زيــــارة مــــنــعــشــة
تثاءب " الجيلالي " في تهالك ، و أسبل جفنيه لنعاس ثقيل يغالبه منذ ولوجه لقسمه ... ، تأمل ملامح تلاميذه اليقظة فازداد فتورا ، خطف نظرة من بين حطام نافذة " قسمه المسكن " مستقبلا أشعة شمس الظهيرة في تكاسل لذيذ و تعب مصطنع ... ، توجه بعينين نصف مغمضتين نحو تلاميذه من جديد فطالعته صورة ضبابية متحركة لأجسامهم الثابتة ... صرخ عاليا : " اثبتوا في أمكنتكم أيها الضفادع ، لا أريد سماع نقيقكم ... " اعتدل التلاميذ في أمكنتهم و صححوا من وضعيتهم المعتدلة بوضعية أعدل منها !
علـت في الخارج أصوات احتفالات فولكلورية و أهازيج فرق شعبية ... زغاريد و ضجة
" بنادير " و " طـعاريج " ... فـوضى صاخبة ... لم يقو " الجيلالي " على حمل نفسه لاستطلاع الأمر ، و لم يشأ أن يقطع حبل تفكيره في مواصفات عروسه ، و ملابسات يوم الدخلة ، و أجواء سنة العسل ... كان يقسم لأحد أصدقائه أيام التكوين انه سيختار شريكة مستقبله إمـا" إخـوانـية" أو " كاورية " و لم يكن ينو قط الارتباط بمعلمة أو موظفة ... ! بالرغم من تهافت أجملهن على مسح توحيمته ...
ازدادت ضوضاء الأهازيـج علوا ، و تـوالت الزغاريـد الواحدة تلو الأخرى ... تحامل " الجيلالي " على نفسه ، ووقف وقفة الثمل المريض مستندا على حافتي مكتبه . كان يعلم أن فترة الحملات الانتخابية قد انتهت،و أن الانتخابات أجريت و فاز بالمقعد البرلماني " مول الشكارة "
المشبوه ..، و كان يدرك أن جل شبان القرية قد هاجروا ، فمن تزوج من إذن ... ؟
انتصر فضوله على كسله ، جر ثقل عروق رجليه المصابتين بمرض " الدوالي " ... أطل من هيكل باب القسم ... رأى مفتش المنطقة و نائبها و مدير المركزية يتقدمون وفدا أوربيا أشقرا تجاهه مباشرة ، وقتها فقط أدرك أنه هو المقصود بالزيارة ...
استقبلهم بابتسامة مصطنعة ، و بذلة رياضية باهتة ، ووثائق عمل متآكلة. كانوا ستة أفراد؛ خمسة ذكور و أنثى ... لم يسبق " للجيلالي " ان عاين قوام أنثى منذ التحاقه أول يوم بفرعيته المسكن ... لم يعبأ بالزوار الآخرين ... و لا بشيخ الدوار ... و لا بكاميرا التلفزة ...و لا بعيون الأهالي ...
و لا بمشاعر " الجيلالية " ، فقط أثارته هي ... اقترب منها ، تأمل بنظرات شهية صـدرها الشـامخ ، و سبح بعينيه " المعمشتين " في أغوار عينيها الزرقاوتين ... مدت له تفاحة يدها لتحييه ، فصافحها من لحم ساعدها و ضاجعها بعينيه حالما ... ابتسمت الموفدة مستعذبة خفة دمه و يده ، في حين كادت نظرات المفتش الحسود تلتهمه ...
هبت ريح دافئة محملة بحبيبات رمل مدغدغة ... فاستقبل " الجيلالي " خصلات شعرالموفدة الأشقر الناعم على وجهه في سعادة حالمة... اخترقت رائحة عطرها النفاذ فجوتي أنفه فازداد خفقان قلبه ن و ارتفعت سرعة صبيبه الدموي ...
ابتلع " الجيلالي " لعابا مالحا كاد أن يسيل له من بين شفتيه ، و ابتسم في وجه الموفدة... تأملته في إعجاب صامت ، ورق قلبها لضمور عضلاته ، و احتلال توحيمة فحمية
شحمية مثيرة ، لنصف خده الأيسر ، جابت ببصرها بين مكوناته و مكونات " قسمه المسكن " ... سألته عن اسمه ، فرد بـصوت رخـيم زاده بحبحة و عذوبة و تأثيرا تلك الرواسب اللعابية العالقة بحنجرته : " جـيـ...ــلا...ــلـي " ابتسمت متعجبة و أردفت : " جي لا لي !!؟ أكوري الأصل أنت ؟ "
رد " الجيلالي " : بل عربي الأصل أنا ... ألا تعرفين مولا يعبد القادر الجيلالي سليل الـ... " قاطعته الموفدة معللة تساؤلها : - " لم أسمع في حياتي اسما عربيا بهذا الوقع و التقطع المثير ... سأناديك ب " جــي " موافق !... " و لم يوافق " الجيلالي " ... لم يوافق ، لأنه أصيب بعقدة تحريف اسمه منذ ولادته . فأمه أسمته " الجيلالي " بالرغم من أنف أبيه الذي كان يريد ان يسميه " جــلال " و معلمه كان يناديه بـ " الجويليلي " و أصدقاء الدراسة كانوا يلقبونه بـ " بـا جلول البوال ".
و ها هي ذي الآن تريد أن تناديه بـ " جي " ... ابتعدت عنه قليلا هذه المرة ، و سألته بدبلوماسية المفاوضين عما يعوز فصله من وسائل ، و تجهيزات ، و أدوات ، و عن العراقيل التي تعترض سير الدراسة بالعالم القروي ... اقترب " الجيلالي " منها حتى كاد أن يلتصق بها ، و همس لها بصوته المبحوح في أذنها : - " صدقيني ؛ كل شيء يعوزنا . أنا مثلا لا زلت أبحث عن نفسي ، و حتى إن استرسلت في عد ما يعوزني ، و ما يعوز التلاميذ ، و القسم ، و المدرسة ، فتأكدي أنني لن أنتهي من جرد المطالب حتى الغد . لهذا سأختصر عليك الطريق ... لن أطلب منك الشيء الكثير ... فقط سأطلب يدك ... موافقة ؟ " ووافقت الموفدة ... وافقت لأنها أصيبت بعقدة الزواج منذ صغرها ، فأمها لم تستطع أن تعين لها أبوها الحقيقي . و مدرسها انتحر بعدما اغتصبها ووعدها بالزواج ، و صديقها الموفد اعتذر لها عن الزواج بعدما اكتشف حقيقة نهدها الأيسر الاصطناعي ، فاختار له عروسا جميلة من " ايملشيل " و ها هي ذي الآن أمام طلب مغر بالزواج ...
و الوفد متأهب للانسحاب ارتعدت أوصال جدران القسم الهشة ... انسابت أتربة رملية على مظلاتهم تلتها كومة من الطوب الخشن ، هوت مباشرة على رأس الموفدة لترديها قتيلة ... و لتقتل معها أجمل أحلام " الجيلالي " .
اعتصر " الجيلالي " دهون توحيمته الشحمية ألما ... بكى ، وولول ، و لطم .... لكنه لم يكن يدري أن القدر يخفي له عروسا " كاورية " إخوانية " ...