![]() |
المدرس القروي بقلم زكرياء الفاضل
المدرس القروي زكرياء الفاضلThursday, March 05, 2009 بعد فترة ليست بطويلة تحركت به الحافلة في اتجاه الجنوب بينما انطلقت الأشجار، المتراصفة على جانب الطريق، في سرعة جنونية نحو الشمال. ظل نظره عالقا بها و هي تمر به الواحدة تلوة الأخرى كلمحة البرق الخاطفة إلى أن باتت جدارا متماسكا سرعان ما تحول إلى شاشة تعرض كل ما علق بذاكرته من أيام الدراسة السعيدة على شقائها، و يوم تخرجه و استلام الشهادة التي طالما حلم بها هو وانتظرتها أسرته بفارغ الصبر. رأى صورا من ماضي مليئ بالحرمان و التعاسة اغتنى بالأحلام و الآمال العلقة بمستقبل رمادي اللون. وصلت الحافلة به إلى مراكش ليركب منها حافلة أخرى إلى أغادير، حيث سيستوجب عليه ركوب سيارة أجرة كبيرة تسير به عشرات الكلومترات جنوب المدينة. لكن رحلته لن تتوقف عند هذا الحد بل سيكتشف أن عليه ركوب سيارة مقطورة (بيكوب) تنقله إلى قرية صغيرة عبر طريق غير معبدة و هناك سيضطر امتطاء دابة لمواصلة طريقه إلى مكان عمله الجديد فوق قمة الجبل. عندما وصل أخيرا إلى ما سمي في الأوراق الرسمية مدرسة، وجد الواقع مخالفا للوثائق الوزارية، إذ لم تكن المدرسة سوى عبارة عن غرفة واحدة و وحيدة تقف منعزلة عن باقي أكواخ القرية المتناثرة هنا و هناك في فوضى منتظمة. و لم يكن هذا إلا غيض من فيض، حيث أن واقع الكوميديا التراجيدية أبان له عن وظائف الغرفة المتعددة: ا) مدرسة، ب) مسكن للمدرس،ج) مقر شورى الجماعة، و المقصود بالجماعة ليست القروية فهي منعدمة، لأن السلطة لم تصل هذه القرية النائية إما سهوا أو لبعد المكان و انعدام الطريق اللائقة بسيارات المسئولين المحترمين الله ينفعنا ببركتهم، و إنما المقصود أهل القرية البسطاء الذين قد يجتمعون لتداول و مناقشة أحد أمورهم الدنيوية دون الأخذ بعين الاعتبار ساعات تدريس التلاميذ. فهم يعتبرون أن الكبار أحق من الدراري الصغار بالمكان عندما يحتاجونه. كما أن هذه الغرفة أو الفصل يشمل ثلاثة مستويات متباينة في آن واحد، لذلك يعمد المدرس على تقسيم السبورة و زمن الحصة الواحدة إلى ثلاثة أقسام. غير أن حياة هذا المدرس، على عبثيتها و سخريتها، لم تخلو من طرائف تروّح عليه من هذا النكد الحكومي من فترة لأخرى. و هنا تحضرني قصة حصلت له في إحدى الأيام مع أب لتلميذ عنده في الفصل الثالث. كان الفصل ربيعا بشمسه الدافئة و سمائه الزرقاء الصافية و كانت الساعة تشير إلى حوالي التاسعة و النصف صباحا. و كان مدرسنا البطل منهمكا في شرح أحد الدروس للفصل الثاني، بعد أن شغل الفصل الأول بتمارين كتابية و ألها الفصل الثالث بإنشاء حول موضوع "المدرسة النموذجية"، و إذا بأب أحد تلاميذ الفصل الأخير يفاجئه بالسلام عبر الشباك طالبا منه السماح لابنه بمغادرة الفصل ليرعى الأغنام. و عندما حاول المدرس التعس إفهام الأب أنه لا يجب عليه حرمان ابنه من الدرس مقابل رعي الماشية، بادره الأب بأنه سيترك ابنه الصغير (ثلاث سنوات) مكان أخيه و هكذا لن يطرأ على عدد التلامذة أي تغيير. ضحك المدرس من هذا المنطق البسيط و الساذج و سمح للطفل مغادرة الدوام دون تعويضه بأخيه الأصغر. و بقي مدرسنا على هذه الحال فترة معينة قبل أن يفكر في مغادرة التعليم دون رجعة. http://www.hespress.com/?browser=view&EgyxpID=11463 |
شكرا على هذا المقال الذي يعكس جوانب من معاناة المدرس والتلميذ بالوسط القروي
|
| الساعة الآن 17:46 |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات دفاتر © 1434- 2012 جميع المشاركات والمواضيع في منتدى دفاتر لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة المنتدى بل تمثل وجهة نظر كاتبها