الذكرى التاسعة : رجل الثلج و المِجمر
=====================================
عندما يلمس الراشد الثلج بأنامله لأول مرة في حياته ، يُصبح كالطفل الصغير... هذا ما وقع لنا في أول يوم نشهد فيه تساقطات كثيفة للثلوج....فبعد توقفها و انقشاع الغيوم ، خرجنا كالطيور من أوكارها....جلسنا قرب باب المنزل على كراسي بئيسة نمتع بصرنا بالمنظر الخلاب الذي أبهرنا....صحيح أننا كنا نعاني من قساوة الظروف لكن كانت هناك لحظات تُضفي السعادة على قلوبنا ، من بينها الطبيعة و صدق أحد السياح الفرنسيين الذي زارنا يوما في الفرعية عندما قال لنا C’est un joli prison ....تلك السعادة جعلتنا ننسى أننا غرباء عن الدوار فأخذنا نلعب بالثلج ، نتراشق به كأطفال فرحين فتارة أحس بكرة على الوجه و أخرى أسمع صوت ارتطام كرتي على رأس أحدهما...صنعنا رجل ثلج كبير أمام الدار و في لحظة وجدنا بعض تلاميذنا متحلقين حولنا يُشاهدون في تعجب التمثال الثلجي...طلبوا منا تعليمهم فكان لهم ذلك ....كان زميلنا محمد السعدني الفنان الذي قام بذلك و أتذكر موقفا مضحكا حينما أراد أن يجلب جزرة من المطبخ لوضعها كأنف لرجل الثلج فقلت له مازحا : '' خلي عليك خيزو آ صاحبي راه غاتكون تقطعات الطريق و الخيزو ما تلقاه و لو كان فيه دواك .....'' لم أكن أدرك حينها أن ما قلته هو فعلا ما يقع في مثل تلك الدواوير....بينما نحن نلهو لم ننتبه لما يفعله السكان، فبعد توقفنا رأينا مشهدا غريبا....فوق كل منزل يوجد شخص أو شخصان أغلبهم نساء و في أيديهم مجارف كبيرة مصنوعة من الخشب يدفعون بها الثلوج عن سطوح المنازل...مسكننا تكلف به صاحبه و أزاح عنه الثلج...اشترينا في ذلك اليوم أحذية بلاستيكية طويلة ( البوط ) تبعا لنصيحة السكان و يا ليتني لم أشتريه...فحذائي كان سببا في انزلاقي مرارا في اليوم الموالي حيث تكون الجليد في مناطق متفرقة من الطريق نحو المدرسة لا تصلها الشمس...حل المساء فأصبحت أجسادنا تبرد شيئا فشيئا رغم ارتدائنا لملابس شتوية ، تحت الجوارب قم بلف القرطاس من أجل تدفئة أقدامنا التي كانت آخر عضو وصله الدفء....صدقوني إن قلت لكم أن البرد القارس يجعلك أحيانا تفقد التركيز....قررنا إشعال الفحم أنا وزميلي سعيد الذي كنت أشترك معه نفس الغرفة ، وضعنا المِجمر وسطها و أغلقنا الباب دون أن ننتبه إلى أن النوافذ محكمة الإغلاق...تحلقنا حوله مقربين أيدينا طلبا للدفء الذي استمتعنا بحلاوته التي لا يعرفها غير الذين عاشوا نفس اللحظات...تجاذبنا أطراف الحديث بيننا نحتسي شايا...بعد مدة تفطنا أننا قمنا بخطأ ، قمت بسرعة مخرجا المِجمر نحو المطبخ و رأسي ثقيل جدا ، أحسست بالدوار بعد رجوعي فوجدت زميلي ساقطا فوق فراشه يئن...سقطت قرب إحدى النوافذ التي مددت يدي لأفتحها ، دخل الهواء البارد الغرفة...زميلي كان أكثر تأثرا مني...يحرك شفاهه فقط قائلا لي أنه يحس بالرغبة في القيء....زحفت نحو المطبخ ، نعم زحفت على يدي و ركبتي لأجلب له كيسا...لحسن الحظ كانت قنينة من الماء في الغرفة...زميلنا في الغرفة الأخرى كان نائما و لم أفكر حينها في إيقاظه...استرجعت قواي و طلبت من زميلي النهوض ، لكنه كلما وقف يسقط فاختار النوم بعدما أعطيته قرصا مسكنا لألم الرأس....ليلتها تدثرنا بأربعة أغطية غليظة لكل واحد منا لأننا تركنا إحدى النوافذ الصغيرة مفتوحة خوفا من الموت.....
يتبع
محمد بوركع خريج كلميم 2004
https://www.facebook.com/medox.bourguaa