هنا محاولة متواضعة لمعالجة موضوع : "المواد الدراسية كأدوات للتكوين والتثقيف" .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
المواد الدراسية، هل هي غاية في حد ذاتها؟ أم هي وسيلة وأداة لتحقيق هدف آخر؟
هل المواد الدراسية، تـُدرّس لذاتها، أي من أجلها ومن أجل المعلومات والمعارف والمحتويات التي تتضمنها؟ أم تـُتخـَذ ذريعة لتحقيق هدف آخر، وليكن هو : تكوين شخصية المتعلم وتثقيفها ؟
هنا محاولة للإجابة على هذه الأسئلة .
1ـ التصور الذي يعكسه الموضوع يميل إلى الجواب الأخير، أي الذي يعتبر المواد الدراسية (كمقررات وبرامج ومحتوياتِ دروس)، مجرد أدوات ووسائل لتكوين شخصية المتعلم .فكيف ذلك؟
إنه تصور يعطي الأولوية ل "كيف " يتعلم الناشئ، على "ماذا" يتعلم؟ يعطي الأسبقية للكفايات التي يكتسبها وهو يتعلم، للكيفيات التي يتعلم بها، للقدرات والملكات التي ينميها وهو يتلمس طريقه نحو المعلومة، نحو المعرفة، نحو تثقيف ذاته . إنه تصور حديث (غير تقليدي)، يجعل المعلومة ذريعة لإنماء وتطوير قدرات الاكتساب عند المتعلم، قدرات الفهم والبحث والتنقيب والتجريب والتحليل والمقارنة والاستنتاج... أما المعلومة في حد ذاتها، فرغم أهميتها وضرورتها، فتأتي في الدرجة الثانية من الاهتمام . إنه تصور يركز على سيرورة التعلم، على تعلم التعلم، ولا يجعل المادة الدراسية ومحتواها غاية في ذاتها .
ـ إنه تصور يتجاوز مركزية المعلومات وكمّ المعارف، ويتجاوز مركزية المدرس المحتكر للمعرفة، التي كانت سائدة في التربية التقليدية ،إلى مركزية المتعلم . تصور يظهر أثره على المتعلم من خلال التركيز على فعاليته ونشاطه وإنجازاته، وتنمية كفاياته وقدراته ومهاراته...مما يسهم، بشكل فعال، في صقل ملكاته وتكوين شخصيته المستقلة .
تعليم التعلم يوصل في نهاية المطاف، إلى تكوين شخص فاعل، قادر على التكيف السريع مع الوضعيات الجديدة التي يواجهها في الدراسة وفي الحياة ، وعلى تثقيف ذاته ومواكبة ما يستجد في عالم المعارف ...قادر على التعلم مدى الحياة .
إنه إذن تصور يركز على طريقة تحصيل المعلومة، لا على المعلومة نفسها .أولا لأنه يستحيل الإلمام بكل المعلومات والمعارف في كافة العلوم والفنون... وثانيا لإن طرائق تخزين المعلومات والحصول عليها بشكل سريع، متطورة جدا في العصر الحاضر، ويسهل الولوج إليها ، وثالثا لأن المعلومات تتقادم وتتجدد وتـُتـَجاوَز بشكل سريع أيضا . وهي لذلك في حاجة إلى شخص كفء، مرن، قابل للتعلم، مواكب للمستجدات .
هذا التصور التربوي يعلم الطفل كيف يصطاد السمك، ولا يقدم له الأسماك جاهزة !
2 ـ عندما يتم التركيز على فعالية المتعلم، على إنماء كفاياته وقدراته، على تمهير ملكاته...على تعلم التعلم، تصبح المعارف ثانوية، وتعطى الأولوية لكيفية بنائها .. وتساهم عوامل أخرى في ذلك، إلى جانب المواد الدراسية : المربي، التواصل التربوي، المنهاج الدراسي، الطرائق البيداغوجية، المعينات الديداكتيكية والكتاب المدرسي، أساليب التقويم وتقنيات الدعم .
ـ فالمربي، بمهاراته التواصلية المشجعة،المحفزة، المتفهمة لخصائص المتعلمين... لا ينصـِّب نفسه مالكا للمعرفة، وإنما ييسر التعلم،ويوفر ظروفه، ولا ينحصر دوره في التلقين وشحن الذاكرة بالمعارف والمعلومات.إنه يشجع التلميذ على بناء معرفته بجهوده الخاصة .
ـ والمنهاج الدراسي يركز على الكفايات والأهداف والقدرات والمهارات والقيم السلوكية التي ينبغي أن يكتسبها المتعلم، لا على مجرد تسطير لائحة المعارف والمعلومات التي ينبغي حفظها، ضمن برامج ومقررات .
ـ والطرائق البيداغوجية الملائمة (الحديثة، النشيطة)، تجعل المتعلم في مركز العمل التربوي، وتنمي فاعليته ومشاركته وبناءَه للمعرفة بنفسه... عوض الطرائق التقليدية التي تتركه سلبيا متلقيا، تابعا لمحتكِر المعارف !
ـ والكتاب المدرسي، كأحد أهم المعينات الديداكتيكية في نظامنا التعليمي، هو الأداة التربوية المقررة لتنفيذ المنهاج . وبالتالي ففيه تـُفصـَّل الكفايات والأهداف، وتـُقتـرَح الأنشطة والعمليات التربوية، والوثائق والمعينات البيداغوجية، وكذا بعض نماذج التقويم والدعم . إنه وثيقة تربوية تتضمن أنشطة التعليم والتعلم .
ـ والوسائل التعليمية الأخرى، في التصور المذكور، تعمل بدورها على تنمية ملكات الاكتساب عند التلاميذ وتيسرها وتعين عليها، ولا تقدم المعلومات جاهزة .
ـ وأساليب التقويم والدعم تروز تقدمَ المتعلم في الاكتساب، وتساعده على تصحيح عثراته... ولا تكون مجرد لحظة لاسترداد المحفوظ واستظهار المعارف .
إنها عوامل (المنهاج ـ المربي ـ الطرائق ـ الأدوات...)، تتظافر، مجتمعة،إلى جانب المواد الدراسية، وبنفس الدرجة من الأهمية، في تكوين شخصية المتعلم وتيسير تعلمه وتثقيفه .
إنه إذن، تصور تربوي شمولي حديث (غير تقليدي)، هدفه بناء شخصية فعالة قادرة على التكيف مع التطور السريع للمعارف والمعلومات، شخصية إيجابية تبني معرفتها بنفسها، قابلة للتعلم وتثقيف النفس مدى الحياة (من المهد إلى اللحد) . ولذلك ينبغي، في ضوء هذا التصور، التعامل مع البرامج والمقررات والمواد الدراسية، باعتبارها أدوات ووسائل لبناء الشخصية وتفتحها وتكوينها ، لاغاية في حد ذاتها، تتم التضحية بشخصية المتعلم في سبيل تلقينها وتحفيظها، ثم تذكرها واستردادها في الامتحان، ونسيانها بعد ذلك !