php)
-   دفاتر الإبداعات الأدبية (https://www.dafatir.net/vb/forumdisplay.php?f=74)
-   -   رواية مشانق جبل الذئاب (https://www.dafatir.net/vb/showthread.php?t=69104)

الحسين نوحي 03-03-2009 11:03

رواية مشانق جبل الذئاب
 
الجزء الأول
سفر الاحتضار

(...) أفاقت على دقات خفيفة على الباب و النوم مازال يداعب مقلتيها، فأزاحت الغطاء عن نصف جسدها العلوي لتدفع عنها حرارة الفراش التي تغريها بنوم صباحي لذيذ لولا ذلك الطرق المستمر الذي يزداد شدة و كأنه يحثها على الإسراع في النهوض، مما أرغمها على التخلص من آخر إغراءات السرير الدافئ لبست لباسا رقيقا يستر مفاتنها ثم فتحت النافذة المطلة على الزقاق الضيق لتقول كعادتها " صباح الخير يا طنجة " فإذا بها تلمح من شرفتها ساعي البريد، ينتظر أمام الباب حاملا ورقة في يده، أسرعت الفتاة بفتح الباب معتذرة له عن تأخرها في فتحه، تبسم لها ضاحكا ثم ناولها ظرفا بريديا أصفرا,فتحته بلهفة و أخرجت منه ورقة تطلعت إليها بعيون كلها شوق و فضول تقرأها مرات وتعيدها كرات أخرى كأنها لم تصدق, غمرتها فرحة عارمة أنستها ساعي البريد الذي مد إليها ورقة و قلما يطلب منها توقيع الإيصال الذي ذيلته بأناملها ثم أغلقت الباب بعد أن أتبعته سيلا من عبارات الشكر والثناء، فغدت حمامة بيضاء تحلق عاليا من شدة الفرح. فأخذت ترقص و كأنها تهتز على نغمات البيانو في إحدى حفلات الباليه الشهيرة إذ كانت تتمايل على أصابع رجليها و يداها ترفرفان كجناحي طائر صغير يحاول الطيران لأول مرة ورأسها مائل إلى الخلف و عيناها متعلقتان بسقف البهو, فالمسكينة لا تدري كم من الآلام و المتاعب التي ستسببها لها تلك الورقة, صرخت, بكت، غنت بصوت عالي استيقظ على إثره أفراد الأسرة و هم فزعون، الأم هرولت قبل الجميع و الأب ينهض متثاقلا متثائبا تدور في رأسه آلاف الأسئلة حول سبب هذا النشاط الصباحي الغير المعهود في ابنته البكر, قبلتهم واحدا تلو الآخر ضمت أمها بحرارة, و لما تساءل الأب عن السبب مستغربا !! ناولته الورقة, فقرأها في سره بلهفة متطلعة يلتهم كلماتها بنهم و أعناقهم مشرئبة ينظرون إليه بعيون حائرة، فهم الأمر و بدأ بتلاوة نص التعيين وهم ينصتون إليه بخشوع و كأن الطير واقف على رؤوسهم، و ما إن أنهى التلاوة حتى انهالوا عليها بالقبل و العناق, لقد كان يوما مشهودا في تاريخ الأسرة الفارغ من مثل هذه الأحداث العظيمة، خيم الصمت على المكان بعد أن فقدوا الكلمات التي تقال في مثل هذه اللحظات المؤثرة لعظم تأثيرها على مستقبلهم و حاضرهم المرير، اللهم إلا تساؤلات الأب المتتالية بخصوص مكان التعيين و وقت السفر و من يصحبها إلى هناك, لكن الفرحة بددت كل المخاوف و الهواجس, و في هذا الجو المفعم بالسرور انسلت الأم خلسة واختفت عن الأنظار لتعد فطورا شهيا لا تشهده الأسرة إلا في حفلات الأعياد أو زيارات الأقارب. تناولوه بتلذذ مما أكبر في نفوسهم عظم هذا اليوم، عندها شعرت الفتاة بنشوة عارمة ثم أخذت تنطق اسم "طاطا" بفخامة خصوصا و أن الطاء حرف طبقي مفخم، و هو الحرف الذي تبدأ به أيضا اسم مدينتها لذلك فهي سعيدة بهذا القاسم المشترك، أو ربما أنها تبحث عن أي شيء يدفع عنها الإحساس بالغربة لأن الإنسان يشعر بها منذ أن يضع فكرة السفر في ذهنه، تصورت "طاطا" مدينة جميلة، رغم أنها لم تسمع عنها من قبل، تخيلتها بشوارعها الواسعة و الحافلات المتنوعة، و أماكن للتبضع و الترفيه، قاعات السينما، المسارح و الملاعب، المعامل و غيرها من المرافق التي تشكل دعامة أساسية للبنيات التحتية لكل مدينة, كانت تتمنى دائما أن تعمل بمدينة لها كل تلك المميزات ، مع أنها في داخلها لم تستسغ أن تتصف مدينة مغمورة بهاتة الصفات, فظلت طول المساء تتصور نفسها وهي تحمل محفظتها تضاحك صويحباتها أثناء ذهابهن إلى سكناهن وهي لا تلقي بالا لحديث أسرتها الذي كان يدور كله حول هذا الحدث البارز, و لم ينهي من شرودها هذا إلا عودة الأب من صلاة العشاء, آنذاك فقط تناولت طعامها مستمتعة بحديث ساهر مع الأسرة, وبعدها استلقت على السرير فأمضت ليلتها صاحية تتأمل فيها الحياة حتى خرج النور من رحم الليل المدلهم, و قبل أن تغادر الطيور أعشاشها قفزت من سريرها بنشاط و كأنها أفاقت من نوم مريح, غسلت أطرافها وهي تمشي بحذر كي لا توقظ النائمين تم خرجت من المنزل دون أن يحدث الباب صريرا وهي تقصد عثمان صاحب البقالة المجاور لبيتهم, كهل في الأربعين من عمره تتدلى من طاقيته بضع خصلات من الشيب تفضح عمره المتقدم, محبوب لدى سكان الزقاق لكثرة كلامه و مزاحه لكنه سرعان ما يتحول إلى غول حينما يطلب منه أحد ما سلفا, رمت إليه الفتاة بالمذكرة فطلبت منه كعادتها الخبز و الحليب و القليل من الزبدة, رمقها بنظراته المتبرمة المعهودة القريبة إلى المزاح منها إلى الجد قائلا:
_"ألن نتخلص منك بعد؟فعسى برحيلك أن ينقص حبر المذكرة, فأنت طبعا صاحبة البطن الكبيرة"
ردت عليه بنفس النبرة:"ربما أتخلص من لسانك السليط بعد غذ فقد وصلني التعيين يوم أمس "
_" أين عينوك يا عفريتة, أرجو أن يكون بعيدا من هنا حتى نتخلص منك مدة طويلة"
ابتسمت الفتاة وهي تسأله: "مكان أجهله يسمى "طاطا"أتعرفه؟"
_أغلق عثمان عينيه ثم فتحهما لأنه لم يكن يتوقع هكذا سؤال, فهو لا يحب أن يظهر بالمظهر العاجز لكنه دارى جهله بذكاء ماكر و قال بخبث:"ربما تكون كغيرها من مدن المغرب المهم أنك من المحظوظين في هذه البلاد و حصلت على وظيفة هي بمثابة حلم مستحيل عند من التهمهم حوت البطالة "
ضحكت الزوهرة و قالت:"انظروا من يخوض في السياسة إنه عثمان رئيس حزب الخبز و الحليب لكن لا ضير في ذلك يا عثمان فمن يدري؟ فربما قد نسمع عنه بعد غذ !!"
ضحك البقال قائلا:"أ هذا هو جزائي يا ابنة "سي إبراهيم"؟ التهكم و الاحتقار يا لك
من سليطة اللسان !!"
جمعت الفتاة أشيائها ثم قالت له مبتسمة محاولة إضفاء نوع من المزاح على حديثها "من مدرستك تخرجنا يا عثمان إنك تشبه مذياعا تافها يذيع التفا هات كل يوم"
حك البقال طاقيته خجلا مغيرا مجرى الحديث بنبرة من الجد :"سنفتقدك كثيرا يا شقية"ابتسمت الفتاة ثم أدارت رأسها متجهة نحو المنزل فإذا بجارتهم "طامو"تعترض سبيلها فسألتها دون أن تلقي عليها التحية الصباحية:"هل صحيح ما سمعته يا ابنتي انك ستذهبين إلى مكان اسمه "طاطا"أستدر سين به؟ إن اسمها يوحي بأن البطاطا متوفرة هناك كالحجارة, لذا أرجو إن تيسر لك الأمر أن تحضري لي منها نصيبي عند عودتك "ابتسمت الزوهرة على مضض وقد فاضت غيضا أمعنت كثيرا في كتمانه ثم انطلقت إلى المنزل دون أن تظفر منها طامو بجواب.
دخلت البيت فوجدت أختها الصغرى مستيقظة, قبلتها بحنان و سألتها عن السبب الذي جعلها تستيقظ في هذا الوقت المبكر فلم تجبها إلا بملامح متوترة قلقة فربما أنها أحست أنها ستفارقها و هي التي تعتني بأمرها و تقوم على شؤونها, فمنذ أن وعت وجدت نفسها تنام بجانبها فكأنما هي من ولدتها, تركت الفتاة أختها لعالمها و أخذت تعد طعام الإفطار لوالدها الذي أوشك على الاستيقاظ, و بعد هنيهة سمعت صوته الحنون يطلب منها ماءا ساخنا يتوضأ به ليصلي نافلة الضحى أما الأم فتمنت ألا تفيق حتى تغادر ابنتها البيت كي لا يأكل ألم الوداع ما تبقى لها من قلبها الواهن, فالحنين بدأ يراودها منذ الآن.
جلس الأب على مائدة الإفطار و ابنته جالسة بقربه فاقترب منها أكثر حتى التصقت به فأسر إليها قائلا:" حقا يا ابنتي سأشتاق إليك كثيرا فأنت بصري و سندي و سأفارقك بنفس متألمة مكرهة, أنا واثق بك فأنت صنيعتي و أعرفك أكثر من نفسك, طيبة المعاشرة و حسنة الخلال, فهذه نفسك عهدتها عندك أمانة فلا تخيبي ظني فيك أبدا, كم أود مرافقتك و الاطمئنان عليك و يا ليتني استطعت, فأنت تعلمين أني معيل الأسرة وحادة مريضة لا قوة لها أما اخوتك فلا زالوا فراخا, و ما عليك يا ابنتي إلا أن تكوني امرأة بما تحمله الكلمة من معناها الحقيقي, و ليس بيدي إلا أن أوكلك إلى الله الذي لا تضيع ودائعه"ثم دس يده في جيبه وأخرج أوراقا نقدية و مدها إليها ناصحا: "استعيني بها على المعاش فالعين بصيرة و اليد قصيرة, لذا الزمي ما للعيش بد منه و تغاضي ما استطعت عن ما يستأنس و يكمل به" نهضت الزوهرة و الألم يأكل و يعتصر قلبها عصرا فانطلقت إلى غرفتها تجمع حقائب الرحيل بعد أن توقفت الكلمات و الدموع في حلقها و الأم واقفة بوجوم و قد أسندت رأسها على دفة الباب تنظر إلى ابنتها نظرات كلها حسرة و عجز.
و في اليوم الموالي استيقظت باكرا لتودع كل شيء بالمنزل، كان منزلا بسيطا، مكونا من غرفة الأبوين التي يغطي مساحتها حصير قديم، وفوقه صوان للملابس، وسرير أرضي يكاد يتسع لشخصين نحيلين، بجانبها غرفة الاستقبال التي تتوسطها مائدة كبيرة تحيط بها أريكات فوقها وسائد مزركشة برسوم بديعة تزينها ألوان الربيع الزاهية, عادت بها هذه الوسائد إلى عشر سنوات مضت، حينما كانت تلاعب به أخاها الأصغر، الذي توفي على إثر حادثة سير, إذ صدمته سيارة أثناء خروجه من المدرسة مساءا و من فرط الذكرى أحست بدموع ساخنة تسقط على خديها فانتقلت على الفور إلى غرفتها لتودعها بدورها، فقد أمضت فيها سنوات طفولتها، فودت لو أن لجدرانها وجنتين لأمطرتهما قبلا، خرجت منها حاسرة الرأس حاملة أمتعتها ثم ودعتهم واحدا تلو الآخر إلا أختها الصغرى التي أمسكتها من ملابسها تمنعها من الخروج و هي تبكي، فانتزعت منها انتزاعا، وفرت هاربة دون أن تلتفت إلى الخلف. تبعها الأب حاملا حقائبها الثقيلة، فاستقلا عند رأس الزقاق سيارة الأجرة متجهين نحو المحطة, و ما إن وصلا إليها حتى أخذا في البحث عن اسم طاطا على اليافطات المعلقة فوق شبابيك التذاكر, جدا في البحث عنه فلم يجداه, تحروا كثيرا عن الأمر و لما علموا السبب قصدوا خطوط الصحراء كما نصح لهم أحد أفراد الشرطة، ودعها عند باب الحافلة التي كانت ستنطلق للتو معتذرا لها ثانية عن عدم إمكانية مصاحبتها إلى هناك، و أوصى بها خيرا سائقها الذي أفرغ لها مكانا بجواره ثم ابتدأت الرحلة وهي تلقي النظرة الأخيرة على طنجة الحبيبة تتذكر كل مكان فيها وطئته بقدميها مسترجعة تلك الوجوه التي ودعتها عند رأس الزقاق كبارا و صغارا و كأنهم أمام موكب جنائزي رهيب يلوحون لها بأيديهم كمن يلوح لسفينة أقلعت من الرصيف, ثم نظرت إلى زجاج النافذة فرأت في عينيها دمعة منسية من دموع الوداع مسحتها ثم استسلمت لنوم عميق لم تستيقظ منه إلا عندما وصلت الحافلة إلى " بويزكارن "هناك استلمت حقائبها لتسأل عن الحافلة الأخرى التي ستوصلها إلى " طاطا" فعينوا لها موعد التاسعة صباحا ساعة وصولها، لبثت في المقهى وقتا يسيرا أمضته في تأمل الوجوه السمراء التي تحيط بها بأزيائها الزرقاء الفاتحة التي تفتقد إلى الكمين. باعة خضار, قصابون, شحاذون مقاهي متلاصقة, كل هذا ضجيج و حركة دائبة أنستها تعب السفر الذي أنهكها تماما, فلم يقطع هذا التأمل إلا صوت النادل الذي أبلغها بأن الحافلة التي سألت عنها واقفة أمامها، فقامت من فورها لتودع حقائبها لدى القائم عليها ثم صعدت إليها مسرعة وسط الزحام، و رغم ذلك لم تجد مكانا تجلس إليه فظلت واقفة كغيرها من عشرات الواقفين، لبثت على ذلك الحال مدة طويلة حتى رق لحالها رجل في متوسط العمر أفرغ لها مكانه و هو يبتسم ابتسامة عريضة, لكن نظراته إليها لم تكن تخلو من البراءة، شكرته ثم تجاهلت أسئلته الفضولية, مدت قدميها إلى الأمام بعدما أتعبها الوقوف طويلا، وعيناها تقرآن ما كتب على مؤشرات الاتجاهات, أسماء "كتغجيجت" و "تمنارت" و "فم الحصن" لتتساءل مع نفسها إلى أين ينتهي بك المطاف يا "الزوهرة؟" و لما اقتربت من دوار "أيت وابلي " أسدلت الستارة درءا للسعات الشمس حتى وصلت الحافلة منطقة " أقا" فأزاحتها من جديد لتكتشف بؤس المكان، إذ أثار انتباهها تلك الوجوه الواقفة و تلك الجالسة على مقاعد المقاهي الخالية طاولاتها من المشروبات و المتطلعة إلى زجاجات نوافذ المسافرين، تتفرس هي بدورها في وجوههم علها تعثر على وجه رأته، لكنها لم تجد ضالتها بل رأت وجوها كلها متشابهة غريبة تعلو سحنتها سمرة خفيفة، كما أثارت دهشتها تلك المباني البسيطة و ذلك الشارع اليتيم الذي كادت أن تنعدم فيه حركة التنقل، زحام نادر على أصحاب المحلات التجارية، نظرت إلى هذه البلدة بإشفاق متسائلة مع نفسها كيف يعيش هؤلاء المهمشون ؟لكن تلك الدقائق العشر لم تشفع لها بالظفر بالجواب و لم يوقف تأملاتها تلك إلا حرارة المكان المفرطة التي جعلت حلقها جافا، الشيء أجبرها على النزول لاقتناء قارورة مياه معدنية باردة، نظراتهم مازالت تلاحقها لكن دون أن يتفوه أحدهم بكلمة واحدة,أكيد أناس طيبون و مقهورون, ضغط السائق على زر المنبه معلنا عن استئناف الرحلة من جديد، فأسدلت الستارة ثانية بعد أن ألهبت وجهها أشعة الشمس الحارة, فحتى مشاهدة الجبال السوداء بجلاميدها الصلبة الغامقة التي تغطي سفوحها كتبان رملية دقيقة أضجرتها لكونها المنظر الوحيد الممتد على طول الطريق، و بعد ساعة من الزمن وصلت الحافلة إلى ساحة صغيرة ثم توقفت و بدأ الناس يغادرونها حتى لم يتبقى فيها سوى المقاعد فتيقنت أنها نهاية الرحلة، سألت هناك عن مقر النيابة فصحبها إليها صاحب عربة مجرورة باليد متوجهين إليها مشيا على الأقدام لقربها من موقف الحافلات,وجدتها بناية في غاية البساطة إذ لم تشعر تجاهها بالرهبة دخلت إليها من باب خشبي بلون بني غامق فاستقبلتها قاعات متلاصقة, أبوابها مطلية بطلاء أزرق فاتح ذكرتها بأبواب أقسام مدرستها ابن طفيل الابتدائية, سألت عن المسئول الذي يتولى توزيع الأطر فأشاروا إلى رجل يجلس على كرسي يقلب بعض الأوراق بملل و عصبية، نظر إليها ثم أذن لها بالجلوس، فمدت إليه ورقة التعيين نظر إليها بعين ناعسة ثم رمقها بنظرة كلها إشفاق " أنت إذن من طنجة؟"نعم يا أستاذ أنا من هناك" ثم قال بتأسف شديد:" يا ابنتي الحياة هنا صعبة، وليست كطنجة لكن عليك بالصبر، و إن لم تصبري و تجتازي هذه العقبة، فلن تجدي لك موطأ قدم في هذه المهنة النبيلة، كنت أنا يوما ما أيضا معلما في مثل سنك و لولا صبري الطويل ما عينت في هذا المكان الذي ترين, ربما هذا بالنسبة إليك سيء لكن توقعي الأسوأ، وعما قريب ستتعودين على الأمر, اذهبي الآن إلى دائرة الشبايك التي توجد بها مدرسة مركزية،ففيها يجتمع المتخرجون الجدد لإجراء القرعة حول الفرعيات التابعة لها, أتمنى لك حظا سعيدا يا ابنتي وفقك الله" ثم أشار إليها بالانصراف فغادرت مكتبه شاكرة إياه على ما أمدها به من معلومات ثم عادت إلى الساحة، فاستقلت منها سيارة أجرة كبيرة أوصلتها إلى المكان الذي حدده لها المسؤول، أربعون كيلومترا تفصله عن العمالة، وصلت إليه في تمام الواحدة. بحتث عن مقهى لتناول وجبة خفيفة فلم تجده و لما سألت عنه أشاروا لها إلى مكان تخلو واجهته من المقاعد، دلفت إلى الداخل علها تجد طاولة تجلس إليها، غير أنها لم تجد سوى حصير أصفر قديم متسخ يحوم حوله جيش من الذباب الغليظ الذي يحط على بقايا الطعام المتناثرة عليه، سد ذلك المنظر شهيتها و أثار تقززها فولت هاربة تقصد صاحب محل صغير أودعت لديه كل أمتعتها، ثم استفهمته عن مكان صالح تمضي الليل فيه,إلا أن الرجل أجابها بالنفي متأسفا , لكنه عاد ليقترح عليها أن تبيت عندهم حتى ينبلج الصبح, ولما استحسنت الفكرة أخرج لها كرسيا لتقتعده ثم أرسل ابنه لإخطار زوجته بالأمر, فطار الولد يدك الأرض دكا حتى أنه ذهب دون أن ينتعل مداسه فرحا بحلول المعلمة ضيفة عليهم, وفي وقت متأخر من المساء أغلق محمد دكيكنه مصطحبا ضيفته إلى منزله, و لما اقتربا من الباب أدخل يده في قوس صغير فأخرج منه مفتاحا حديديا طويلا ذو أسنان ثلاثة متفاوتة في الطول ثم وضعه في القفل الخشبي و أخذ يهز الباب هزا عنيفا حتى أصدرت الدفة الثقيلة صريرا أرعب الفتاة, دخلا عبر دهليز منار بمصباح واحد أوصلهم إلى باحة المنزل الرحبة التي تتوسطها شجيرات الورد و الرمان و هناك في الزاوية تقف امرأة يبدوا أنها في الثلاثينيات, تلبس مئزرا أزرقا ووشاحا أسودا كبيرا تتدلى منه خيوط كثيرة, رحبت بالفتاة مقبلة يدها ومدت إليها يدها بدورها كعادة أهل القرية,فلم يكن أمامها خيار آخر فقبلتها مشمئزة من رائحة الثوم التي تنبعث منها, فظنتها صاحبة البيت وقاحة و تكبرا منها,وبعد صلاة العشاء وضعت المرأة ثريدا مسقيا بماء البصل و العدس و ربيع اللفت الأخضر, أكلت منه الزوهرة الشيء الكثير لشدة سغبها لكنها أمضت ليلها ممسكة ببطنها متوجعة و صرير الصرصار لا يفتر عن الصفير, أما عضات الناموس فلم يقها شره سوى ذلك المئزر الخفيف الذي وضعوه لها على الوسادة ليدفع عنها برودة الفجر وفي الصباح الباكر توجهت رفقة "داموح" إلى المدرسة التي وجدت بقربها عددا من الأشخاص بعضهم كان متقاربا في السن و البعض الآخر بدأ يدخل إلى عالم الشيخوخة،ينتظرون المدير الذي قدم راكبا دراجة نارية،كان رجلا أسودا دحداحا أضحكتها قامته القصيرة سلم على الجميع تم فتح باب الإدارة وأذن لهم بالدخول، وما إن اكتمل عددهم حتى توجه مباشرة إلى إجراء القرعة التي ألقى قبلها كلمة يبدوا من سرعة إلقائها أنه حفظها من كثرة تكرارها، ثم أعلن عن اسم الفرعية الأولى، و لما أجريت القرعة حولها أفرزت أشخاصا لم تكن صاحبتنا من بينهم ، و أعيدت مرات متتالية دون أن تسمع اسمها حتى لم يتبقى سوى فرعية واحدة، كان الكل متخوف من الوقوع فيها، كانت من حظها هي ، لأن ورقتها هي التي لم يكتب لها أن تفتح ، إذن ستعملين يا بطلتي بفرعية " دوار الذياب" استسلمت لإرادة القدر، فتمنت أن يكون عبارة عن واحة خضراء يانعة ، أناسه طيبون يختلف عن كل ما رأته, لكنها في قرارة نفسها لم تسترح لذلك الاسم الغريب، غادرت المدرسة وعرجت على البقال فأخذت منه أمتعتها بعد أن ناولته ورقة نقدية دسها في جيبه بفرحة كبيرة كأنه لم يحصل على مثلها قط، لم تلق لذلك بالا فأخيرا عرفت وجهتها, أشار إليها "داموح" بامتنان إلى مفترق طرق صغير ولما وصلت إليه احتارت أيها تسلك حتى دلها عسكري على طريق المدشر المنشود معلقا على أنه من النادر أن تمر سيارة أو شاحنة من هناك، لكن ولحسن حظها ما لبتت سوى اليسير من الوقت حتى توقفت أمامها شاحنة تحمل براميل زيت الزيتون التي تغطيها تربة طينية، أشارت بيدها إلى السائق الذي كبح الفرامل، ثم تكلف مساعده بوضع أغراضها أعلى الشاحنة، جلست قرب صاحب المقود كان إنسانا لطيفا، كهلا و ملتحيا، شعر رأسه يغزوه البياض، ظل يتصبب عرقا من فرط الحر طوال الطريق، أما مساعده اليافع فقد كان يسترق النظر إليها دون أن يشك لحظة واحدة أنها انتبهت إليه, طوت الشاحنة الثلاثين كيلو متر تقريبا في ظرف زمني كبير نظرا لوعورة الطريق, و فجأة فرمل الكهل في مكان خالي فظنته مجرد عطل سرعان ما يصلحه تم توجه إليها قائلا " الحمد لله على سلامتك" نظرت حولها فلم تلمح ما يدل على الحياة فنظرت إليه باستنكار أدرك من خلاله الرجل دهشتها، فأشار بإصبعه ناحية الجبل,و لما أدركت قصده أدار المحرك و استأنف سيره نحو الأمام فشيعته بنظراتها حتى ابتلعه الأفق، امتعضت من الشمس التي تلسع أشعتها بشرة وجهها البيضاء، فأحست بصداع خفيف لكنه لم يؤثر عليها، طافت بعيونها تمسح المكان باحثة عن من يمكنه مساعدتها في حمل أمتعتها إلى أعلى الجبل، لكنها لم تجد أحدا,فقد كان مكانا خاليا و مخيفا، اعتمدت على نفسها ثم أخذت في حمل بعضها و العودة للبعض الآخر، حتى كدستها قرب شجرة الطلح الوحيدة عند سفح الجبل، فاستندت إلى جدعها لتسترد أنفاسها،أحست بعطش شديد فتذكرت الماء المتبقي في القارورة التي أخرجتها فورا من الحقيبة فوجدتها لا تصلح حتى للاستحمام في فصل الشتاء البارد فهي لا تشفي غليل العطش، ظنت أنها النهاية، لكن لا بأس فهي من أتت برجلها إلى مكان حتفها.


أم ايمان 03-03-2009 12:59

جزء طويل باسلوب سلس و احداث متلاحقة وواقعية اثرى فضولي و جعلني اتسابق مع السطور و التهم الكلمات لاستشف الاحداث و اندم لانني وصلت الى النهاية و اعيد القراءة من جديد و احزن مرة اخرى لاني وصلت الى نهاية الجزء و الجزء الثاني ربما لم يكتب بعد...........و انا لا اطيق الانتظار.........
طبعا لن تكون الاحداث سعيدة للزوهرة المتفائلة .................و لكن اتمنى ان لا تكون سوداوية
موفق يا اخي و دامت لك نواصي التاليف و الكتابة.

tadlaouia 03-03-2009 16:42

قصة طويلللللة لكن ليست بالمملة ههههه

اعجبني ما قلته عن طاطا والبطاطا ههههه

مسكينة هذه الزوهرة أنا لم يسبق لي هذا الامر لكن ممكن تصوره.....انسيابية جميلة في الاحداث ..

لكن عندي سؤال :كيف أن هذه الفتاة حصلت مؤكدا على الباكالوريا ولا تعرف حتى موقع طاطا؟؟

تقبل تحيتي اخي النوحي على جمال قصتك

في انتظار النهاية تقبل تحيتي وتقديري

hlilou 03-03-2009 22:20

مشاركة متميزة و اسلوب جيد ووصف جيد للاحداث و الاشخاص
ننتظر جزءك التالي بفارغ الصبر
لك تحياتي و تقديري

tijani 05-03-2009 15:59

الكاتب المقتدر الحسن يا ابن الجنوب ، لقد استمتعت بهذه القصة المشوقة ..والنعبر عنها باسلوب أدبي رفيع .
نفس طويل تغبط عليه ..
لقد ذكرتني قصتك يا أخي بظروف تعييني كما ستذكر بلا شك جميع الاخوة ممن سبق لهم العمل في ظروف صعبة . وما لفت انتباهي أكثر هو كلمة " أقا " لان مديري الاول كان انتقل لتوه من أقا الى م م أكديم - كانت فرعية أنفكو تابعة لها في ذلك الوقت - .
في انتظار الجزء الثاني وربما الثالث ، أتمنى لك التوفيق مع دعوتي لك الى الاهتمام بالتفاصيل أكثر ، وكذا عرض المحكيات منفصلة كما نجد في الروايات ، عوض السير في خط واحد ، وذلك لإضغاء تشويق أكبر.
أخيرا إليك هذه الملاحظات البسيطة :
مساءا / مساء
و حصلت على وظيفة هي بمثابة حلم مستحيل / حصولك على وظيفة هو ...
حتى لم يتبقى/ حتى لم يتبق
في مكان خالي/ خال
الثلاثين كيلو متر/ كيلومترا
فتذكرت الماء المتبقي / لعل الافضل القول المتبقى، باعتباره اسم المفعول
شكرا على القصة الطويلة .
تحياتي


الساعة الآن 18:04

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات دفاتر © 1434- 2012 جميع المشاركات والمواضيع في منتدى دفاتر لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة المنتدى بل تمثل وجهة نظر كاتبها