![]() |
أمة في خطر
سلسلم مقالات رائعة للدكتور أكرم حجازي تدرس حال الأمة وتقرع أجراس الخطر لما يتهددها الجزء الأول أمة في خطر د. أكرم حجازي 31/5/2008 كل الكتاب والمفكرين الأمريكيين خاصة والغربيين عامة وحتى الزعماء الذين تحدثوا عن حرب صليبية ضد الإسلام وأهله لم يكذبوا أو يهولوا أو يبالغوا حتى لو تراجع بعضهم عن كتاباته أو تصريحاته لضرورات تمليها ظروف العداء. بل أن المعادلة الصريحة الوحيدة المعمول بها منذ انهيار الاتحاد السوفياتي إلى يومنا هذا والمعروضة على العالم هي معادلة شريرة وذات طابع رقمي بامتياز "إما معنا أو ضدنا"، ولم يعد خافيا على أحد حقيقة هذه المعادلة التي أدركها حتى العرب وهم في أوهن حالاتهم، ومن العبث أن نخدع أنفسنا ونبرئ كتابات فوكوياما وهنتنغتون أو دانييل بايبس والقس جيري فالويل وجيري فاينزوبات روبرتسون وفرانكلين جراهاموأمثالهم فضلا عن تصريحات بابا الفاتيكان بينديكت السادس عشر وزعامات العالم الكبرى أمثال مارغريت تاتشر وبيرلوسكوني وجورج بوش عن التمهيد لهذا الصدام القادم وهو مُحصّن بأبشع أدوات الفتك والدمار والحقد والضغائن المتراكمة منذ قرون ضد الإسلام والمسلمين، بل من البلاهة والجبن أن نعايش كل أشكال العداء ابتداء من وسائل الإعلام والضغوط الدبلوماسية والاقتصادية وانتهاء بالآلة العسكرية الأمريكية التي تضرب في أمة الإسلام حيث تواجدت ناهيك عن الترسانة الأمنية والاستخبارية التي تعمل في شتى أنحاء العالم على مدار الساعة ثم نقول أن ما يجري هي زلات لسان أو دواعي الحرية أو ضرورات أمنية! فما هي مبررات هذا الصدام وغاياته؟ وما هي آلياته وتحالفاته؟ وما هي تداعياته؟ وما هي خيارات الأمة ودفاعاتها في مواجهته؟ وهل أن المشروع الأمريكي – الغربي – الصهيوني منفصلا عما يسمى بالمشروع الإيراني الصفوي؟ وحدة المشروع الأمريكي – الغربي – الصهيوني (1) وحشية العلم وتوحش البشرية بدا واضحا منذ البواكير الأولى للرأسمالية وولادة عصر الآلة في مطلع القرن التاسع عشر أن البشرية مقدمة على توحش ضد بعضها، فمن يمتلك العلم والمعرفة سيمارس الغزو والقتل والنهب ضد من لا يمتلكها، منذ ذلك الحين ثبتت معادلة لم تتغير إلى يومنا هذا مفادها أن البشرية تزداد توحشا كلما تقدمت علميا، بل أن الحضارة الراهنة لم تسبقها أو تجاريها أيا من الحضارات الإنسانية وحشية ضد كل الكائنات الحية حتى ضد طوبوغرافيا الطبيعة وجيولوجيتها التي لم تسلم من التدمير والتخريب المتعمد. لا شك أنها مفارقة عجيبة حين يتحول العلم من منقذ إلى مدمر ومن بشير إلى نذير كلما خطا خطوة إلى الأمام. فما أن اخترعت الآلة حتى بشرنا العلم بعهد استعماري مباشر، وما أن تََقدَّم قليلا حتى انهارت أسلحة الدمار الشامل على البشر لتفتك بعشرات الملايين منهم، وها هو العلم، مع نهاية العقد الأخير من القرن العشرين، ينفجر في سلسلة من الثورات المعرفية أبرزها: 1-ثورة العولمة، والتي انفجرت بعد انهيار الحرب الباردة محيلة الاقتصاد العالمي فقط إلى معايير السوق صاحب السلطة الوحيدة والمطلقة في تحديد سعر السلعة. ولأن القرن الراهن هو قرن الخدمات والتجارة الحرة فعلينا القبول بتوسيع مفهوم السلعة ليشمل سائر العلوم الوضعية وسائر قطاعات الأمن والعسكر وسائر المنظومات الأخلاقية والعقائد والأديان وسائر الحضارات والثقافات وسائر السلوك الإنساني وكل ما يخطر على البال. ويكفي إسقاط العولمة على أي فعل إنساني أو آلي لنكتشف بالنهاية أنه لم يعد أكثر من مجرد سلعة يجري تداولها بين البشر. ويكفي أن نلاحظ أن العولمة نظام اقتصادي جائر يخلو من أية عدالة أو احترام لخصوصية الآخرين مثلما أنها لا تحفظ حقا لأحد طالما أنها بالمحصلة صناعة رأسمالية متوحشة ليست الطبقة الوسطى حتى في قلب الدول الرأسمالية إلا أحد أشد ضحاياها ناهيك عن الفقراء في شتى أنحاء الأرض والذين ستطحنهم العولمة طحنا. 2-الثورة المعلوماتية (الرقمية)، وهي الثورة التي سيهاجر فيها العالم الاجتماعي إلى الفضاء الافتراضي أو الحيز الذي ولدته العلوم الرقمية مولدا قارة سادسة تنضاف إلى القارات الخمس. وهي تمثل أضخم مشروع سرقة عرفه التاريخ الإنساني منذ ولد آدم وإلى يومنا هذا، وأضخم مشروع أمني جعل من التجسس على البشر أفرادا وجماعات ودول موضة العصر، فلا خصوصية ولا حرمة ولا حصانة لأي كائن حي طالما قبل بأن يكون جزء من منظومة الاتصال والتواصل مع هذه العلوم وإلا فما عليه إلا اعتزالها. أما ما تقدمه الصناعات الرقمية من عروض على منتجاتها ففيها من الإغراء والحاجة ما يصعب على الفرد تجاهله بالنظر إلى سرعة تقدمها وسرعة شيخوختها، فما يصلح اليوم ليس بذي فائدة بعد بضعة أسابيع أو أشهر. 3-الثورة الجينية، أو الهندسة الوراثية، وقد لدت في أعقاب الإعلان العالمي عن اكتشاف 90% من خريطة الحياة ( DNA ) أو أسرار الجينوم في شهر أيار / مايو 2002. وهي ثورة تمكن من الاطلاع على أسرار الحياة والتحكم الفسيولوجي والبيولوجي في الكائن الحي. 4-ولا شك أنها المقدمة التمهيدية لأكثر الثورات العلمية صدمة للبشر وهي ثورة تكنولوجيا النانو Nanotechnology التي تقود مشروعها شركة IBM الأمريكية، وسيباشر العمل بها بعد عشر سنوات من الآن. فما الذي نفهمه من هذه التكنولوجيا التي يساوي "النانو الواحد" فيها 1/ مليار من المتر؟ إذا كانت العولمة تنطلق من مفهوم السلعة في السيطرة على العالم فـ Nanotechnology تنطلق من الجزيء وليس من المادة، فالبشرية سبق لها وأن طوّعت المادة في مرحلة اكتشاف الآلة (ق19)، ومع ذلك فقد احتاجت لأكثر من مائة عام حتى انفجرت الثورة الصناعية في منتصف القرن العشرين، ثم عشر سنوات لتدشن بدايات العصر الرقمي وثلاثين عاما لتصبح بعض منتجاته في متناول العامة من الناس، لكننا الآن على أبواب تطويع الجزيء نفسه بحيث يمكن التلاعب به وإعادة صياغته وابتكاره في بضع سنين والاستفادة من منتجاته بمواصفات فائقة الدقة. وكي نتحسس بعض الأهمية فيما يجري على الصعيد العلمي يكفي ملاحظة أن تطويع المادة قد نجح في نقل البشرية من طور إلى طور بحيث لم يعد ممكنا ولا بأي منطق العودة إلى الوراء. فهذا ما يتوقع حصوله في السنوات القادمة، فالتكنولوجيا المنتظرة وهي تركز على صناعة الأجهزة الدقيقة من جزيئات مجهرية سيكون بمقدورها التدخل في شتى صنوف الحياة وإحداث قطيعة مادية وابتسمولوجية (= معرفية) مع الماضي، وستنقلب سائر العلوم الوضعية خاصة الصحيحة رأسا على عقب، فلن يكون الطب الذي نعرفه هو الطب القادم ولا الفيزياء التي نتعلمها ولا الأحياء ولا الكيمياء ولا الهندسة بشتى فروعها بما فيها هندسة الجزيء ذاته ولا الزراعة ولا الطاقة ولا المواصلات والاتصالات ستشابه مثيلاتها مما مضى، وتبعا لذلك ستتغير منظومات العلاقات الإنسانية وأنماط الاجتماع الإنساني والاقتصادي، وستتغير معها حكما منظومة العلاقات الدولية وقوانينها وتقسيماتها وأنماط الصراع والسيطرة والتحالفات والعداوات. هكذا إذن، وبحدود مائتي عام، استطاعت البشرية أن تحقق قطيعة مع الماضي وهي تبدأ من الصفر، لكنها الآن في قمة التطور والتقدم العلمي، وتحقيق القطيعة الثانية لن يستغرق سوى بضع سنين وهو ما يثير الهلع والرعب من هكذا علوم، إذ أن السيطرة على المادة لتحقيق سعادة البشرية ورفاهيتها خلّف آلاما لم تشهدها البشرية فيما مضى من حروب فتاكة وسحق للكائن الحي وتدمير للبيئة بصورة وحشية وظواهر مقيتة كالاستعمار والاستعلاء والعنصرية والإلحاد والفقر والجوع والجهل وتكدس للثروة واستغلال للشعوب ونهب للثروات وتدمير للحضارات والثقافات وحروب إثنية وطائفية ودينية لا حدود لها، فهل سيكون التحكم بالجزيء وهو يختصر على البشرية من الوقت مئات السنين أقل وحشية وأكثر رحمة بالبشر؟ آن وقت الحصاد الأرجح أن الثورات الجديدة التي من المفترض أن تضع حدا لمعاناة القرنين الماضيين ستكون وبالا على البشرية، وستجعل من الشعوب المتخلفة وجغرافيتها وبيئتها أكبر مخبر للتجارب ومخلفات العلوم الجديدة، فمعادلة التوحش لم تستنفذ أغراضها بعد وهي محملة بأحقاد وضغائن وثقافة الكراهية، وعلى العكس من ذلك فإن كل ما نراه هو إرهاصات لاستعمار جديد. باختصار فإن أقوى الحروب القادمة ستكون مع العلم، فالعلم هو المفجر للحروب على جبهة الغرب فيما الجهل هو المتلقي لها على الجانب الآخر.ويبدو أن الغرب وفي مقدمته الولايات المتحدة باتوا على قناعة بأن الوقت قد حان لقطف الثمار عبر: · السيطرة على مصادر الطاقة التي تحتاجها الثورات القادمة، فهي السبب الرئيس في استهداف المناطق الحاوية لها كالخليج العربي والسودان وآسيا الوسطى، إذ أن الثورات الكبرى تتسارع بشكل جنوني والسكان يتضاعفون بمعدل متوالية هندسية تستدعي معها الحاجة إلى متوالية مماثلة في الطاقة، ولأن هذا مستحيل فلنتصور حجم الصراع الدولي على الطاقة في العالم. · تصفية ما يعتبرونه ثارات قديمة ليس مع العرب بل مع الإسلام والمسلمين بحيث تبدأ من "خيبر" لتنتهي بتدمير العقيدة الإسلامية وتنصير أهلها. وعليه فالنظرة إلى الدعوات المتكررة عن تقارب الأديان أو حوار الحضارات أو تعميم ثقافة التسامح ليس سوى خضوع لشروط الخصم ومفاهيمه ليست من فراغ، فمن جهة لا نجد في مضمون الدعوات إلا إنكارا للإسلام ولنبوة محمد صلى الله عليه وسلم فضلا عن الإساءة إليه وطعنا في العقيدة وضرورة إصلاحها بما يتلاءم ومعتقدات "الكتاب المقدس" بعهدَيه القديم والجديد وتعديل في كتب الله والتخلي عن التراث الديني من كتب الأولين وتقديم تفسيرات جديدة للكثير من الآيات مع الالتزام بالتخلي عن بعضها إن لزم الأمر، فضلا عن استخدام وسائل الإعلام للتشهير بالإسلام والمسلمين على نطاق واسع. ومن جهة أخرى يشعر الغرب أن لديه من القوة الآن ما يكفيه وزيادة، قبل تفكيك دولهم، لإجبار المسلمين على الاعتذار عما يسمونه جرائم المسلمين في التاريخ ضد المسيحيين واليهود ابتداء من الدعوة النبوية وإخراجهم من المدينة خاصة والجزيرة العربية عامة وإلى يومنا هذا، بل سيذهبون إلى ما هو أبعد من ذلك في المطالبة باستعادة ما يعتبرونه ممتلكات القياصرة وعروشهم التي استولى عليها المسلمين في فتوحاتهم أو غزواتهم، وبالتأكيد فقائمة المطالب طويلة لمن رغب في تتبعها وقائمة التصريحات العدائية ذات المحتوى الصليبي أوسع، ولما يقولون بأنها حرب صليبية فهم يدركون ما يقولون ويعملون على ذلك. لذا ليس غريبا أن تنقلب الأمور رأسا على عقب حين يغدو المطلوب من العرب هو الاستجابة للشروط الإسرائيلية للسلام وليس العكس كما كان شائعا قبل عقدين حين كان اليهود يتذمرون من رفض العرب لهم ووضعهم "شروطا تعجيزية"! للتفاوض مع إسرائيل. والأهم من كل هذا أن ما يجري هو مشروع أمريكي – غربي – صهيوني، وبالتالي فمن العبث القول باختلاف الموقف الأوروبي أو تميزه عن الموقفين الأمريكي والصهيوني، وليس صعبا على العامة وليس الخاصة فحسب ملاحظة وحدة المشروع في ضوء تقاسم العمل والمهام، فالأمريكيون وبعض الدول الأوروبية تكفلوا مباشرة في شن الحروب على ديار المسلمين في أفغانستان والعراق والصومال وغيرها من البلدان، واليهود في فلسطين عمدوا إلى تصفية كافة القيادات الفلسطينية وأفقدوا الفلسطينيين من أي رمز حتى ولو كان وطنيا سواء داخل فلسطين أو خارجها، وأحكموا حصارا خانقا ومهينا عليهم بفعل أدائهم السياسي والأيديولوجي هيأ لتواطؤ عربي إما صمتا وتجاهلا أو قولا وفعلا، أما الأوروبيون، ابتداء من بابا الفاتيكان ومستشاروه وانتهاء بالصحف الدنماركية والأوروبية، فهم من دشن حملات الكراهية والحقد للمسلمين والإساءة للرسول صلى الله عليه وسلم والعقيدة وتحدوا المسلمين في عقر ديارهم عبر حملات التنصير المحمومة التي وصلت إلى بلدان الخليج العربي عبر افتتاح الكنائس والدعوة إلى حرية الاعتقاد في السعودية معتبرين أن المشكلة مع المسلمين في كونهم يعتبرون القرآن كلام الله! عقبات في الطريق لا ريب أنه من الأهمية وجوب مراقبة التصريحات الأمريكية خاصة حول العراق وأفغانستان فيما يتعلق بسحب جزئي للقوات من البلدين أو استخدام تكنولوجيا الحروب على نحو متزايد أو الإيهام بأن الأمريكيين على وشك الهزيمة، نعم، فإن كل ما يجري الحديث عنه فيما يخص الصعوبات التي تواجه الأمريكيين في العراق وأفغانستان صحيح، لكن بحدود، فالصراع سيتواصل وسنة التدافع ماضية لا محالة، لكن لا بد من ملاحظة أن الأمريكيين خاصة والغرب عامة يجهدون في التكيف مع ما يستجد من ظروف، فالفشل في هذين البلدين ظاهر جلي لا يخفى على مراقب، والملاحَظ أن الأمريكيين يحاولون تعديل استراتيجياتهم بسرعة بعد الخبرة التي اكتسبوها في السنوات القليلة الماضية حيث لم يكن متوقعا أبدا أن يواجهوا حربا طاحنة كادت أن تتسبب بكارثة محققة في العراق أسوأ من كارثة فيتنام لولا أن وجدت الولايات المتحدة من ينقذها ويسهل عليها الأمر من بعض أهل السنة سواء داخل العراق أو خارجه، وهذا باعتراف الأمريكيين وفي مقدمتهم الرئيس جورج بوش بنفسه. لذا فهم يتحدثون الآن عن القوة الذكية كمصطلح جديد مهمته الدمج بين القوة المسلحة والعمل الدبلوماسي وعدم تقديم قوة الآلة على ذكاء العقل في خوضه للحروب أو إدارتها، وفيما بعد سيتبين لنا ماهية هذه الإستراتيجية القادمة ومدى خطورتها خاصة فيما يتعلق بصياغة التحالفات. المهم أن الأمريكيين اكتشفوا، في ضوء تجربتي العراق وأفغانستان، أن تعريض أعداد ضخمة من السكان لاحتلال مباشر وسط تطور حضري معقد أثبت فشله الذريع، فالشعوب المستهدفة اليوم ليست شعوب الأمس البسيطة والمسالمة والغارقة في الجهل والتذمر. واستعمال ذات السياسات القديمة وأدواتها في مجتمعات اليوم لن يحقق أهدافهم لا هم ولا الغرب عموما، ويبدو أن الشيخ أسامة بن لادن كان محقا لما قال في رسالته للأمريكيين بأن قادتهم يفكرون بعقلية العصور الوسطى، فالعربة الاستعمارية الأوروبية لما انطلقت في القرن التاسع عشر حرصت بداية، فيما عدا الهند، على تفكيك الدول الكبرى إلى تجمعات صغيرة حظيت فيما بعد بامتياز الدولة المستقلة على بضعة ملايين أو أقل من السكان بحيث يمكن تحقيق احتلال مريح وهيمنة مستقبلية ممكنة لبضعة عشرات من السنين، لكن هذه الدول خرج سكانها على الأقل من طور الأمية وحصلوا على قدر من التعليم يمكِّنهم من التمييز وبناء المواقف، كما أنها الآن ذات كثافة سكانية ليست بالقليلة، فالدولة التي كانت تعد نحو 2 – 5 مليون باتت اليوم تؤوي ما بين 20 – 30 مليون، ومن الجدير أن نتذكر تصريحات وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد بعد احتلال العراق بعام وهو يكرر القول في كل مناسبة ردا على إخفاقات جيشه أمام هجمات المجاهدين: "أن العراق دولة كبيرة سكانا ومساحة، ويصعب علينا السيطرة بسهولة عليه"! فكيف سيكون الأمر سهلا مع دول أخرى ذات كثافة سكانية أعظم في مناطق شديدة التوتر عالميا وذات تراث حضاري عريق ومنبع ديانة حية كالإسلام؟ كيف يمكن إيقاع الاحتلال مثلا على دول بحجم مصر والسعودية وسوريا فضلا عن الجزائر والمغرب؟ لهذا ينبغي ألا يُنظر إلى الحديث الطويل والمتكرر منذ أوائل تسعينات القرن العشرين عن "تفيكيك المفكك وتجزئة المجزأ" والمرور على هكذا عبارات مرور الكرام، بل ينبغي أن يوضع في الاعتبار أنه ما من دولة عربية أو إسلامية بمنأى عن التفكيك والتجزئة ابتداء من أندونيسيا وانتهاء بالمغرب، أما متى فتلك مسألة أخرى. المهم أن الولايات المتحدة بصدد تغيير استراتيجياتها كي تتمكن من تفكيك الكتل السكانية أو إضعافها أو اختراقها للقبول بعروض الانفصال أو الاستقلال: · إما عبر إصابتها بفيروس الفتن الطائفية أو القومية والإثنية كاستخدامها للعنصر الشيعي مثلا في العراق؛ · وإما عبر العولمة كآلية ملائمة في ضرب القدرة الشرائية للسكان وإفقارهم وتجويعهم وتهيئتهم لاستقبال القهر والألم الشديدين تمهيدا لزرع فكرة ضرورة التغيير حتى لو كان التفكيك والترحيب بالاستعمار هو الثمن المطلوب تماما كما كان الحال بعد الحرب العالمية الأولى كنتيجة للظلم العثماني من جهة والتحريض الأوروبي للمجتمعات والنخب العربية على ضرورة التخلص من الإمبراطورية المتخلفة من جهة ثانية. بطبيعة الحال فإن استخدام العولمة كإحدى آليات التفكيك سيعني توقع انخفاض خطير في سقف الحريات في البلدان العربية والإسلامية خاصة وأن السلطة ستشعر أنها مستهدفة وبالتالي ستضطر إلى الدفاع عن نفسها بشراسة عبر المزيد من تغولها على المجتمع أمنيا، وهذا من شأنه ترقية الوضع المتأزم ليصل إلى حالة من الانفجار في صورة صدامات بين الدولة والمجتمع باعتبار الدولة مسؤولة عن تردي الأوضاع وسوء المعيشة، فكيف ستواجه الدولة مثلا تصريحات لمدير البنك الدولي وهو يهمس في أذن الحكام محذرا بأن موجات الغلاء ستواصل ارتفاعها حتى سنة 2015؟ لكن احتمالات التفكك ومعاداة الأنظمة العربية مستبعد بنظر البعض بما أن أغلب الأنظمة السياسية العربية على وفاق مع الولايات المتحدة، فلماذا تغامر أمريكا بحلفاء "أوفياء" لن تجد أفضل منهم في تمرير السياسة الأمريكية ابتداء من التعاون الأمني في مجال مكافحة الإرهاب وانتهاء بقبول الأطروحة الأمريكية فيما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي وشروط السلام مع إسرائيل بل والمساهمة في حمايتها أمنيا والبحث عن مخارج عقدية تُشرِّع وتؤسس لعلاقات واسعة النطاق معها؟ لا شك أنه اعتراض وجيه لو أن العرب شركاء في المشروع الأمريكي ولو بنسبة مراقب، لكن الحقيقة أنهم ليسوا كذلك، فهم في أحسن الأحوال جسر عبور، ولم يعد بيدهم سوى ورقة يتيمة يمكن أن يلعبوها إذا ما شعروا أنهم مهددون بالاقتلاع من أية جهة كانت كأن يحتموا بشعوبهم مثلا، لكنها مع ذلك ورقة يصعب التنبؤ بحسن استخدامها في الوقت المناسب أو بمدى فاعليتها. فكلما اشتد الجوع والقهر كلما قلت فرص المصالحة وانعدمت الثقة. استدراك ذكر تقرير واشنطن (العدد 160، 24 مايو 2008) أنه: "بسبب غياب الرؤية الإستراتيجية لكيفية مواجهة التحديات الآنية والمستقبلية التي تواجها الولايات المتحدة" فقد "دشن مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية (CSIS) وبدعم من مؤسسة (Starr foundation) مشروع القوة الذكية (Smart Power) القائم على الدمج بين مفهومي القوة الناعمة (Soft Power) والقوة الصلبة (Hard power)"، ويرأس المشروع كل من ريتشارد أرميتاج (Richard L. Armitage) أحد أعمدة السياسة والأمن والدفاع في الولايات المتحدة وجوزيف ناي (Joseph S. Nye) الأستاذ بجامعة هارفارد، والعميد السابق لكلية كيندي للعلوم الحكومية في الجامعة. ويقول التقرير أن المركز: "دعا إلى اجتماعات ومناقشات ضمت أعضاء من الإدارة الأمريكية الحالية من بينهم: أعضاء من المكتب الانتخابي، الجيش، المنظمات غير الحكومية، وسائل الإعلام، أكاديميين، وكذلك أفراد من القطاع الخاص. وقد اجتمعت اللجنة ثلاثة مرات خلال عام 2007؛ لتطوير مخطط تفصيلي لإنعاش القيادة الأمريكية الإلهامية على أساس مجموعة من الأبحاث والدراسات أعدها خبراء بالمركز، والتي تمخض عنها توصيات لتقوية مكانة وتأثير الولايات المتحدة عالميا". ويضيف بأن: ]اللجنة أصدرت تقريرها عن التحديات التي تواجهها الولايات المتحدة بعنوان "التوقع العالمي لتحديات الأمن العليا لعام 2008" "Global Forecast the top security challenges of 2008"، وتقرير أخر عن القوة الذكية كسياسة لاستعادة مكانة الولايات المتحدة عالميا بعنوان "القوة الذكية، أمن أكثر لأمريكا" "Smarter, More Secure America"[. بطبيعة الحال حضرت القاعدة وإيران في التقرير الذي يتحدث عن التحديات، وفيما يتعلق بمحور إيران يشير التقرير إلى اتجاهين في الولايات المتحدة حول هذه المسألة، ينادي أحدهما بضرورة تصعيد لهجة الخطاب ضد إيران عبر تحرك تقوم به "الشعوب المحافظة"، لكن ثمة وجهة نظر أخرى لا تقل قوة عن الأولى ترى أن الكثير من هذه الشعوب تخشى من تكرار نموذج العراق 2003، وفي المحصلة تبدو الولايات المتحدة، بحسب التقرير، عاجزة عن مهاجمة إيران خلال السنة القادمة إلا في حالة تعرضها لحدث لا يمكن السيطرة عليه أو استفزاز عسكري، وعليه فإن أقصى ما تتمناه لا يتعدى الحراك الدبلوماسي ومحاولة فرض عقوبات اقتصادية لا تحظى بأي دعم أوروبيخاصة وأن معظم الدول تفضل تجاهل الوضع في إيران. والحقيقة أن قيمة التقرير لا تكمن فيما احتواه بل في تثبيته لتوجهات سبق وأن أقرّ بها دبلوماسيون وعسكريون أمريكيون تقضي بضرورة التفاهم مع إيران حول ملف العراق، خاصة وأن مسؤولي "الشعوب المحافظة" خيبوا أمل نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني ورفضوا الدخول فيما أسماه أحدهم بـ "حرب المائة عام"، بل أنهم استدعوا إيران كعضو مراقب في قمة مجلس التعاون الخليجي، أما الأمريكيين فقد عقدوا جولات من المفاوضات المشتركة حول أمن العراق ومستقبله وما يمكن أن تقدمه إيران في سبيل هذه الغاية! وفي هذا السياق بالذات من الصعب فهم زيارة الرئيس الإيراني أحمدي نجاد إلى العراق واستضافته في قلب المنطقة الخضراء ببغداد بعيدا عن التفاهمات الأمنية الأمريكية الإيرانية. إذن القوة الذكية قد تفصح عن المزيد من التحالفات والسياسات في المنطقة والعالم، أما أنها ذكية فلأن السياسة الأمريكية لم تكن تؤمن بغير فرض إرادتها السياسية على العالم بمن فيهم حلفائها، ولم تكن ترى غير الآلة العسكرية أداة في تحقيق أهدافها، ولما فشلت اضطرت إلى التراجع خطوة كي تعيد ترتيب أوراقها من جديد. ولمزيد من الفهم لا بد من الانتباه إلى أن "مشروع القوة الذكية" برمته هو مشروع آني، بمعنى أنه لا تغير في الاستراتيجيات والمشروع الأمريكي بقدر ما هو احتواء للإخفاقات فرضتها ظروف وعقبات تستدعي التعامل معها بحذر وذكاء! ولا شك أن الولايات المتحدة تعلمت من حربي العراق وأفغانستان الكثير، ولعلها اقتنعت أخيرا أن الأشجار الباسقة يمكن أن تنحني ريثما تمر العاصفة، فإن فعلت فهي ثقافة جديدة في السياسة الأمريكية ستكون أخطر على المنطقة من ذي قبل، لكن إذا كابرت وانحنت واقفة فستكون أشبه بالنعامة التي تضع رأسها في التراب لتحمي جسدها، وحينها ستواجه المزيد من العقبات. يتبع … |
شكرا لك على الموضوع
|
|
أمة في خطر (2) المشروع الإيراني الصفوي د. أكرم حجازي 3/6/2008 وهكذا يكون السنة على طرفي نقيض فيما يتعلق بالموقف مما يسمى بالمشروع الصفوي، فثمة طرف يشكو بمرارة ما يتعرض له السنة على أيدي الشيعة في العراق وأفغانستان بالدرجة الأساس ودونهما في إيران ولبنان وطرف يشكل الغالبية الساحقة لا يأبه لأي موقف نقدي أو عدائي ضد إيران أو حزب الله بما أنهما يخوضان صراعا مع من يفترض أنهم أعداء الأمة ... بطبيعة الحال العربية وليس الإسلامية، بل تراه ينقضّ بشراسة على أبناء طائفته منددا بمواقفهم ومستنكرا أفعالهم لكونهم يصطفون في خندق العداء للمقاومة، بقصد أو بدون قصد. ولكن بما أنه لا خلاف، نظريا على الأقل أو حتى إعلاميا، بين وجهتي النظر على اعتبار المشروع الأمريكي – الغربي – الصهيوني هو مشروع احتلال وتسلط وحرب على الإسلام والمسلمين سواء في المنطقة العربية أو في العالم؛ فما هي مبررات العداء للمشروع الإيراني؟ وهل هو حقيقة مشروع مقاومة وتحرير يستحق المراهنة عليه؟ أم أنه مشروع صفوي يستهدف العقيدة؟ الحقيقة أن تصريحات د. أيمن الظواهري حين أشار إلى جدية الصراع بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، وكذا تصريحات بن لادن وهو يصف حرب تموز في لبنان بين إسرائيل وحزب الله بأنها حرب للدفاع عن النفس لا أكثر ولا أقل، هي تصريحات بالغة الأهمية كونها: (1) تُسقط المشروع الإيراني كمشروع مقاومة على مستوى الأمة وتَعرِض لفكرة جديرة بالاهتمام حين ترى بأن (2) كِلا المشروعين الأمريكي – الغربي والإيراني، بالأساس، منفصلين عن بعضهما، وكل ما في الأمر أنهما يتساكنان ويتصارعان على (وليس في) مناطق نفوذ واحدة، وأن (3) تقاطعهما في مواضع عدة ليس سوى تعبير عن الحاجة إلى تبادل المنافع التي قد تتمظهر، بحسب الحاجة، في صيغة تحالف علني تارة أو بغض الطرف تارة أخرى. لكن إن لم يكن المشروع الإيراني مشروع مقاومة فماذا سيكون؟ مَنْ هو عدو إيران؟ إن أفضل تقييم لملف التسلح الإيراني ينبغي أن تكون مصادره من داخل إيران ذاتها كي نتجنب محاولات التضليل أو التضخيم للقوة الإيرانية كما سبق وحصل بالنسبة للعراق حينما صنفت المصادر الغربية العراق بوصفه يمتلك رابع أقوى جيش في العالم لتبرير تدميره وإزالة خطره على المحيط والعالم. لكن بالنسبة لإيران فالمهمة سهلة بما أن الإعلام ومسؤولي الدولة هم أنفسهم من يصرح ببعض ما تمتلكه إيران من قوة وتكنولوجيا عسكرية أو مدنية. أما لماذا يفعلون ذلك فلأنهم يرسلون رسائل التعبير عن القوة الفعلية لديهم للحيلولة دون مهاجمة إيران التي باتت تمتلك تكنولوجيا عسكرية فضلا عما لديها من تكنولوجيا مدنية، وبالتالي على الغرب أن يفهم جيدا أن: (1) أي هجوم يستهدف إيران سيكون بالغ الخطورة على أمن العالم برمته وليس فقط على منطقة الخليج العربي، وأن يفهم أيضا أن (2) لإيران الحق في امتلاك التكنولوجيا وليس استيرادها ولا الوصاية عليها بما في ذلك التكنولوجيا النووية على وجه الخصوص. في هذا السياق بالضبط تنشط الدبلوماسية الإيرانية دوليا مثلما نشطت وما تزال، إعلاميا، في الكشف عن بعض مصادر القوة العسكرية لديها برا وبحرا وجوا، فقد أدهشت إيران الخبراء العسكريين في أكثر من استعراض لقدراتها في تكنولوجيا التسلح سواء في صناعة الطائرات والرادارات والصواريخ البحرية المضادة للسفن والقوارب الطيارة أو في مجال صناعة الصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى أو في القدرة على إنتاج القضبان النووية وتخصيب اليورانيوم فضلا عن بعض مشاهد إذلال البحرية البريطانية والفرنسية في مياه الخليج. لا شك إذن أن إيران دولة تراهن، ليس فقط، على العلم والمعرفة، بل، وعلى امتلاك التكنولوجيا واستخدامها والدخول في منافسة محمومة حتى مع الدول الكبرى بخلاف الدول العربية وأغلب الدول الإسلامية التي أضاعت حتى لغتها الوطنية وأخرجت المراهنة على العلم من حيز التفكير والاهتمام لتجعل منه القيمة الأدنى في سلم القيم الاجتماعي، ويكفي تصور ما لدى إيران من قدرات علمية ملاحظة تصريحات سعيد سركار مدير لجنه الكوادر الإنسانية في هيئه تكنولوجيا النانو أن بلاده انتقلت من المرتبة 36 عالميا سنة 2005 إلى المرتبة 32 في هذا النوع من التكنولوجيا، أما على المستوى الإسلامي فقد احتلت إيران المرتبة الأولى متفوقة بذلك على تركيا النشطة في هذا الحقل العلمي، وأشار سركار إلى أن إيران، إذا ما استمرت بذات السرعة فستقفز إلى المرتبة 24 عالميا،وستكون قادرة على بلوغ المرتبة 15 بحلول العام 2015. والمدهش أن تَوجُّه إيران نحو هذه التكنولوجيا بدأ فقط في شهر سبتمبر سنة 2003 حين أعلنت إيران عن تأسيس اللجنة الخاصة لتطوير تكنولوجيا النانو بإشراف مباشر من رئيس الجمهورية. وفيما يخص البحث العلمي فقد كشف النقاب عن 1400 متخصصيعملون في هذا الحقل حاليا في مرحلتي الماجستير والدكتوراه، وأن إيران أحرزت تقدما لافتا على صعيد نشر المقالات العلمية في المجلات العالمية المعتمدة حيث بلغت 250مقالة خلال العام 2005 بينما كانت لا تتجاوز 53 مقالة خلال سنة 2004، وأوضح سركار أن متوسط الرجوع إلى المقالات الإيرانية العلمية في هذا الحقل تفوق المتوسطالعالمي حاليا حيث تبلغ 22 لكل مقالة بينما يبلغ المتوسط العالمي 2 لكل مقالة. وعلى الصعيد الاقتصادي لتكنولوجيا النانو تنشط في إيران 40 شركة. وبالنظر إلى تطبيقاتها الواسعة فإن حجم الصادرات الإيرانية سيبلغ 20 مليار دولار لغاية عام 2015فيما لو استطاعت البلاد حيازة 1% فقط من حصة السوق العالمية مشيرا إلى أن إيران أبرمت عقدا مع روسيا في تحضير العقاقير الطبية الذكية. من الطبيعي أن يكون لإيران ولغيرها من البلدان كل الحق في امتلاك ناصية العلم أو بعضه والدفاع عن نفسها، وما من أحد له الحق في أن ينازعها في ذلك أو يضيق عليها، لكن السؤال الذي يطرح نفسه: إذا كان من المألوف أن يكون لكل الدول في العالم وكل الأمم أعداء وأصدقاء؛ وإذا كان المسلمون من ضمن الأصدقاء؛ فمن هو العدو بالنسبة لإيران؟ إننا نطرح السؤال على فرض أن المشروع الإيراني هو مشروع مقاومة أو على الأقل داعما لها مما يستدعي تمييزا صارما بين الأصدقاء والأعداء، أما لو طرحناه في سياق مصير الأمة فسيكون على إيران أن توضح أكثر فيما يتعلق بالعدو الاستراتيجي ناهيك عن سلسلة الأعداء المحتملين ومدى ما يشكله كل عدو من مخاطر وما إذا كان من الممكن احتواءه والتعايش معه أو الحذر منه ووجوب مواجهته عند اللزوم. لكن حتى الآن لم تجب إيران بوضوح قاطع عن هوية العدو خاصة وأنها تراجعت رسميا وعلى أعلى المستويات عن كون الولايات المتحدة هي "الشيطان الأكبر"، فضلا عما اعترفت به إيران من خدمات جليلة قدمتها لواشنطن في أفغانستان والعراق. وعليه فمن العبث الركون إلى التخمينات مثلما هو من العبث القول أن التسلح التكنولوجي عامة ومحاولات التسلح النووي خاصة والتطور العلمي السريع هو غاية بحد ذاتها أو هواية بلا هدف. لهذا فإن قطاعات السنة الغاضبة من إيران أظهرت قدرا كبيرا من الشك والريبة وهي تشعر أن الولايات المتحدة غضت الطرف فعليا عن التسلح الإيراني وهي تعلم به، لكنها لم تفعل الشيء ذاته فيما يتعلق بالعراق لما سمحت بالمقابل بتدمير مفاعله النووي سنة 1981ودعمت جواسيسها في تدمير بعض مجمعات التصنيع العسكري فيه منتصف الثمانينات من القرن العشرين ثم ورطته باحتلال الكويت وأخضعته لحصار انتهى ليس بإسقاط النظام بل بتدمير البلد برمته. ومن باب التساؤل: لمّا يكون الأمريكيون يعترفون بأنهم كانوا على علم بخطورة التسلح الإيراني فلماذا لم يهاجموا إيران كما هاجموا العراق؟ ولماذا تنجو إيران وتوجهاتها وترساناتها وتكنولوجيتها من أية تهديدات أمريكية أو إسرائيلية حقيقية فيما لم ينج السلاح العراقي ولا حتى العراق ولا سنته من التدمير والقتل والتشريد مثلما لم تنج أفغانستان من السحق؟ أليس من المفارقات أن يكون السنة في العراق وأفغانستان هدفا مباشرا فيما يكون الشيعة حلفاء؟ إذا كانمن البديهيات القول أن المراهنة على العلم وامتلاك التقنية تتطلب استقرارا طويل المدى وابتعادا عن الحروب والتوتر غير المبرر، فالأولى من ذلك التسليم بأن إيران ليست موضوعيا بوارد أية مواجهة لا مع الولايات المتحدة ولا مع إسرائيل ولا مع الغرب الذي ينأى بنفسه حتى عن تهديد إيران بعقوبات اقتصادية ودبلوماسية. وعليه ففي أي سياق يمكن توصيف المشروع الإيراني بأنه مشروع مقاومة وتحرير؟ وفي أي سياق من العقل يمكن المراهنة على أن إيران يمكن أن تغامر بما لديها من قوة ونفوذ بمصالحها وإنجازاتها من أجل العرب والفلسطينيين؟ وفي أي سياق يمكن تفسير العلاقات الأمريكية الإيرانية وهي تبدو حتى قبل هجمات 11 سبتمبر والعراق على وفاق تام تجاه ما ما يتراءى للكثيرين كما لو أنه العدو المشترك للجانبين؟ وفي أي سياق يمكن فهم صفقات التسلح الإيراني مع إسرائيل فيما عرف آنذاك بفضيحة "إيران غيت"؟ مؤشرات صفوية حتى الآن ترفض إيران رفضا قاطعا الاعتراف بعروبة الخليج العربي أو بحقوق عربية فيه، لذا يبقى السؤال عن عدو إيران مبررا، وكذلك الأمر فيما يتصل بالتسلح الإيراني بأسلحة دمار شامل، لكن السؤال الثاني الذي لا يقل أهمية عن هوية العدو هو: لأية أهداف تتسلح إيران؟ هنا بالضبط يكمن جانب آخر من المخاوف السنية المعارضة للنهج الإيراني. فقد يكون مفهوما أن يتوسع نفوذ الدول ويصبح لها تطلعات إقليمية أو دولية، وتسعى جاهدة إلى المطالبة بمزيد من الحقوق والمكاسب وتقاسم النفوذ بما يتناسب وقدراتها العلمية أو حجم القوة العسكرية والاقتصادية، لكن ما ليس مفهوما هو التمدد الإيراني خارج الحدود بصورة تبعث على الريبة المصحوبة بقلق كبير. فمنذ الاحتلال الأمريكي للعراق، بدأت مؤشرات التمدد خارج الحدود أبعد ما تكون عن المصالح السياسية، والأهم أنها مؤشرات شمولية الشكل وبمضمون عقدي ظهر معه السنة كمخدوعين طوال عقود وهم يحاولون الظن، عبثا، بأن إيران تخلت عن مبدأ "تصدير الثورة" منذ سنة 1984، والحقيقة أن الإيرانيين أجلوا العمل به، لينطلق مجددا مع الغزو الأمريكي للعراق وأفغانستان، ولينشط في كافة البلدان العربية بلا استثناء. ومن هنا بالضبط بدأ الحديث عن مشروع صفوي مجوسي. مع ذلك فقد لا يبدو غريبا أن يتقاطع المشروع الصفوي مع المشروع الأمريكي، فكثيرا ما تتقاطع المصالح في السياسة وهذا ليس معيبا، لكنه من المثير حقا أن يتقاطع المشروعين ليس في مستوى المصالح بقدر ما يتقاطعان فعليا في مستوى الأهداف، فكلاهما يستهدف السنة وكلاهما يسعى إلى التبشير بمعتقداته وكلاهما يمتلك القوة والأدوات لتحقيق أهدافه وكلاهما ذو طابع احتلالي وكلاهما يقدم تنازلات للآخر كلما دعت الضرورة. ومما لا شك فيه أن ما من شيء يخيف السنة كما يخيفهم التشيع حتى أنهم باتوا يعبرون عن ترقيتهم لهذا الخوف فيما يقيمونه من مقارنات بين خطر الشيعة وخطر اليهود والغرب على الإسلام والمسلمين مستعينين في ذلك بتراثهم العقدي في كتب الأولين وفتاوى بعض العلماء المعاصرين وهم يقدمون الخطر الشيعي على ما عداه من أخطار، فما الذي يبرر كل هذه المخاوف؟ لو حاولنا التفتيش عن جذور المخاوف فليس صعبا العثور عليها سواء في التاريخ الشيعي أو في المحتوى العقدي أو في التحالفات العجيبة لهم مع أعداء الأمة. وليس صحيحا أن السنة والشيعة عاشوا بوئام طوال قرون، فالكوارث أكثر من الشواهد على سوء علاقة ابتدأت من فجر الإسلام وليس من عند ظهور الدولة الفاطمية ولا الدولة الصفوية علاوة على ما يراه السنة من غدر وخيانة لعبوه بامتياز حين الغزو التتري لديار المسلمين لا يقل عن دورهم الراهن في العراق. أما الدولة الصفوية التي أزعجت الدولة العثمانية وتحالف مع الفاتيكان الذي استنجد بها لفك الحصار الإسلامي عن أسوار العاصمة النمساوية قائدة العالم المسيحي آنذاك، فقد امتازت بكونها دولة توسعية في شتى الاتجاهات، ولم يكن لها من هدف غير التشييع، وعن تحالفاتهم فقد أثبتت على مدار التاريخ أنهم ما كانوا في يوم ما إلا في صف أعداء الأمة، ومع ذلك فقد يقال أن من السنة من هم حلفاء أمريكا وحتى اليهود في عصرنا الراهن وهذا صحيح نسبيا، لكن حدة المخاوف والعداء من المشروع الصفوي ليست واقعة فقط في إطار الخيانة التاريخية للشيعة وغدرهم وتحالفهم مع أعداء الأمة إلا إذا تم وضع كل السلوك السياسي الشيعي في سلة العقيدة؛ عندها يمكن تلمس المخاوف السنية على حقيقتها وفي جواهرها. فالمشكلة عند السنة إذن تقع في مستوى العقيدة أولا وليس في مستوى الفعل التاريخي للشيعة الذي يمكن اعتباره أحد إفرازات الشعور بالاضطهاد تماما كعقدة اليهود وهذه مشكلتهم وليس السنة مسؤولين عنها. فالسنة يتحدثون عما يسمونه بعقيدة كفرية ليست من الإسلام في شيء خاصة وأنها تقع على النقيض تماما من أية أصول عقدية؛ وليس فروع كما يروج حلفاء الشيعة من السنة، وفي السياق من المثير الاطلاع على نموذج من تصورات العقيدة الشيعية وردت عبر تصريحات سابقة للرئيس الإيراني أحمد نجاد أوردها الموقع الرسمي لأهل السنة والجماعة نقلا عن وكالة مهر للأنباء وهي تعبر عن ذروة الانحراف العقدي لدى الشيعة: "إن فاطمة الزهراء كانت أسوة لجميع الأنبياء والأئمة والصالحين، وأضاف: إن الله تعالی مع أسمائه قد تجلّی في صورة فاطمة الزهراء وإنه تعالی يعرّف نفسه إلی العالمين عن طريق فاطمة. وتابع قائلاً: إن مصير العالم والكون في اختيار فاطمة وهي التي تتصرف في العالم كيف تشاء. وأكد أحمدي نجاد علی أن العالم لم يتحمل مصيبة مثل مصيبة فاطمة، وأن الأشقياء هم الذين ظلموها، لأنها خلاصة الكون. وأضاف بالقول: إن الذين ظلموها هم الذين لا يؤمنون بالنبي ولا بالرسالة ولا بالإمامة ولا بالله تعالی، والظلم بالنسبة إلی فاطمة ظلم إلی الله تعالی"! لا شك أن مثل هذه المعتقدات تثير الفزع لدى السنة كلما أوغل الشيعة في علاقاتهم مع أعداء الأمة وتمددوا باتجاه حصون السنة، فهم لم يتحركوا بهذه القسوة إلا حين نشط المشروع الغربي في استهداف الإسلام السني بالتحديد والذي يصفه الأمين العام السابق لحزب الله صبحي الطفيلي بأنه بحر الإسلام الهادر. فما الذي يدعو الشيعة للخروج من حدودهم باتجاه العراق وسوريا والجزيرة العربية وشمال أفريقيا ومصر والسودان وأفغانستان وباكستان وحتى جورجيا؟ ولأية أهداف؟ يغلب الظن على الكثيرين من أهل السنة أن جذر المشكلة يقع في نطاق المشروع الغربي الذي يستفيد من المشروع الإيراني في إثارة الفتنة بين السنة والشيعة محققا اختراقا ملحوظا. وهذا صحيح بدرجة كبيرة. أما الإيرانيون فيستفيدون أيضا من المشروع الأمريكي عبر تخويف السنة وتقديم أنفسهم كمشروع مقاومة للأمة ضد الخطر الصهيوني مستغلين في ذلك حالة انعدام الوزن في العالم العربي. لكن المسألة تشبه بالضبط حالة الصورة في المرآة، وهي تبدو حقيقية، إلا أنها في الواقع معاكسة تماما. إذ يستحيل على العقل أن يتقبل المنطق الإيراني في لبنان بينما هو على النقيض منه في العراق وأفغانستان، علما أن العدو من المفترض أنه ذاته هنا أو هناك. فكيف يمكن تفسير العلاقات الحميمة بين إيران مع الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان بينما تكون ذات العلاقات عدائية في لبنان؟ لعل إيران كالغرب تشعر أنها ذات قوة تكفي للدعوة إلى التشيع ونشر المذهب على أوسع نطاق بما يمكنها من قيادة العالم الإسلامي، إذ من الصعب فهم التمدد الإيراني، على محدوديته، خارج هذا السياق. وكل المؤشرات الآن تدل على نجاح إيران في خداع السنة المناصرة لها مستغلة القضية الفلسطينية بالتحديد للتعمية شبه التامة على ما ترتكبه القوى الموالية لها من جرائم بحق السنة في العراق وأفغانستان، فبرزت حاضنة لمشروع المقاومة. بل أنها دفعت السنة، بدهاء، إلى الاختيار بين المقاومة والعقيدة من حيث يدرون أو لا يدرون. هكذا يبدو السنة على طرفي نقيض فيما يتعلق بالموقف من إيران ومشروعها متجاوزين بذلك مرحلة التوافق، فالمجتمعات العربية الخالية من التواجد الشيعي، والتي لم تعاني من (أو تشعر بأية) مخاطر فارسية اختارت المقاومة على العقيدة اعتقادا منها بأنها تنأى بنفسها عن الاصطفاف في خانة المشروع الغربي الصهيوني، أما المجتمعات الحاضنة للطائفة الشيعية فقد اختارت العقيدة اعتقادا منها أنها مستهدفة في عقيدتها وفي مصيرها إذا ما نجح المشروع الصفوي في الاستيطان بين جنباتها، وحجة هذه الأخيرة أن الغرب واليهود قلما نجحوا في التأثير على عقيدة الأمة، والثابت أن اليهود مثلا طوال قرن من الزمن نجحوا في تهويد الأرض لكنهم لم ينجحوا قط في تهويد البشر ولم يكن لهم هدفا من هذا النوع. أما لماذا يخسر السنة فيما يكسب الشيعة؟ فلأن السنة كالشيعة في تحالفاتهم، كلاهما اختار عدو الأمة طوعا أو كرها، لكن الفرق يكمن في أن السنة عملوا ضد المذهب وضيقوا على العقيدة وأوكلوا أمرها للحاكم بينما الشيعة عملوا، من أعلى المستويات السياسية والدينية إلى أدناها، في خدمة المذهب وسخروا له كافة إمكانياتهم وطاقاتهم. ولما يتجرأ بعض العلماء على التحذير من المشروع الصفوي ويدعون لمحاربته فغالبا ما يواجهون بالتشكيك وعدم الثقة كونهم تجرؤوا على المشروع الصفوي وجاهروا في التحذير منه والتصدي له لكنهم لم يتجرؤوا على التشريع لل**** بذات الحماسة فضلا عن أن بعضهم ينكره من الأصل؟ إذ كيف يمكن التوفيق بين وجوب مقاومة المشروع الإيراني وإغفال المشروع الأمريكي؟ سؤال استنكاري ولا شك. لكن لو سألنا بصيغة أخرى لقلنا: بغض النظر مؤقتا عن مخاطر التقاطع مع المشروع الأمريكي؛ كيف السبيل لإحداث ثقة في خطاب العلماء غير المتوازن في صراحته تجاه المشروعين بحيث يدرك السنة أن ملاذهم يكمن في العقيدة الأقدر على مواجهة شتى صنوف المخاطر وليس المقاومة ذات الحسابات السياسية؟ |
موضوع جد مهم يرفع اللبس ويبين بجلاء المخطط الشيعي . |
| الساعة الآن 15:45 |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات دفاتر © 1434- 2012 جميع المشاركات والمواضيع في منتدى دفاتر لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة المنتدى بل تمثل وجهة نظر كاتبها