![]() |
الدعاء
ارتفع صوت المؤذن عالياً،مكبراً لصلاة العصر.تجلجل صوته القوي من مكبر الصوت ،وتراشقت بصداه تضاريس المنطقة الجبلية الوعرة.
إنه الصوت الفصل بين فترتين من فترات الحياة اليومية لأهل القرية ! أنهت النسوة الثلاثة أعمال البيت الكثيرة،فتقاطرن إلى غرفة الحماة،رفقة موقد الفحم الملتهب ،يلتمسن الدفء والأنس والراحة... تحلقن حول الحماة العجوزالمقعدة،وجلسن يخضبن يديها وقدميها بالحناء... هي العروس لا هن !!! عجوز أقعدها المرض،لكنه لم ينل من حسن ملامح وجهها ،ولا من حلاوة معشرها...لها من الأبناء خمسة . تزوج ثلاثة منهم فأصبحت زوجاتهم بناتها اللاتي لم تجد بهن رحمها !!! تبادلت الكنائن عبارات مازحة عن الحنكة ..والمهارة .. وسرعتهن في إنجاز الأعمال الموكلة إليهن،والحماة تمطرهن بسيل من الأدعية الطيبة :"الله يْبيض سعدك..الله يْفرشلك الرضى ويْغطيك بالرضى..الله يْكون مْنكم..." سعادة غامرة تعتريهن وهن ينلن المديح والثناء ،ومعهما صالح الدعاء. استرسلن في الحديث عن القرية وأخبارها،وعن ابنة "المعلم سلام "..البناء ،التي تسللت في جنح الظلام من بيت أبويها ولم يعرف لها سبيل و لا سبب للرحيل المفاجئ !! رددت الحماة كلاماً بصوت غير مسموع ،لكن الكنائن تعرفنه جيداً !! إنه تعليقها المعتاد على مواضيع كهذه:"الله يْدينا فْ الضوْ." ذات ليلة شتاء باردة،أفل نجم الحماة الطيبة،وأسلمت الروح لبارئها. انبعث الصراخ والعويل من جنبات البيت الكبير..تجمع الجيران،وانتشر الخبر كانتشار النار في الهشيم.ابلغ الحاضر الغائب. بدأت وفود الأهل والأقارب تصل منذ طلائع الفجر الأولى. صراخ وعويل من جديد..مؤشر على وصول قريب آخر ... انتظر الجميع وصول "السي احمد"-أصغر أبناء الفقيدة-من الجنوب. يناديه جل أفراد العائلة ب"السي احمد"تكريماً لجده الذي يحمل اسمه. اقترب الزوال ،والجثة هامدة ،مسجاة ،جاهزة للرحيل إلى مثواها الأخير.. التف حولها الأبناء والأحفاد و الإخوة وكل الأقارب ...يكتوون بلهيب الفراق.ولم يخف الرجال كما النساء سيول الدمع الحار. أذن العصر من جديد ،فتعالت -مع صوت الآذان- أصوات الكنائن :"أينك يا لَلا والوقت عصر ؟؟؟ آذان وعويل... انسل عبد السلام -الابن الأكبر-فجأة من وسط الكتلة البشريةالمتزاحمة حول الجثة.سحب هاتفه النقال من جيب سترته ،ثم تبادل التحية مع محدثه.بعدها صمت وشرد وكأنه صمت للأبد ! لن يتمكن "السي احمد"من الوصول اليوم،فالمواصلات تكاد تكون منعدمة بمنطقته النائية التي يقطنها . توسل المسكين ألا يسارعوا بدفنها حتى يجثو على صدرها الحنون ،ويلقي النظرة الأخيرة على محياها الحبيب .ثم وعد أخاه بأن يصل ولو مشياً على الأقدام !!! أزاح "عبد السلام" الهاتف عن مسمعه بعد أن عجز عن وعد أخيه بألا يدفن أمهما قبل وصوله..نداءات ينفطر لها الفؤاد،تنبعث من النقال:أمي ..انتظريني..انتظروني..أمي .. أمي..." كتمها عبد السلام بعدما دس هاتفه في جيب سترته... لم يعد ما يدعو للانتظار ونهار الشتاء قصير!!! حمل الرجال النعش على الأكتاف وساروا به يسرعون الخطى، فالشمس ستشرف على المغيب. اختلطت عبارات التوحيد بالصراخ والعويل..سبحان الله والحمد لله .../لا تتركينا ..أمي الحبيبة../ولا إله إلا الله ../أللا الحْنينة..يالساخْية بنا../والله أكبر..بسْلامة ..فْ الجنة نْتلاقاو إن شاء الله .../ولا حول ولا قوة إلا بالله... انطلق الموكب المهيب ،ولم يغفل المشيعون حمل الفوانيس لتنير لهم مكان القبر ثم طريق العودة بعد الدفن. اهنئي أيتها الأم الطيبة ،فقد سرت إلى مثواك الأخير ..فْ الضو... |
tres émouvant soeur saida
|
شكرا على المساهمة والتي ذكرتني الى حد بعيد برواية سبق لي قراءتها |
أمي ..انتظريني..انتظروني..أمي ..
أمي..." كتمها عبد السلام بعدما دس هاتفه في جيب سترته... مقطع مؤثر جدا ....اقشعر له بدني قصتك اختي سعاد جيدة بالتوفيق |
علو كعب أختنا سعيدة في الحكي القصصي أمر يبهرني شخصيا...أكيد الأخت الكريمة تمتاح متن حكيها من الواقع بتجلياته الدقيقة؛ لكن إعادة تشكيل المشهد وتحت ضغط وفرة الأحداث وفي حيز كتابي مختصر ؛ هذا كله جعل من الساردة قاصة بارعة وبدون مجاملة..
اختيارك للمواضيع الإجتماعية العابقة بنسمات الأسرة الكبيرة يجعل القارئ يفتح أفق تخيلاته بعيدا ولن يتاتى له ذلك الا على قد رمعارفه الإجتماعية السابقة....أما التوظيف الموفق لعالم اللسان المحلي فقد جعلك تؤسسين نوعا من البعد الجمالي للقراءة. ايقاعات إبداعك الجديد ؛ أختي سعيدة؛ تدل على قدرتك لبناء أكثر النصوص تميزا. |
| الساعة الآن 19:38 |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات دفاتر © 1434- 2012 جميع المشاركات والمواضيع في منتدى دفاتر لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة المنتدى بل تمثل وجهة نظر كاتبها