![]() |
قرات لكم
المذهب المالكي
المذهب المالكي بالمغرب بين الإهمال والاستغلال الأستاذ: أحمد الريسوني مما لا نزاع فيه ولاشك، أن المذهب المالكي هو أحد الأركان الكبرى التي قام عليها الكيان المغربي، وإحدى السمات البارزة للمغرب منذ ما يزيد عن عشرة قرون، وما فتئ علماء المغرب وملوكه وزعماؤه يشهدون ويؤكدون أن المغرب مدين في وحدته وتماسكه وانسجامه واستقراره إلى المذهب المالكي، وأن وحدته المذهبية هذه أعطته قوة وصلابة وتميزا ثقافيا وسياسيا واجتماعيا، قلما حظي به قطر إسلامي آخر. لقد وحد المذهب المالكي في المغرب العلماء فيما بينهم، ووحد العلماء والأمراء، ووحد العامة والخاصة، بمختلف طوائفهم وانتماءاتهم. فقد دمج بين المحدِّثين والمتكلمين، وبين الأشاعرة والسلفيين، واستوعب الصوفية بكافة طرقهم ومسالكهم. واستوعب خصوم الأشعرية والتصوف أيضا، فهؤلاء جميعا عرفهم تاريخ المغرب، فاختلفوا وتنافسوا، وربما تصارعوا وتعاركوا، ولكنهم جميعا كانوا مالكية، ويسلمون للمذهب المالكي، حتى صارت "الوطنية المغربية" هي "المذهب المالكي". ويظن بعض الناس أن قوة المذهب المالكي وهيمنته بالمغرب، إنما تحققت بفضل ترسيمه ونصرته من بعض الدول الحاكمة التي اعتمدته مذهبا رسميا في التدريس والقضاء والإفتاء. ولا شك أن شيئا من هذا صحيح، ولكن الصحيح الأصح هو أن للمذهب المالكي أهليته وقوته الذاتية، وله علماؤه وفقهاؤه الذين استماتوا ـ وأحيانا ماتوا ـ دفاعا عنه ودفاعا عن حق المغاربة في التمسك به والتوحد حوله. إن قوة المذهب المالكي الحقيقية إنما ترجع إلى قدرته على الاجتهاد والتجدد، من خلال أصوله وقواعده التي تجعله أقدر المذاهب على استيعاب التطورات والمستجدات، كما ترجع إلى ريادته في الأخذ بمقاصد الشريعة المستمدة من نصوصها، إذ لا مقاصد بلا نصوص. كما لا نصوص بلا مقاصد. وإذا كانت بعض الدول قد خدمت المذهب المالكي بتبنيها له ودفاعها عنه، فإنها لا شك قد استفادت منه ومن قوته ومن علمائه أكثر مما أفادته. على أن من أعظم تجليات القوة الذاتية للمذهب المالكي والرسوخ الذاتي له بالمغرب ـ وبالغرب الإسلامي عامة ـ هو تلك الحملات الشرسة التي استهدفته وحاولت استئصاله. وأخبثها وأشدها ما قامت به الدولة العبيدية (المتشيعة) التي قامت في مصر، ثم امتد نفوذها وشرها إلى بقية أقطار شمال إفريقية، بما فيها المغرب. وقد أصيب فقهاء المذهب المالكي على يد العبيديين وأعوانهم بشتى صنوف الضغط والقمع والترهيب؛ من سجن وقتل وتعذيب وتهديد... فصمدوا وتحملوا، حتي ذهب العبيديون، وبقي المذهب المالكي قويا راسخا. وفي المغرب خاصة ـ حاول الموحدون ـ وهم في أوج قوتهم وشعبيتهم ـ إقصاء المذهب المالكي والقضاء عليه ومحوه من المغرب. وقد قام ملوك الموحدين الأوائل بضغوط وحملات شديدة ضد المذهب المالكي وفقهائه، فهددوا وعذبوا وسجنوا وقتلوا، وزادوا فأحرقوا قناطير مقنطرة من كتب الفقه المالكي، ثم في النهاية انتصر المذهب واستسلمت الدولة الموحدية أمامه. ومن اللحظات التاريخية الشهيرة في حرب الموحدين ضد المذهب المالكي، ما رواه المؤرخون عن الفقيه المالكي أبي بكر بن الجد، قال: "لما دخلت على أمير المؤمنين أبي يعقوب أول دخلة دخلتها عليه، وجدت بين يديه كتاب ابن يونس (في الفقه المالكي)، فقال لي: يا أبا بكر أنا أنظر في هذه الآراء المتشعبة التي أحدثت في دين الله، أرأيت يا أبا بكر المسألة فيها أربعة أقوال أو خمسة أقوال أو أكثر من هذا، فأي هذه الأقوال هو الحق؟ وأيها يجب أن يأخذ به المقلد؟ فافتتحت أبين له ما أشكل عليه من ذلك، فقال لي ـ وقطع كلامي ـ: يا أبا بكر، ليس إلا هذا، وأشار إلى المصحف، أو هذا، وأشار إلى كتاب سنن أبي داود، أو السيف". (انظر كتاب: العلوم والآداب والفنون على عهد الموحدين، للعلامة المرحوم محمد المنوني). وإذا كان خصوم المذهب المالكي من الموحدين قد حاولوا أن يفرضوا على العلماء التخلي عن المذهب وفقهه والاقتصار على ظاهر القرآن والسنة، وإلا فالسيف" هذا، أو هذا، أو السيف"، فإن للمذهب المالكي وللفقه المالكي ـ والفقه الإسلامي عامة ـ اليوم خصوم لا هم من الموحدين، ولا هم يعترفون أصلا بالكتاب ولا بالسنة. وإذا كان الخليفة الموحدي قد خير الفقهاء بين "هذا، أو هذا، أو السيف" فإن الخصوم من غير الموحدين اليوم يقولون للفقهاء: "لا هذا ولا هذا، وإنما هو السيف"، سيف العلمانية، وسيف "المواثيق المزعومة"، والحداثة الموهومة، وسيف الاستئساد بالضغوط والتدخلات الأجنبية. عن هؤلاء "المغاربة الأجانب" يقول العلامة الأستاذ علال الفاسي رحمه الله: "فقد أصبح هؤلاء يعتقدون في القاضي الأجنبي والقانون الأجنبي واللسان الأجنبي، أكثر مما يعتقدون في أنفسهم وفي مقدساتهم، زيادة على ما أصبح يربط بعضهم مع الأجانب من رباط مادي ومصلحة شخصية، لا يبالون أن يقفوا من أجلها في صف الدفاع عن مخلفات الاستعمار" (دفاع عن الشريعة ص 23). إن معركة الشريعة الاستعمارية ضد الشريعة الإسلامية تعود إلى بداية الاستقلال، وإلي ما قبل الاستقلال، وكان علال الفاسي قد عبر بمرارة شديدة عن دهشته وخيبة أمله، حين نجح أنصار الشريعة الاستعمارية وممثلوها بالمغرب في إيقاف عملية أسلمة القوانين المغربية ـ التي انطلقت بعد الاستقلال ـ وحصْرِها في الأحوال الشخصية. قال رحمه الله: "ولم يكن يخطر ببال جلالته (يقصد محمد الخامس رحمه الله) ولا ببالنا، نحن أعضاء لجنة التدوين الذين شرفهم جلالته بتعيينهم لأداء هذه المهمة، أن عملنا سيقتصر على مجرد الأحوال الشخصية. والدليل على ذلك أننا اشتغلنا في قسم "الأموال" بعد إنجازنا لـ"الأحوال". ولكن قسم التشريع بالكتابة العامة (الأمانة العامة للحكومة) الذي يشرف عليه لحد الآن فنيون فرنسيون أوقف أمر البت فيه، وترتب على ذلك أن توقف سير التدوين في بقية أبواب الفقه الأخرى" (دفاع عن الشريعة ص 71). لكن ما لم يخطر على بال علال الفاسي وأمثاله من العلماء والمجاهدين من أجل استقلال المغرب وسيادته وإسلاميته، هو أن تمتد مطاردة الشريعة الإسلامية وأحكامها حتى في مجال "الأحوال الشخصية" الذي تم استثناؤه وانتزاعه من براثن الشريعة الاستعمارية. فها هم المتغربون من الجيل الثاني والثالث لا يرون أي فائدة وأي معنى لمراجعة مدونة الأحوال الشخصية سوى إخضاعها لمقتضيات الشريعة الاستعمارية والقضاء على صبغتها الإسلامية. كل هذا جرى ويجري في المغرب المسلم، قلعة المذهب المالكي عبر التاريخ، وفي مؤسسات الدولة التي ظل المذهب المالكي علي الدوام أحد مقومات وجودها واستقرارها، ومازال ملوكها يعلنون اعتزازهم وتمسكهم بذلك. وللأسف فإن بعض المسؤولين قد جعلوا من "المذهب المالكي" مجرد شعار سياسي لمواجهة "الأصوليين" ومحاصرة "الوهابيين" وقمع "المتطرفين"، وبعضهم جعل منه مجرد سند إداري لعزل بعض الخطباء وتهميش بعض العلماء. فإلى متى سيستمر الاستخفاف بالمقدسات وتحطيم المقومات، ضدا على إرادة الشعب المغربي المسلم تارة، وفي غفلة منه تارة أخرى؟؟ المصدر المذهب المالكي ومراحل تطوره للدكتور: محمد رياض http://www.almichaal.org/local/cache..._rtl-470e9.gif أ- مرحلة التأصيل: وهي المرحلة التي تكلف بها الإمام مالك ناظرًا الأصول التي يمكن أن يعتمد عليها في اجتهاده، ومرتبًا عليها الفروع التي تناسب منحاها، وأصول المذهب استقرائية تبعًا لملاحظة تلامذة الإمام مالك طريقة اجتهاده، وما سار عليه في نظر جزئيات وفروع متعددة من فقهه، ولا سيما ما ورد في الموطأ من فتاوى وأحكام، وما كان يُنقَل عنه من أجوبة، فاستخلصوا من كل ذلك ما ينبني المذهب عليه. وحينئذ فإن الإمام مالكًا -رضي الله عنه- لم يحدد هذه الأصول بنفسه بالصورة التي يذكرها الأصوليون. http://www.almichaal.org/local/cache..._rtl-470e9.gif ب- مرحلة التفريع: ويقصد بها بناء الفرع على أصله، واستنباط حكمه منه، وذلك داخل المذهب، وهذه المرحلة هي التي ظهر فيها أتباع الإمام مالك وتلامذته آخذين بمنهجه ومؤسسين الإفتاء في الحوادث والوقائع بربطها بأصوله وقواعده. وكانت المدونة الكبرى برواية سحنون عن عبد الرحمن بن القاسم -التلميذ الأكبر للإمام مالك- الميدان الخصب والنواة الأولى لمرحلة التفريع، فانطلقت الأحكام الفرعية من رحاب الفتوى ودائرة السؤال والجواب التي تمثلها خير تمثيل تلك المدونة. وجاءت بعدها الواضحة لعبد الله بن حبيب في الأندلس، ولا غرو إن الإمام مالكًا -رضي الله عنه- هو الذي لفت الأنظار وأشار ببديع أسلوبه وحميد منهاجه في كتابه الموطأ إلى دور الفتوى، وما تقوم به من تأسيس الأحكام وتلقيح الأفهام. http://www.almichaal.org/local/cache..._rtl-470e9.gif ج- مرحلة التطبيق: وهي مرحلة النظر فيما أنتجه دور التفريع الفقهي الذي سبق، والاجتهاد في تحقيق المناط في الوقائع المستجدة، فيما ينطبق وفيما لا ينطبق عليها من تلك الصور الفرعية، مع تمييز كل حكم منها على حدة، ومع مراعاة أصول المذهب في ذلك. وفي هذه المرحلة يقول الفاضل بن عاشور -رحمه الله: وظهرت في هذا الدور كتب التهاذيب التي هذبت بها الكتب القديمة، والمختصرات التي لخصت فيها، والشروح التي شرحت بها، ودقق النظر في المسائل لأجل بيان ما بينها من الاتفاق والاختلاف، ثم صور النوازل والفتاوى التي تشمل على الواقعات الحادثة، وعلى بيان ما يرى الفقهاء المتأخرون من رجال دور التطبيق من انطباق أو عدم انطباق لقول من الأقوال المأثورة من المصادر القديمة من دور التفريع على تلك الجزئية الخاصة. وكان العمل قد توزع على مراكز أيضًا هي: القيروان والأندلس والعراق ومصر، فكان في القيروان مثلاً محمد بن سحنون الذي وضع كتاب ’’النوازل’’ أو المسائل، وجعل كل حادثة من الحوادث التي تجري في عصره، مع تصورها بالملابسات العارضة محلاً للنظر في كيفية انطباق حكم المقرر في ’’المدونة’’ على تلك الصورة، بحيث إن حكمها يؤخذ من المصدر الذي هو من أثر دور التفريع. وسار على نفس النهج الإمام محمد بن أبي زيد القيرواني في كتابه ’’النوادر والزيادات’’ مستفيدًا مما سلفه، وما دون من كتب في المذهب، كـ ’’المدونة’’ لسحنون، و’’الواضحة’’ لابن حبيب، و’’المستخرجة’’ للعتبي، و’’الموازية’’ لابن المواز. وهذا ما أكده ابن خلدون بقوله: وجمع ابن أبي زيد جميع ما في الأمهات من المسائل والخلاف والأقوال في كتاب ’’النوادر’’؛ فاشتمل على جميع أقوال المذهب، وفروع الأمهات كلها في هذا الكتاب، ونقل ابن يونس معظمه في كتابه على المدونة. كما اختصر ابن أبي زيد المدونة في كتابه ’’المختصر’’، ولخصه أيضا أبو سعيد البرادعي من فقهاء القيروان في كتابه المسمى بـ ’’التهذيب’’، وألف ابن يونس كتابه ’’الجامع’’ على غرار كتاب النوادر والزيادات. ثم جاء بعدهم أبو الحسن اللخمي باختياراته المشهورة في المذهب مودعًا إياها في شرحه على المدونة المسمَّى بـ ’’التبصرة’’، وفي الأندلس ألَّف أبو عبد الله محمد العتبي ’’المستخرجة’’ وهي ’’العتبية’’، وألف يوسف بن عبد البر كتابه ’’الكافي في فقه أهل المدينة’’، وفي العراق أخرج القاضي ’’اسماعيل بن حماد كتابه ’’المبسوط’’ وألف القاضي ’’عبد الوهاب’’ كتاب ’’التلقين’’. http://www.almichaal.org/local/cache..._rtl-470e9.gif د- مرحلة التنقيح: وهي مرحلة تنقيح لأقوال المذهب، واعتبار الدليل الأقوى منها رواية ودراية، وكان الذي حمل لواء هذه المرحلة أبو الحسن اللخمي الذي انفرد باختيارات في المذهب حتى عُدَّ متميزًا بها. وسار على هذا المنهج الإمام المازري في ’’شرحه على التلقين’’، وابن رشد الجد في كتابه ’’المقدمات الممهدات’’ وكتابه ’’البيان والتحصيل لما في المستخرجة من التوجيه والتعليل’’، وهو شرح ’’العتبية’’، والقاضي عياض في شرح المدونة وتعليقاته عليها المسماة ’’بالتنبيهات’’. هـ- مرحلة الجمع والاختصار: وهذه المرحلة جاءت بعد استقرار المناهج، والنظر في الفروع الفقهية تخريجًا وتطبيقًا وتنقيحًا، وما قام به جهابذة المذهب من اجتهادات. وهكذا ظهر مختصر ابن شاس المسمى بـ ’’الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة’’، ومختصر ’’ابن الحاجب’’ المسمى بـ ’’جامع الأمهات’’، وجاء بعده ’’مختصر الشيخ خليل’’ الذي طوى جميع المراحل، ثم توالت الاختصارات من بعده ناسجة على منواله، كـ ’’أقرب المسالك لمذهب الإمام مالك’’ لأحمد بن محمد الدردير، و’’المجموع’’ لمحمد بن محمد الأمير. المصدر |
|
| الساعة الآن 04:51 |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات دفاتر © 1434- 2012 جميع المشاركات والمواضيع في منتدى دفاتر لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة المنتدى بل تمثل وجهة نظر كاتبها