![]() |
دور المسجد في الإسلام
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين . بناء المسجد النبوي الخطوة الأولى في مجتمع المدينة النبوية : أيها الإخوة الكرام ، مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية ، وقد وصلنا إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم ما إن وطئت قدماه أرض المدينة حتى سارع إلى بناء المسجد ، وهناك ثقافات أخرى تُسارع إلى بناء المسرح ، وكل ثقافة أرضية هناك شيء كبير عندها ، أما المسلم فروحه في المسجد . لقول النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أحد السَبْعَةِ الذين يُظِلُّهُمْ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ : (( وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ )) . [ متفق عليه عن أبي هريرة ] ماذا يعني بناء المسجد النبوي ؟ لذلك في هذا اللقاء الطيب حديث عن دور المسجد في الإسلام . أولاً : لأن النبي معصوم ، ولأن سنته أقواله ، وأفعاله ، وإقراره ، فماذا يعني بناء المسجد ، وماذا كانت صفات مسجد رسول الله ؟ 1 – المسجد هو الهيئة العليا في الإسلام : أولاً : بناء مسجد المدينة كان أول عمل لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة ، لأن المسجد يحتل أعلى مكانة في المجتمع الإسلامي ، فهو مكان العبادة ، ومكان طلب العلم ، ومكان لقاء المسلمين ، الآن موقع هذا المسجد كان في مركز المدينة ، كان يتوسط المدينة المنورة . 2 – المسجد النبوي كان في الوسط الهندسي للمدينة النبوية : أحياناً يكون المسجد الأول في طرف القرية ، وهذا خطأ كبير ، المسجد يجب أن يكون في الوسط الهندسي ، وهل تصدقون أن بيت الله الحرام يقع في الوسط الهندسي للأرض في الوسط الهندسي للعالَمين القديم والجديد ، فلو أخذنا العالم القديم ، وأخذنا أطراف العالم القديم ووصلنا بين الأطراف بأقطار ، يكون مكان تقاطع الأقطار هو بيت الله الحرام ، ولو أخذنا العالم الجديد ، وأخذنا أطراف العالم الجديد ، ووصلنا بينها بالأقطار يكون مكان تقاطع الأقطار هو بيت الله الحرام ، ولا يقابل بيتَ الله الحرام موقعٌ بري في طرف الأرض الآخر ، طبعاً في هذه المسألة بحث مطول ، وأراه أنا من الإعجاز العلمي ؛ أن موقع مكة المكرمة هو الوسط الهندسي للعالَمين القديم والجديد ، فإن مكة تبعد عن أي نقطة في أطراف العالم القديم 8500 كم ، وتبعد مكة المكرمة عن أي نقطة متطرفة في العالم الحديث 13 ألف كيلومتر ، فمكة المكرمة بهذا الاعتبار وسط هندسي للعالَمين القديم والجديد . 3 – المسجد له رسالة شاملة : كان هذا المسجد على تواضعه مركز النشاط العام العمراني ، والاقتصادي والاجتماعي ، والتربوي ، والسياسي ، والعسكري . مع الأسف الشديد جداً فإن بعض المساجد للصلاة فقط ، المسجد له ـ ولا أبالغ ـ مئات الوظائف ، للصلاة ، ولإلقاء الدروس ، وللمشاورة ، المسجد له رسالة ، وما لم يستعد المسجد رسالته فلن ينهض المجتمع الإسلامي ، رسالته مكان يجمع المؤمنين ، يجمعهم للعبادة ، ولطلب العلم ، وللتشاور ، وللتعاون ، من أجل أن يؤدي المسجد رسالته . المسجد النبوي كان بسيطاً ، أنا أتمنى أن يكون مسجدنا بسيطاً . أعرف مسجدا كنت أدرس فيه في دمشق ، واسع جداً ، جدرانه مطلية بطلاء جيد ، فيه إضاءة جيدة ، وتدفئة جيدة ، وتكييف جيد ، و مكبِّر صوت جيد ، لكن ما فيه زخرفة ، لذلك هناك محسنون لا يدفعون في بناء المساجد إلا على الهيكل فقط ، لئلا يتورط من يشرفون على بناء المسجد بزخرفة غالية جداً . أنا أذكر مسجدا من أجل آيات تزين جدرانه دفعِت ملايين الليرات ، ومكن بثمن هذه الزخرفة لجدرانه أن ننشئ مسجدين بالمبلغ نفسه . أول صفة : ينبغي أن يكون المسجد مريحاً ، فيه تدفئة شتاء ، وتبريد صيفاً ، وفيه ماء بارد ، وماء ساخن للوضوء في الشتاء ، وفيه نقل صوت جيد ، وفيه إضاءة جيدة فقط ، هذا المطلوب ، فما فوق ذلك يمكن أن ينفق في بناء مسجد آخر ، فصفة هذا المسجد أنه كان بسيطاً ، من حيث مواده الأولية ، وفي الوقت نفسه كان هذا المسجد معهد إعداد رجال ، فقد ترك النبي عليه الصلاة والسلام أبطالا ، أين تربوا ؟ في المسجد ، المسجد يبني نفوس المؤمنين . لذلك المؤمنون في مساجدهم كالسمك في الماء ، والمؤمن يحب الله ، ومن فروع محبة الله محبة المساجد ، فهو يرتاح في المسجد ، ولما يصلي . إذا سافرت إلى بلد ، ودخلت إلى مسجد تقضي حاجة ، ثم تتوضأ ، وتصلي فإنك تستريح راحة كبيرة جداً . كتعريف دقيق : كان المسجد معهداً لإعداد الرجال ، وبناء المجتمع ، فكيف تبني بناء من أساس ، الطابق الأول ، الثاني ، لبنة ، لبنة ، دعامة ، دعامة ، المسجد يبني المؤمنين ، يبني عقيدتهم ، يبني منهجهم ، يبني نفوسهم ، يبني تصوراتهم ، يبني آمالهم . كان مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم دار عبادة ، ومجلس شورى ، ومعهد علم ، وتعليم ، وتربية ، ومجلس ضيافة ، يأتي ضيف إلى المسجد ، ومكان حوار بين الأطراف مع الوفود القادمة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ، ومأوى للمهاجرين ، ومصنعاً للأبطال ، وحبساً للأسرى ، ومجلس دعوة إلى الله ، إلى غير ذلك من المهمات الجليلة . هذه المهمات الجليلة في آخر الزمان مُسخت إلى أداء الصلوات فقط ، وهو في الحقيقة مجلس شورى ، مدرسة تعليم ، بناء أمة ، تدريب ، حوار ، استقبال ضيوف ، مأوى للفقراء ، في أجنحة تابعة للمسجد . وإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام قدوة ومثلاً أعلى في بنائه ، ووضع أساسه وتحديد قبلته ، فهو في الوقت نفسه القدوة والمثل الأعلى للمسلمين في القول ، والعمل والسلوك ، كان بنفسه يبني المسجد . بالمناسبة : بناء المسجد وسام شرف ، وأذكر عالما كبيرا من علماء مصر كان مقيما في مكة المكرمة وقت توسعة الحرم ، حدث عن نفسه فقال : عمل أياماً طويلة وشهوراً في نقل التراب من مكان إلى مكان ، على علو قدره ، لأن بناء المسجد وسام شرف للمؤمن . . خدّام المساجد تحفِّزهم هذه الآية حفزاً لا يعقل . . بيتُ النبي وحجراتُ أزواجه كانت بجوار المسجد : وكان بناء حجراته وسكناه بجوار المسجد ، أنا أرى البيت المجاور للمسجد له ميزة كبيرة جداً ، تستمع إلى الأذان ، وللصلوات الخمس ، فتبادر إلى الصلاة في المسجد ، وأنت جار المسجد ، وصلاة الجماعة تعدل صلاة الفرد بـ 27 ضعفا ، وأنا أتمنى إذا اشترى إنسان بيتا أن يلحظ أن يكون قريباً من المسجد . لذلك كان عليه الصلاة والسلام حجراته وسكانه بجوار المسجد ، وبابه مشرّع إليه ، ويعجبني كثيراً أن يبنى المسجد ومعه بيت للإمام ، وللخادم ، ولما تؤمِّن للإنسان بيتا فإنه يستقر ، والآن مساجد عديدة فيها بيت للخادم والإمام ، وما دام المسجد في مركز المدينة فالنبي عليه الصلاة والسلام كانت بيوته حول المسجد ، وهي في وسط المدينة . بعض العلماء يحرصون على أن تكون بيوتهم في مركز معقول ، أحيانا يختار مكانا بعيدا جداً مريحا ، لكنه بعيد عن حاجات الناس . فحجرات النبي عليه الصلاة والسلام تسهل لقاء الناس معه ، وسؤالهم إياه وتعاونهم ، وتظافرهم حوله ، ومعه ، وبه ، فكانوا كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا ، لكن حدث تطور جديد : لما توسعت المدينة وامتدت ، والأطفال يصعب عليهم أن يأتوا إلى المسجد أمر النبي بإنشاء مساجد في أطراف المدينة ، هذه حاجة ، فهناك مسجد مركزي ، ومساجد للأطفال وللضعفاء ، وللمتقدمين في السن ، هذه المساجد قريبة من بيوتهم . لابد من توسيع رسالة المسجد : أنا أفرح أشد الفرح حينما أرى في معظم المساجد معاهد تحفيظ قرآن للأطفال في الصيف يتعلمون القرآن ، ويكون مأوى لهم ، والعطلة الصيفية مشكلة كبيرة لأسرة لا ينضبط أبناؤها . والله مرة سافرت إلى بلدة في الشرق ، دخلت إلى المسجد فلم أجد مكانا ، كل الحاضرين صغار يتعلمون القرآن الكريم ، الآن بعض المعاهد تستغل الوقت فتقيم معهدا صباحيا ثانويا ، ومعه توقيت مسائي للجامعيين ، ففي النهار هذه القاعة للصف السادس الشرعي ، ومساء هذه القاعة لاختصاص الشريعة والقانون ، فلما نستخدم البناء مرتين فهذا نوع من الاستغلال للبناء ، أنا أتمنى أن يوظف المسجد في وظائف لا تعد ولا تحصى . الآن مكتبة مثلاً ، الكتب غالية ، فإذا وُحِدت مكتبة في المسجد فهذا شيء جميل ، أحياناً مستوصف ، الآن بعض المساجد معها مستوصف ، المحسنون يؤسسون هذا المستوصف فيه أطباء للمعالجة العامة ، ومعالجة داخلية ، وقلبية ، وجلدية ، فيه أجهزة ، فيه أدوات ، فيه موظفون ، فصار المسجد فيه مكتبة ، ومستوصف ، و مدرسة ، وملحق معه معهد ، وجمعية خيرية ، ومكان للدعوة ، ومكان للقاءات ، ومكان للحوار ، ومكان للضيوف ، هذا الذي أتمناه أن يستعيد المسجد دوره القديم ، لأن وظائف المسجد لا تعد ولا تحصى ، وهي كثيرة جداً . لكن بالمناسبة ، لو أن قرية فيها ثلاثة مساجد ، أحد المساجد يتسع لكل أبناء القرية من أجل وحدة الشمل ، لا يجوز أن تكون صلاة الجمعة إلا في مسجد واحد ، إذا كان أحد المساجد يستوعب أهل القرية كلهم ، إذاً : الصلاة صحيحة في واحد ، وغير هذا الواحد الصلاة غير صحيحة . لذلك قالوا كقاعدة : الجمعة لمن سبق ، يعني أول مسجد تقام فيه الجمعة فيه الصلاة صحيحة ، أما الآن دمشق فيها خمسة ملايين ونصف مليون ، ولا يوجد جامع يمكن أن يستوعبهم ، إذاً : جميع المساجد صلاة الجمعة فيها صحيحة ، فلا حاجة أن نصلي الظهر ، والسادة الشافعية يصلون الظهر احتياطاً . الجانب الشكلي في المسجد النبوي : وكان المسلمون يستنيرون ليلاً بإشعال سعف النخل في مؤخرة المساجد ، سبحان الله مفارقة حادة ، المساجد كبيرة ، مزدانة ، مزخرفة ، مدفأة شتاء ، مكيفة صيفاً ، فيها إنارة ، فيها ثريات ، فيها منابر ، فيها أماكن تدريس ، فيها أبهاء ، فيها صحن كبير ، والمسلمون يغزون في عقر دارهم . قديماً كان المسجد أرضه من البحص ، وسقفه من سعف النخيل ، وقد حدثني أحد الإخوة الكرام أن المسجد النبوي الروضة فيه خضراء ، والمسجد الحالي يغطي مساحة المدينة المنورة كلها ، أي إن حدود المسجد الحالي حدود المدينة في عهد رسول الله كلها ، والروضة الشريفة مع المحراب ، مع السواري ، هذه مساحة المسجد في عهد رسول الله ، فالعبرة بالقلوب المؤمنة ، لا بالثريات المتألقة . تميم الداري كان في الشام فاشترى قناديل وحبالا ، وجاء إلى المسجد النبوي ، وعلق القناديل بالحبال ، وأشعل القناديل ، ثم دخل النبي عليه الصلاة والسلام فسرَّ بهذه القناديل سروراً عظيماً ، وسأل : من فعل هذا ؟ قالوا : تميم الداري ، فأثنى عليه ثناء كبيراً . لذلك خدمة المسجد شرف كبير ، تروي روايات أن المسجد النبوي الشريف استغرق بناءه سبعة أشهر ، والنبي عليه الصلاة والسلام يسكن في دار أبي أبوب الأنصاري ، ثم نقل سكنه إلى حجرتي سوده بنت زمعة وعائشة زوجتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن ثمّ بنيت باقي الحجرات تباعاً . أنا أتمنى أن يكون المسجد مكان عبادة أولاً ، ومكان تدريس ثانياً ، ومكان لقاء ثالثاً ، ومكان حوار رابعاً ، وفيه مكتبة ، وفيه مستوصف ، وفيه مدرسة ، وفيه مرافق كثيرة ، فلعل الله سبحانه وتعالى يعيد لنا مجد المساجد ، وقد قال عليه الصلاة والسلام : (( خير البقاع المساجد ، وشرها الأسواق )) . [ الجامع الصغير عن ابن عمر بسند حسن ] أضرب مثلا : قد يأتي الإنسان مع زوجته إلى المسجد ، هي في قسم النساء ، وهو في قسم الرجال ، يستمعون إلى موضوع في العلاقات الزوجية ، فتزداد معرفة بقدر زوجها ، ويزداد اتباعاً لوصية النبي في النساء ، يذهبان إلى البيت ، كل طرف يبالغ في خدمة الطرف الآخر ، فتنشأ المودة بينهما ، ولو أن الزوج وزوجته ذهبا إلى السوق ، وأعجبتها قطعة ثياب ، وثمنها باهظ ، فرفض الزوج لنشب خلاف بينهما ، من هنا قال عليه الصلاة والسلام : (( خير البقاع المساجد ، وشرها الأسواق )) . نصحت أخا ذهب إلى بريطانية ، قال لي : ماذا أفعل ؟ نصحته أن يستأجر بيتاً إلى جانب مركز إسلاميي ، قال : لمَ ؟ قلت له : أولاً الإنسان قوي بأخيه ، وفي المركز تتعرف إلى إخوة مؤمنين ، والرفيق المؤمن في السفر مهم جداً . مرة التقيت بأب أرسل ابنه إلى بلد غربي للدراسة ، وأصر الأب على تزويج ابنه قبل أن يذهب ، فقال لي : هذا الشاب الطبيب الآن قال لي : أمضيت سنوات سبعا في هذا البلد ، وإلى جانبي زوجتي ، وكأنني في حصن حصين . التأريخ الإسلامي بدأ بالهجرة النبوية : أيها الإخوة ، الآن ابتداء التأريخ الإسلامي من الهجرة النبوية ، أمر النبي عليه الصلاة والسلام بالتأريخ ، فكتب من حين الهجرة في ربيع الأول ، قال أبو جعفر : " فذكرى أنهم كانوا يؤرخون بالشهر والشهرين من مقدمه إلى أن تمت السنة " . وعن سهل بن سعد قال : << وما أصاب الناس العدد ما عدوا من مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا من وفاته ، ولا عدوا من مقدمه إلى المدينة >> . الإسلام حركة : لكن لماذا لا يبدأ التأريخ من بعثة النبي ، أو من ولادة النبي ، أو من موت النبي عليه الصلاة والسلام ، الهجرة حركة ، والمؤمن متحرك ، وقيمة المؤمن بحركته وبعمله ، فميلادك لا يعني شيئاً ، والوفاة لا تعني شيئاً ، أما الهجرة فتعني كل شيء ، تعني إنسانا تحول من بلد يعصى الله فيه إلى بلد يعبد الله فيه ، . وفي التأريخ الإسلامي عدّ شهر المحرم رأس السنة ، فعن عبيد بن عمر قال : " إن المحرم شهر الله عز وجل وهو رأس السنة فيه يكسى البيت ، ويؤرخ التاريخ ، ويضرب فيه الورق ، أي النقد ، وفيه تاب قوم فتاب الله عز وجل عليهم " . إذاً : أيها الإخوة ، لأن الإسلام حركة ، ولأنه عمل ، لذلك بدأ التأريخ الإسلامي من هجرة النبي عليه الصلاة والسلام . الدعوة الإسلامية بعد الهجرة : الآن مع الدعوة الإسلامية بعد الهجرة : لم يمضِ على عودة أصحاب البيعة الثانية وقت طويل حتى انتشر الإسلام في دُورِ الأنصار ، فلم يخلُ بيت من بيوتهم من مسلم ، أو من يتحدث بحديث الإسلام ، والأنصار يتوالون في الانضمام إلى الركب الإسلامي تباعاً ، ولم يبقَ منهم أحد خارج دائرة الإسلام بعد هزيمة الأحزاب ، أي أن أقلّ من خمس سنوات كان الزمن الذي عاشته الدعوة الإسلامية ما بين الهجرة وشمول الإسلام كل الأنصار . 1 – من إسقاطات المرحلة المدنية على واقعنا اليومي : مثلاً : يأتي شاب إلى المسجد فيطرب أشد الطرب ، يفرح ، ينتشي ، يتوب إلى الله ، يقبل عليه ، يشتهي ملاقاة أخيه ، ويدعوه إلى بيته ، يشتهي ملاقاة ابن عمه ، وملاقاة ابن خاله ، كان شاباً واحداً فأصبح بعد حين جمعاً غفيراً . أعرف أخا من إخواننا أمّن مئة شريط للدروس ، بدأ يوزعها على أقربائه ، لكنه توزيع دقيق يسجل ، يعطي الشريط ويقول لصاحبه : اسمعه ، وبعد يومين سآتي لآخذه ، هذه المئة شريط خلال ستة أشهر جعل عددا كبيرا من أقربائه من رواد المسجد ، ومن طلاب العلم ، وقد أكرمهم الله بالهداية ، فالإسلام حركة أيها الإخوة . وكان من المظاهرة المثيرة للانتباه هذا الانتشار السريع ، بل والذي حمل معه ألوان الأخوّة والتضحية الشيء الذي لا يكاد يصدق ، الأنصار عرضوا على المهاجرين نصف ممتلكاتهم ، نصف بساتينهم ، عنده دكانان يقول له : خذ واحدا ، عنده بيتان ، خذ واحداً ، ولم يسجل التاريخ أن مهاجراً أخذ من أنصاري شيئاً ، الأوائل كرماء ، والمهاجرون أعفة . الصحابي الجليل الغني عبد الرحمن بن عوف آخاه النبي مع سعد بن الربيع أعطاه دكاناً ، أعطاه مالاً ، قال له : بارك الله بمالك ، ولكن دلني على السوق . الآن ماذا يحصل ؟ يكون المستشفى الحكومية أسعاره رمزية لفقراء المسلمين ، فيأتيها الأغنياء ليجروا عمليات بأسعار مخفضة ، أنا أتألم ، هذه ليست لكم ، أنتم أغنياء ، دعوها للفقراء . كان قديماً الأنصاري يعرض على المهاجر بيتاً ، أو مالاً ، يقول له : << بارك الله لك في مالك ، ولكن دلني على السوق >> ، بقدر سخاء الأنصار عفة المهاجرين . أيها الإخوة الكرام ، ما لم نتأسَ بهذه السيرة ، وما لم تكن هذه السيرة منهجاً ، لأن النبي كما تعلمون أقواله تشريع ، وأفعاله تشريع ، وإقراره تشريع ، بل إن أفعاله يعدها بعض العلماء أصدق في التعبير عن فهمه لكتاب الله من أقواله ، لأن أقواله تخضع للتأويل أحياناً ، بينما أفعاله حدية ما لم تكن هذه السيرة منهجاً فلن نفلح أبدا . 2 – المسجد موضع الإكرام : أيها الإخوة ، أريد أن أبلغكم أن المسجد قوام حياة المسلمين ، وأن رواد المساجد هم عمّارها . (( إن بيوتي في أرضي المساجد ، وإن زواري فيها عمّارها ، فطوبى لعبد تطهر في بيته ، ثم زارني في بيتي ، فحق على المزور أن يكرم زائره )) . [ رواه الطبراني عن ابن مسعود ] . نحن جالسون على الأرض ، ليس هناك مقاعد وثيرة ولا ضيافة ، ولا كأس عصير ، ولا قطعة حلوى ، أين الإكرام ؟ الإكرام أنك حينما أتيت بيت الله حُق على الله أن يكرمك ، يكرمك بالتوفيق ، يكرمك بالحفظ ، يكرمك بالتأييد ، يكرمك بالنصر ، يؤتيك الحكمة . . . (( إن بيوتي في أرضي المساجد ، وإن زواري فيها عمّارها ، فطوبى لعبد تطهر في بيته ، ثم زارني في بيتي ، فحق على المزور أن يكرم زائره )) . عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلْيَقُلْ : اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ )) . [ مسلم ] يعني يا رب تجلَّ على قلبي ، سأصلي فتجلَّ على قلبي بالسكينة ، ألقِ في قلبي نوراً أرى به الحق حقاً والباطل باطلاً ، أما إذا خرج من المسجد له دعاء آخر : (( اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ )) . [ مسلم عن أبي أسيد ] يا رب ارزقني عملاً صالحاً في بيتي ، وفي الطريق ، وفي عملي ، يكون تجسيداً لفهم دينك ، ففي الدخول : ((اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ )) ، وفي الخروج : ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ )) . عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ ... وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ )) . [ متفق عليه ] . والحمد لله رب العالمين |
|
| الساعة الآن 15:04 |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات دفاتر © 1434- 2012 جميع المشاركات والمواضيع في منتدى دفاتر لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة المنتدى بل تمثل وجهة نظر كاتبها