منتديات دفاتر التربوية التعليمية المغربية - عرض مشاركة واحدة - هذا الجرثوم حسبته معلما
عرض مشاركة واحدة

الصورة الرمزية نورالدين شكردة
نورالدين شكردة
:: دفاتري ذهبي ::
تاريخ التسجيل: 1 - 9 - 2008
السكن: فاس
المشاركات: 2,701
معدل تقييم المستوى: 491
نورالدين شكردة يحمل عنوان الإبداعنورالدين شكردة يحمل عنوان الإبداعنورالدين شكردة يحمل عنوان الإبداعنورالدين شكردة يحمل عنوان الإبداعنورالدين شكردة يحمل عنوان الإبداع
نورالدين شكردة غير متواجد حالياً
نشاط [ نورالدين شكردة ]
قوة السمعة:491
قديم 19-10-2008, 21:57 المشاركة 1   
T7ther هذا الجرثوم حسبته معلما

لله هذا الجرثوم حسبته معلما





كلما هممت بفتح نقاش معه حول أوضاع تعليمنا و شغيلته إلا و اتخذ جلسته المـعهودة ، و امتدت أصابع يده الأربعة لعلبة سجـائري وولاعـتي ، و نـادى علـى الـنادل بكأس من عصـير المحامي على حسابي بالطبع ... كان يتنحنح و يغير من وضعية جلوسه قبل أن يدخل معي في متاهات حواراته المنطقية و كان يقول : أي مردودية تنتظر من معلم تلقى تكوينا قصير الأمد ، عـديم الفاعليـة ، و استفاد من مرتب زهيد لا يسمن و لا يغني من جوع ... ثم تعرض لتعيين عشوائي أو بالأحرى لنفي اختياري داخل حدود وطنه ... كنت أجيبه و أحاول أن أقنعه بأننا في عصـر بطالة المجـازين و الدكاتــرة و حملة الشـهادات ، و أن تعييننا في أي جهة أو قرية من مغربنا الكبير ، إنما هو تحميل لمسؤولية وطنية ، و تكليف بواجب إنساني تربوي ، و أضيف بان العمل في ظل الكرامة و الاستقلالية و الحرية ... بين أفراد تتوحد معهم في الدين ، و الجنسية ... و تختلف عنهم في أمور هامشية ، كاللهجة و العادات ... لهو أمر محمود ، أفضله على هجرة وطني ، و العيش غريبا بين قطعان الخنازير . وداليات العنب ، و صفوف الأطـباق المتـسخة ...و كنت أكرر على مسامعه دائما أن الغربة داخل حـدود وطنـي ، ليـست باغتـراب ، بقـدر ما هي سـياحة و اقتراب من مناظر مغربنا الخلاب..
كان يتهكم من وطنيتي و حسن نيتي ، و يبتلع عصير المحامي في جرعة واحدة ، ثم يبدأ في اجترار حواراته التيئيسية المألوفة مع دخان سجائري ...
وكانت لقاءاتي تتكرر مع هذا الإنسان مرة في الأسبوع ، إذ أنني كلما ارتدت مقهاي الدائمة ، خـلال عطـلة نهـاية الأسبـوع إلا ووجـدته ينـتظرني ببـذلته الـسوداء المنكمـشة ، و ربطة عنقه الحـمراء ، و قميصه الأصفر المتآكل ، و شعـره الأشيـب المـنفوش ... كان دائـم الارتـكان في أقصى زوايا المقـهى ، و كلما رآني أشار علي بيده اليمنى التي تفتقر لقاء بعد لقاء لأصبع من أصابعها ، و أشار على النادل بيسراه طالبا عصير المحامي
و هذا اليوم بالذات قررت أن أكسر روتين عطلة نهاية الأسبوع . و أن أوفر تلك الدريهمات التي يبتزها من مرتبي ... توجهت نحو نفس المقهى ، و رأيت نفس الشخص ،ونفس العينين الحمراوتين، و نفس البذلة ، و القميص و الرباط ... كما ميزت يدا يمنى دون أصابع تشير إلي بالاقتراب ، و يدا يسرى تشير على النادل بالعصير المعتاد ..
حاولت أن أبحث لي عن مكان آخر بين طاولات المقهى ، و قسرا شدني لون رباط عنقه من جديد ، فوجدت نفسي مدفوعا دون إرادتي نحو طاولة جلوسه ...ربما بدافع الفضول لمعرفة سر هذا الإنسان الذي تتآكل أعضاؤه أسبوعا بعد آخر ... أو ربما بدافع الشفقة على حالته التي تزداد سوءا و اختزالا ... أخذت لي مكانا مقابلا له ، و هالني أن لاحظت انفه المبتور و أذنه اليسرى الوحيدة ، سألته باغتراب :
- عــلال ماذا حل بك ؟و بأي مرض مصاب أنت ؟
- أجابني بصوت واهن . و فم خال من الأسنان و لسان مهترئ:
- الجيلالي أتوسل إليك ...أنقذني قبل أن أتلاشى !
- تتلاشى ! كيف بالله عليك ؟
- لقد تهت في دوامة التعليم منذ ثلاثين سنة ، و استهلكت من قواي و طاقاتي ما استهلكت ، و الآن أصبحت استهلك من ذاتي و أعيش بمخزون و احتياط أعضائي ... أصابتني حالته بالوجوم و الخوف ، و تأملت في رعب مصير مستقبلي التعليمي و الصحي ، لم اعد أقوى على الإنصات لكلامه المأساوي الممزوج بدموع الألم و الندم على اقتحامه ميدان المتاعب و العلل و الأمراض ... تأملني باكيا و استجداني كي أترك هذا السلك الذي آل به إلى هذه النهاية المؤلمة ... و لم يكن لينسى ارتشاف عصيره المفضل و تدخين سجائري الرخيصة ...
أدنى يده اليمنى من نظارتي و تحدث بصوت مرتعد ، أرأيت ماذا فعل الطباشير بأصابعي ! ...ألم تر يوما أصابعا تنجرف و تتفتت ؟ ثم تحسس موضع أنفه بسبابته يسراه و قال : انظر ماذا أصاب أنفي وعيناي بفعل الغبار ، و أذني هل رأيت ماذا ألم بها ، لقد انفجرت نعم انفجرت بفعل صراخ و ضجيج الأطفال ...
لم أعد أميز سوى اهتزاز شفتيه و هو لا يزال يتابع حديثه الدرامي وأنا اتحسس أنفي وأذني برعب كبير ...
صدمتني حالته و صدقت كلامه ... كيف لا أصدقه و هو المعلم المحترف صاحب الخبرة و الأقدمية و السوابق في الميدان ...
اختمرت الفكرة و قررت من دون تردد الاستقالة من هذه المهنة كما أزمعت ركوب أمواج المتوسطي حارقا عند خالتي بإيطاليا ...
الواقع أنـنـي رغـم ما عـايـنته من ضغوطات نفسية و معانات صحية و لحظات تذمر قصوى ... لم يخطر ببالي أن أصادف يوما مثل هذا النموذج الهش من المعلمين ... لكن الحقيقة تقال : رعي الخنازير و جني العنب و غسل الأطباق و مسح واجهات السيارات أهون من الموت البطيء
أخبرت الإنسان بقراري فابتسم بتهالك لكلامي و ارتكز بيده اليسرى و راحة يده اليمنى على طاولة جلوسنا و ابتسامته تتسع و تتسع لتتحول إلى ضحكة مجلجلة فقهقهة مرعبة ، اعتدل فجأة ، و انسحب مهرولا و هو يصرخ : الضحية الثاني و العشرون ، الضحية الثاني و العشرون و للمرة الأولى أراه واقفا وأطالع نصفه السفلي ... عاريا متجردا من كل ملابسه السفلية ... و لأول مرة أكتشف أن هذا الإنسان أحمق مجذوم ... بل جرثوم مجروب ينخر جهاز تعليمنا ليصيب رجالاته بالتكاسل و التماطل و تصنع الأمراض و توهم العلل ...









آخر مواضيعي

0 آش جاب محجوبة لاستوكهولم؟
0 لماذا يستمر قياديو النقابات التعليمية بتاونات في الجلوس على عتبة بوابة نيابة التعليم...؟
0 شمل أسرة التعليم بتاونات "يتشتت" والنقابات تفقد بوصلة الاحتجاج وتقف صامتة، جامدة، مبتسمة كالبلهاء ليلة الدخلة...
0 نيابة جرسيف تحتفي باليوم الوطني للمجتمع المدني
0 موضوع مهم للباحثين في علوم التربية: البحث التربوي العلمي وضرورة توحيد التصور المنهجي بصدده (أرضية للنقاش) ـ د. محمد الأزمي
0 فاجعة ـ حادثة سير مروعة بعين قنصرة تودي بحياة أربع أساتذة تابعين لنيابة تاونات
0 "دور الوكالة القضائية للمملكة المغربية في تكريس مبدأ حق الدفاع" موضوع ندوة علمية من تنظيم ماستر قانون المنازعات العمومية بكلية العلوم القانونية والإقتصادية والإجتماعية بفاس
0 مآسي مجموعة مدارس ديدبة بتاونات لا تنتهي ـ بين "شفيق أزبة"و"محمد الزرهوني" الأستاذة لبنى حليم تعزل مرتين!!!
0 عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية بفاس يعلن عن إلغاء الدورة الخريفية بشقيها العادي والاستدراكي برسم الموسم الجامعي 2013
0 صرخة أستاذ: مقام المباراة مقام الخديعة ـ على هامش تحويل مناصب أساتذة التعليم الثانوي التأهيلي إلى مناصب أستاذ التعليم العالي مساعد في الفلسفة بكلية آداب مكناس


التعديل الأخير تم بواسطة نورالدين شكردة ; 20-02-2009 الساعة 14:19