منتديات دفاتر التربوية التعليمية المغربية - عرض مشاركة واحدة - التواصل البيداغوجي: مفهومه – تقنياته * عوائقه
عرض مشاركة واحدة

nasser
:: مراقب عام ::

الصورة الرمزية nasser

تاريخ التسجيل: 26 - 1 - 2008
السكن: فاس
المشاركات: 77,045

nasser غير متواجد حالياً

نشاط [ nasser ]
معدل تقييم المستوى: 7953
متابعة
قديم 10-07-2015, 06:23 المشاركة 4   

2* استخدام عبارات فضفاضة ليست لها دلالات محددة٬ ويمكن أن يفهم بفهوم مختلفة تكون سببا في اختلاف المرجعية بين الباث
والمتلقي من ذلك عبارات : التقوى – الصدق – الصبر – القناعة – بر الوالدين – التكافل – التعاون – الإحسان. فبعض هذه الألفاظ قد
ضاقت دلالتها وانحصرت معانيها حتى فقد مضامينها الشرعية والحضارية٬ وبعضها قد اتسعت دلالاتها حتى أصبحت عبارات
فضفاضة ذات معاني رجراجة ليست لها حدود متفق عليها. وهذا النوع من الصعوبات كثيرا الحضور في دروس التربية والتفكير
الإسلامي لا يكاد يخلو منه درس٬ وهو ليس معيقا للتواصل البيداغوجي فقط٬ وإنما معيق للمادة كلها عن تحقيق الأبعاد الفكرية
والحضارية المرادة من غالب دروسها.
3* التعقيد والغموض٬ وهما يأتيان إما نتيجة للاكتفاء بالتلميح عن التصريح مثلما هو الحال عند الحديث عن موجبات الغسل٬ ونواقض
الوضوء في دروس العبادات من مادة للتربية الإسلامية. وإما نتيجة الإسهاب والتطويل حيث تشتمل الرسالة البيداغوجية على فائض
من الكلام أو من الرموز٬ لا تقتضيه مضامين الرسالة٬ وإنما يعالج مثل هذه العوائق بتحديد الكفايات الأساسية للدرس. وضبط حدود
المعارف الواجب الاكتفاء بها فيه حتى لا يكون هناك اختزال مخّل ولا تطويل ممّل.
4* الاكتفاء بالمعارف الجاهزة والحقائق الثابتة على حساب الأبعاد المنهجية والنتائج الحضارية مما يفضي إلى الغفلة عن تنمية
الملكات الذهنية٬ وإهمال الأهداف الحقيقية للدرس٬ وهي المتمثلة في ترقية المفاهيم والتصورات وتنمية النزوع إلى المرونة العقلية٬
ومنع المعارف الجاهزة والمسلّمات النقلية من أن تتحول إلى سلطة معرفية تفرض نفسها على الباث والمتلقي جميعا٬ تكّرس التبعية
والعلاقة العمودية وتمنع التواصل القائم على النشاط الذهني والحيوية.
وفي هذا السياق قد نجد أوضح مثال للواقع التربوي غير القويم في مجموع الدروس المتعلقة بمصادر التشريع الإسلامي من برنامج
الحضارة للسنة الأولى من التعليم الثانوي حيث ما يزال البعد الفقهي هو الغالب على دروس هذا المحور لدى الأغلبية الساحقة من
مدرسي مادة التفكير الإسلامي٬ فكثيرا ما ينسى هؤلاء الأساتذة أنهم يتعاملون مع دروس في الحضارة الإسلامية وليس مع مجرد
دروس فقه ومن ثم يغيّبون البعد الحضاري٬ ويجردون الدرس من المصطلحات الحضارية٬ بل كثيرا ما يغيّبون عبارة "حضارة"
نفسها ويكتفون بترديد المصطلحات الفقهية التقليدية مستعرضين المصادر الأساسية الأربعة ثم المصادر التكميلية ثم القواعد تشريعية
ثم خصائص الشريعة الإسلامية...الخ٬ فلا يكون في دروسهم ما يساعد على فتح الباب لاستحضار الأبعاد الحضارية للدرس٬ ولا
يكون في سلوكهم البيداغوجي ما يحفز التلاميذ ما يحفز التلاميذ على التواصل ويغريهم بالمشاركة.
وإنما تبعث الحيوية في مثل هذه الدروس بتجزئة الأسئلة وتفكيك المعاني ومساعدة التلاميذ على الاقتناع بأن مصادر التشريع
الإسلامي كانت في حياة الرسول عليه السلام مصدرين فقط لا ثالث لهما٬ هما القرآن والسنة المتمثلة في شخص الرسول ذاته٬ وأنه لم
يكن هناك مصدر للأحكام الملزمة غيرهما٬ فلما توفي الرسول انقطع الوحي واكتمل القرآن٬ وغالب المثال وهو شخص الرسول
واستمرت وقائع الحياة فاحتاج الناس إلى التماس مصادر جديدة للتشريع فكان الإجماع٬ وكان القياس٬ فلما تقدم الزمن واتسعت المساحة
الترابية للبلاد الإسلامية وتغيرت الظروف٬ وتفرق المسلمون شيعا ومذاهب٬ أصبح صعب المنال٬ وجّدت قضايا ومشاكل ليس فيها
نص ولا تقبل القياس فاحتاج الناس إلى مصادر تكميلية تكمل المصادر الأربعة في مواصلة مسيرة التشريع ومنع توقفه حتى يكون
مستجيبا لمشاغل الناس أينما كان زمانهم أو مكانهم.
إن مثل هذا المنهج يفتح الباب للأبعاد الحضارية حيث يرسخ في أذهان التلاميذ مبدأ تطوير التشريع فيقتنعون بأنه كلما تغيرت ظروف
الزمان والمكان وجب إثراء مصادر التشريع بمصادر جديدة لم تكن من قبل٬ ويثبّت في أذهانهم مبدأ حضاريا قائما على عدم توقّف
مسيرة التشريع٬ وعلى عدم كفاية الحلول الجاهزة٬ والأحكام الموروثة.
كذلك فإنه لا يكفي أن يعرف التلاميذ خصائص الشريعة الإسلامية (العموم والشمول والخاتمية وقابلية التطور ومسايرة الفطرة...الخ)
وإنما ينبغي أن يعرفوا مقتضيات كل خصوصية٬ من ذلك اقتضاء خصوصية العموم لمبدأ المرونة والتسامح والانفتاح على الآخر...الخ
عوائق منهجية :
يمكن تصنيف جملة العوائق المنهجية إلى ثلاثة أنواع رئيسية :
1* صعوبات مصدرها الوسائل المنهجية المعتمدة في تحقيق التواصل البيداغوجي٬ ويأتي في مقدمتها :
1*1 : عدم وضوح الأهداف وضبابية التصور للتأثيرات المراد إحداثها في المتلقي٬ وفي المثال السابق المتعلق بمصادر التشريع
الإسلامي ما يكفي لتوضيح خصوصيات هذا النوع من العوائق٬ حيث تصبح المعلومة المعرفية هدفا في حد ذاتها فينسى المربي ما
وراء المعلومات من اهداف منهجية٬ وأبعاد حضارية٬ وما ينبغي أن تساعد عليه تلك المعلومات من تغييرات يتحتم إحداثها في قدرات
المتعلم وملكاته الذهنية أو في خبرته ومهاراته العملية أو في ميوله وقواه الوجدانية.
1*2 : ضعف النقل البيداغوجي وإخفاق المربي في تحديد النوافذ الواجب فتحها في النص للوصول من خلالها إلى الأهداف الحيوية
في الدرس٬ ولنا في سورة "الحجرات" من برنامج السنة الثانية من التعليم الثانوي٬ والسنة التاسعة مثال جيد لبلورة ملامح هذا العائق
وتصور الكيفية الواجب احتذاؤها والنسخ على منوالها لبعث الحيوية في درس القرآني وتنشيط أذهان التلاميذ وتحقيق التواصل
البيداغوجي المنشود٬ ونكتفي لهذا العرض بالمقطع القرآني التالي : " يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا
خيرا منهم٬ ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن٬ ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب٬ بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان٬
ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون...الخ"
إن النسبة الغالبة من مدرسي مادة التربية والتفكير الإسلامي ما يزالون يكتفون في إنجاز هذا الدرس بشرح معنى السخرية٬ ومعنى
اللمز٬ والتنابز بالألقاب ثم يتبعونه ببعض المضامين الوعظية يحولون بها الدرس إلى درس أخلاق غير مقرر بالبرامج الرسمية٬
والحال أن النقل البيداغوجي السليم يقتضي التركيز على تنزيل هذا الدرس في إطاره من البرامج حيث يحرص على تحقيق الأبعاد
التي تتناسب مع محور الإصلاح في السنة الثانية من التعليم الثانوي٬ ومع محور الأخوة الإنسانية من برامج السنة التاسعة من التعليم
الأساسي٬ وهذا يقتضي منا فتح واحدة من ثلاث نوافذ على الأقل.
أ* الأولى نافذة الشروح اللغوية وفيها نستعيض عن شرح الألفاظ التفصيلية (السخرية٬ اللمز٬ التنابز بالألقاب) بشرح المعاني. واعتبار
مسميات الأسماء الثلاثة ضروبا من العنف اللفظي٬ ومطالبة التلاميذ بتنويع الأمثلة لهذا النوع من العنف٬ ثم نمر إلى دلالة الاقتضاء
المتمثلة في اقتضاء النهي عن العنف اللفظي رفض العنف المادي وتحريمه٬ وبذلك نكون قد حققنا بعدا منهجيا وبعدا حضاريا لا يمكن
التضحية بأي منهما في مثل هذا الدرس. ويبقى باب التوسع في استخراج مثل هذه المضامين مفتوحا٬ غير أن هذا البحث لا يتسع
لاستعراض نماذج أكثر.
ب*الثانية : نافذة استثمار الصيغ٬ ونكتفي منها باستثمار صيغة النكرة : "لا يسخر قوم من قوم ولا نساء من نساء" لنصل من خلالها
إلى مساعدة التلاميذ على إدراك ما تفيده النكرة هنا من عموم وإطلاق يستغرقان البشر جميعا بقطع النظر عن أديانهم ولغاتهم وعن
ألوانهم٬ وأعراقهم وطبقاتهم الاجتماعية٬ فهي لا تعني تحريم السخرية من المسلمين فقط وإنما تعني تحريم السخرية من البشر جميعا.
وما أروع القرآن إذ يحرم سب آلهة المشركين فيقول : "ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم ..." (سورة
الأنعام 108)
ج* .الثالثة : نافذة الأحكام : ويكفينا لها الوقوف عند قوله تعالى : "ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون" لنساعد تلاميذنا على إدراك ما يفتحه الاسلام من أبواب لقبول توبة المخطئين ....الخ و ما في ذلك من مرونة و تسامح و مراعاة لطبيعة الانسان.

الحمد لله رب العالمين