![]() |
ما هي مفسدات العمل الصالح ؟
ما هي مفسدات العمل الصالح ؟ منقول مُبطلات العمل الصالح ، ومنقّـياته من الشوائب التي تخالطهُ أو تطرأ عليه ، أي كيف نصفِّيه من الأشياء التي تعلق به ؟ أنّ الله لا يقبل من الأعمال إلاّ ما كان خالصاً ، فإذا لم يلتفت أحدنا إلى عمله فينقِّيه من الشوائب المفسـدة ، فقد يصبح كالماء الذي فيه شيءٌ من القاذورات ، وإذا تركه دون تصفية فقد يتحوّل إلى ماء آسن . وإليكم الآن أهم المفسدات التي تُخرج ماء أعمالنا من صفائه ونقائه : ( المنّة) مُفسدة للعمل الصالح ، لأ نّك إذا افتخرتَ بالعمل على الله وعلى الناس فإنّك بذلك تُبطله ، وفي التنزيل العزيز : (يا أيّها الّذينَ آمنوا لا تُبطلوا صدقاتكم بالمنِّ والأذى )(27) ، فالمنّة هي أن تؤذي مَن عملتَ له بأن تعتـبر عملك فخراً تفتخر به عليه ممّا يجرح مشاعره وكرامته ، ولذا فقد استنكر القرآن على الممتنِّين منّتهم سواء في منِّهم بإسلامهم (يمنّونَ عليكَ أن أسلموا قُل لا تمنّوا عليَّ إسلامكم بل الله يمنّ عليكم أن هداكم للايمان )(28) . أو فيما أنفقوا في خدمة الاسلام : (يقول أهلكتُ مالاً لُبداً) (29) ، أي يستكثرون عطاءهم للاسلام ويفاخرون به في كلّ وقت ، وينسون أنّ الله سبحانه وتعالى هو الذي منّ عليهـم بما هـداهم للايمـان ، وبما أنعم عليهم من أمـوال جعلهم مستخلفين فيها ، وبالتالي فهو الذي وفّقهم للعمل الصالح . إنّ للمنّة ـ كما تلاحظون ـ سلبيّتين كبيرتين : في إحباطها للعمل وإبطاله في الآخرة من جهة ، وبما تُسبِّبه من أذى فيمن تمنّ عليهم من جهة أخرى ، ولذا فإنّ الله يريد للعمل الصالح أن يكون خالياً من أي أذى نفسيّ أو جسديّ للآخرين ، وأن يكون خالياً من الفخر على الله . (التباهي) بالعمل الصالح مفسد آخر ، وهو أخو المنّة ، فكأنّني وأنا أقوم بالعمل الصالح أقول للآخرين أنا أفضل وأقرب منكم إلى الله، وأنّني أهل الصلاح والتقوى، وهو نوع من أنواع الإعجاب بالعمل ومراءاة الناس ، وقد ورد في بعض الأحاديـث أ نّه «لولا العجب من المؤمن لقبل عمله كلّه» . (التكاثر) صفة أخرى من صفات المنّة ، وهو أن تحصي أعمالك وتكاثر بها أعمال الآخرين لتبـدو أكثر عملاً في مجال المقارنة بين ما تعطيه وما يعطونه ، وحينما ترجح كفّتك تتصوّر أنّ موقعك عند الله أكبر ، وبالتالي فإنّ استحقاقك عليه أكثر ، يقول تعالى : (ولا تمنن تستكثر )(30) . ( الشرك) في العمل محبط ومفسـد له ، ودعوني أضرب لكم في ذلك مثلاً ، فأنتَ حينما تقول للطبيب المعالج : «لولا أنت لهلكتُ» ، فإنّما تُشرِك بالله أحداً غيره ، لأنّ الله سبحانه وتعالى هو المعافي وهو المشافي (وإذا مرضتُ فهو يشفين )(31) . ولذلك فإنّ الطريقة الصحيحة في ذلك هي أن تقول للطبيب : «لولا أن منّ الله بكَ عليَّ لهلكتُ» ، فهي منّة الله وفضله ونعمته على المريض أن رزقه طبيباً عرف مرضه ، وقدّم له العلاج المناسب ، فتماثل للشفاء . وهذا هو قوله تعالى: (وما يؤمن أكثرهم بالله إلاّ وهم مُشركون )(32). (الوهم) مفسد آخر للعمل ، وهو الذي سبقَ أن حدّثتكم عنه ، وهو أن يظنّ بعض الناس أنّ بينهم وبين الله تعالى قرابة ، وبذلك فهو يعفو عنهم ولايحمِّلهم المسؤوليات والتبعات التي حمّلها الآخرين . وقد وصف الله تعالى بعض اليهود والنصارى بالقول : (وقالوا لن يدخل الجنّة إلاّ مَن كان هوداً أو نصارى )(33)، كما وصف بعض اليهود الغارقين في أحلامهـم وأمنـياتهم بالقـول : (قالوا لن تمسّـنا النّار إلاّ أيّاماً معدودات )(34) . إنّها أماني وأوهام كاذبة ، فمثلُ الواهمين كمثل ابن نوح الذي دعاهُ إلى ركوب السفينة فأبى واستكبر قائلاً : (سآوي إلى جبل يعصمني من الماء )(35) ، وقد غرق وكان من المهلكين ، ولذا فقد وصف الله تعالى عمله بأ نّه (عمل غير صالح) ، في قوله تعالى : (قال يا نوح إنّه ليس من أهلِكَ إنّه عمل غير صالح )(36). كما أنّ الكفر والنفاق والصدّ عن سبيل الله بإطاعة غيره مُبطلات للعمل : (وأطيعوا الله وأطيعوا الرّسول ولا تُبطلوا أعمالكم)(37). الأساليب التي بواسطتها يمكن تنقية العمل الصالح ممّا علق به من شوائب . أنّ أكبر وأعظم منقٍّ للعمل هو أن نجعل أعمالنا خالصة لله ، حسب تعريفنا للعمل الصالح . هذا هو الإطار العام ، ولكن كيف السبيل إليه ؟ لقد تبيّن من خلال تعريف العمل الصالح أ نّه العمل الذي يُراد به وجه الله أي رضاه سبحانه وتعالى ، ورضا الله لا يتحقّق إلاّ من خلال معرفة الله . فإذا عرفنا الله جيِّداً تمكنّا من أن نعيش الاخلاص له ونتّقيه في الخلوات ، ونصدق معه في المواقف ، تماماً كما لو عرفنا حقّ الوالدين أو حقّ الأصدقاء علينا وأدّينا لهم حقوقهم . وقبل أن نتمـثّل ذلك ببعض الأمثـلة لنتعرّف على بعض الاُمور المتعلِّقة بالله سبحانه وتعالى : ـ فهو الذي هدانا إلى صالح الأعـمال ، أي لولاه لم نعرف ما هو العمل الصالح ، وما هو العمل غير الصالح . ـ وهو الذي منحنا القدرات الكافية على القيام بهذا العمل من صحّة وعقل وإرادة وشريعة هي منهاج للصالحين . ـ وهو الذي يراقبنا في أداء أعمالنا (وقُل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون )(38) . ـ وهو الذي يحاسـبنا في غد (أي في يوم القـيامة) على أعمالنا ويجازينا عليها إن خيراً فخير وإن شرّاً فشرّ . فإذا عرفنا ذلك ، فإنّ علينا أن نصبّ اهتمامنا على إنجاز العمل الصادق المخلص حتى ولو كان قليلاً أو صغيراً ، ففي الحديث «لا يقلّ عمل مع التقوى وهل يقلّ عملٌ يُتقبّل» . فقد يكون كلمة طيِّبة تطلقها وأنتَ تستحضر رضا الله فيها ، وإذا بها تفعل فعل السحر في النفوس بحيث تقلب إنساناً من وضع إلى وضع مختلف تماماً : فلقد مرّ الامام موسى بن جعـفر (عليه السلام) ذات يـوم على بيـت من بيوتات بغـداد وسمع أصوات الموسيقى والطّرب المنبعثة من داخله ، وإذا بجارية تخرج من ذلك البيت ، فيسألها الامام الكاظم (عليه السلام) : «ربّ هذا المنزل حرٌّ أم عبد ؟!» . فتجبيه : حرّ . فيقول : صدقتِ ، لو كان عبداً لاستحى من مولاه !! ونقلت الجارية إلى صاحب المنزل واسمه (بِشْر) قول الامام موسى بن جعـفر (عليه السلام) ، فخرج حافياً يركض خلفه ، وقد فعلت فيه تلك الكلمات فعلها حتى تابَ على يدي الامام (عليه السلام) من فعل المنكرات . هذا العمل الصالح الذي تحرّك بكلمة هادية ومؤثِّرة يُعدّ عملاً كبيراً وعظيماً عند الله ، فكما ورد عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) : «لئن يهدينّ الله بكَ رجلاً خير لك ممّا طلعت عليه الشّمس أو غربت» . ولذلك فإنّ تصفية العمل هي أشدّ من العمل نفسه ، ألا ترون أنّ هناك مَن يخلط عملاً صالحاً وآخر سيِّئاً ، كمَن يسرق من الأغنياء ليُساعد الفقراء ، وهو يحسب أ نّه يُحسن صنعاً ، في الوقت الذي نعرف أنّ مساعدة الفقراء عمل صالح إذا كان ابتغاء مرضاة الله ، ولكنّ السرقة عمل سيِّئ ، ولا يجوز شرعاً أن أتقرّب إلى الله بعمل صالح أصل إليه عن طريق المعصية ، فالهدف النظيف النبيل يحتاج إلى وسـيلة نظيفة نبيلة للوصول إليه . والله تعالى يحدِّثنا عن هؤلاء بقوله : (وآخرين اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيِّئاً )(39) . إنّ أفضل طريقة لتصفية العمل هو إجراء مقارنة بين ما يمكن أن يحصل عليه أحدنا من استحسان الناس وثنائهم الذي يشبه فقاقيع الصابون السريعة الانتفاخ السريعة الانفجار ، والتي تجعلنا نزهو وننتفخ لبرهة قصيرة ، وبين جزاء عظيم ومكافأة جزيلة لا أمدَ ولا نهايةَ لها ، فماذا يمكن أن نحصل من نتيجة هذه المقارنة ؟ ـ إنّ شكر الناس محدود قد لا يتعدّى الكلمات الطائرة في الهواء ، وفي أحسن الأحوال : شهادة تقدير أو مكافأة مالية أو ترقية ، أمّا إذا شكر الله سعينا ، وتقبّل أعمالنا الصالحة ، فلا يمكن أن نتصوّر حدود عطاياه لنا في الدنيا والآخرة . ـ إنّ رضا الناس غاية لا تُدرَك ، فهم يختلفون في تقدير العمل نفسه ، فمنهم مَن يرفع من قيمته ، ومنهم مَن يحطّ من قدره ، ومنهم مَن يبحث عن المساوئ والثغرات فلا يرى إلاّ العيوب ، ومنهم مَن يرى بعـين الرضا التي تخفي المسـاوئ ، فلا يرى عيـباً . أمّا في حساب الله وميزانه ، فالعمل الصالح له تقـديره الذي لا يتغيّر ولا يتأثّر ، أي أ نّه يسير ضمن قواعد ثابتة ، وليس عرضة للمزاج والأجواء المحيطة التي قد تبخس العمل ، أو تحسده ، أو تحقد على فاعله . مساكين أولئك الذين يبحـثون عن الثمن البسيط الزائل ويضحّون بالثمن الغالي الذي لا ينفد . وللأسف فإنّ الكثـير من الناس عبيد الدنـيا وهم بالآخرة زاهدون. |
| الساعة الآن 00:06 |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات دفاتر © 1434- 2012 جميع المشاركات والمواضيع في منتدى دفاتر لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة المنتدى بل تمثل وجهة نظر كاتبها