![]() |
ولادة صبي
لم يمض على وفاة زوجها سوى ثلاثة أشهر وبضعة أيام....لا زال قلبها مكلوما بلوعة البين و الفراق...ولازالت مشاعرها دامية من حر الصدمة..كانت جالسة في بيتها المتواضع سابحة في تفكير عميق والدموع من عينيها تصب كالشلال....
وبجانبها جلست حماتها مى رحمة تئن وترثي ابنها الوحيد الذي مات شهيدا ولم يبلغ ربيعه الرابع والعشرين..أُعدِمَ داخل الاسر رميا بالرصاص... دفاعا عن الوطن...مات وترك أمه مى رحمة وزوجته لطيفة وهي حبلى.... نعم ..إن لطيفة حامل في شهرها التاسع..وأوشكت على الوضع...وليس بالبيت أية إشارة لاستقبال المولود الجديد كما تفعل الأسر والعائلات...لم تُهَيأْ الحلويات..ولم تشترى الهدايا والملابس...ولم تكتب لوائح المدعوين لاستدعائهم بعد الولادة...ولم تحرر لائحة الأسماء لاختيار اسم المولود الذي سيرى النور قريبا... لقد كانت لطيفة وحماتها مى رحمة تعيشان حياة بسيطة...وكانتا تعتمدان بعد الله علىمنحة شهرية يرسلها زوجها الجندي...لكنه مات..وبموته انقطعت رسائله...وانقطعت أخباره ...وانقطعت المنحة...وفي ذلك كانت تفكر وأطالت التفكير وشرد ذهنها.ولم تستفق إلا بضربات الجنين في بطنها..وقد ازدادت ضرباته معلنا رغبته في الخروج إلى هذه الدنيا...تلك الدنيا التي سئمتها لطيفة وكرهتها.. اشتد الألم على لطيفة..وعلا صراخها..وحضرت بعض الجارات..وكلهن فقيرات..واستدعيت القابلة.. عانت المسكينة الأَمرين...ورأت أنواع العذاب..وذاقت أنواع الآلام...وبكت وابكت الحاضرات .وتناقشن في شأنها لنقلها إلى المستوصف خارج البلدة..لكن اليد قصيرة..قصيرة جدا جدا..فهي لا تملك شيئا..ولم يترك لها زوجها الشهيد أي شيء...ولم تتلق أي شيء من الجهات الرسمية...ولم ترث أي شيء عن والديها...ما عدا ما كان يجود به بعض الجيران والجارات من طعام لا غير... اشتد الألم على لطيفة..وخيم الخوف على المكان..وطلبت القابلة من إحدى النساء مساعدتها... خصوصا وأن المرأة لازالت صغيرة..فهي لم تتم عامها الثامن عشر...الموقف صعب..والوضع عسير..بل جد عسير..لذا طلبت القابلة من الحاضرات الدعاء والتوجه إلى الله ؛ والصلاة على الحبيب المصطفى..عسى الله أن يجعل مخرجا... وفي ساعة ربانية..ساعة مملوءة بالإيمان...توجهت القلوب إلى الله والعيون دامعة..ورُفِعَت الأكف إلى السماء والجوارح خاشعة مبتهلة..وكثرت الصلاة على الرسول الكريم..وقرأت بعض النسوة سورا قرآنية ...وصلت إحداهن ركعتين في خشوع وطلبت الله... والله حي لا يموت ؛وجواد كريم..فقد جاء الفرج من عند الله ..وولدت لطيفة ...وحمدت القابلة الله...وحمدت النساء بعدها..وكبرن وسبحن وهللن وحمدن الله.وجففن دموعهن..ولُف المولود في قطعة قماش قديم ؛ونام بجانب والدته على حصير...وبجانبهما أشعلت الجدة شمعة...لأن الشمس قد مالت جهة المغيب ...وبدأ الظلام يسدل أستاره... وأحضرت إحدى الجارات إبريق شاي وبيضتين وكسرة خبز وقليل من الزيت والزيتون..وغادرت النساء المنزل.. وفي الليل؛استيقظت لطيفة وقبلت ابنها ورأته على ضوء الشمعة الباهت ؛ وقدمت له تديها وأرضعته حليبا دافئا جميلا ذا طعم رفيع ليس له مثيل..وأغمض الصبي عينيه ونام بين أحضان والدته وقبلته وهي تدرف الدموع..ونامت وهي تعانق وليدها.. وفي الصباح..أحضرت بعض النسوة وجبة الفطور؛ وأدخلتهم الجدة إلى البيت مرحبة بهم..وحملت إحداهن الصبي من بين دراع أمه قصد تغيير القماط وإلباسه كسوة صغيرة أحضرتها معها..وبعد هنيهة ؛نادت الجدة على لطيفة لتستيقظ من النوم لتشارك الجارات وجبة الفطور؛لكن لطيفة كانت تسبح في نوم عميق...لقد فارقت الحياة...تاركة وليدها في يد الله.... وفي منتصف النهار؛حُملت لطيفة إلى المقبرة في حشد جنائزي لا يتعدى ستة أفراد؛ووراءهم امرأتان إحداهما تحمل صبيا حديث الولادة...صبي كُتِبَ له الشقاء منذ اليوم الأول في حياته...لم يذق طعم الأبوة ولا حنان الأمومة...وحُفِرَ القبر...ووُورِي جثمانها التراب..وبكت الجدة كثيرا...وبكى معها الفقراء...ورجعوا إلى المنزل في صمت..واجتمعوا قليلا تحت ظل شجرة قرب المنزل..وشربوا الماء...وغادروا المنزل..وتركوا الجدة وحيدة تبكي وحفيدها بين يديها يبكي من ألم الجوع...وضعت الجدة يدها على ثديها لكن الثدي جافة...وسمعت إحدى الجارات بكاء الطفل فتسللت وأرضعت الصبي حتى شبع ونام..وبكت مع الجدة ووعدتها أن تتكفل بإرضاعه مع ابنها في سبيل الله... وفي يوم سابعه ؛ لم توزع الحلويات وأكواب الشاي..ولم تُقدم صحون الدجاج واللحم..ولم يظهر أي أثرلأنواع الفواكه والمشروبات ..ولم تسمع موسيقى عبر الأبواق..وإنما تجمعت بعض النسوة حول صحن من الكسكس جادت عليهن به مرضعة اليتيم ؛وأكلن منه ؛وترحمن على لطيفة ؛وأدرفن بعض الدموع.. ثم توجهت المرأة المرضعة نحو الطفل وأرضعته ؛وأخذت عهدا أمام النساء أن تتكفل بإرضاعه ما دامت حية...وأوفت بوعدها ؛وكثر لبنها وأصبح مدرارا لا ينضب...وزاد رزقها...وبقيت ترضعه حتى بلغ الفطام...وشب الصبي في كنف جدته الفقيرة... واختارت ياسر اسما له تنفيذا لوصية والده... رحمك الله يا لطيفة ...يا زوجة الشهيد.... ولك الله أيها اليتيم... يا ابن الشهيد....يا ياسر.... و أنتم أيها الفقراء المساكين... لكم الله... |
قصة جد مؤثرة كجزئها الاول, اسلوب راق وتمكن بين من تقنيات السرد..وفقك الله وجاد عليك من خيراته.
تحيتي وتقديري اخوك زياد |
اقتباس:
فعلا واقعنا مملوء بالمتناقضات... أشكرك مرة ثانية على المرور |
تملك يا أخي نفسا سرديا بإمكانك أن تقتحم من خلاله الرواية وخاصة أن هذه الفكرة مفتوحة على آفاق محتملة يمكن الاسترسال في خطها..
على كل عناصر القصة متواجدة فيها من التشويق ما يشد القارئ لكن يستحسن الاهتمام بعنصر الدهشة حتى نكسر أفق توقعات القارئ لا أرى موجبا لوجود الجمل الدعائية الأخيرة لأنها أنقصت من حرارة النص... مودتي التي لا تبلى |
اقتباس:
شكرا مرة أخرى... مودتي واحترامي... |
| الساعة الآن 01:18 |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات دفاتر © 1434- 2012 جميع المشاركات والمواضيع في منتدى دفاتر لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة المنتدى بل تمثل وجهة نظر كاتبها