منتديات دفاتر التربوية التعليمية المغربية - عرض مشاركة واحدة - العقاب البدني والنفسي في المدرسة المغربية
عرض مشاركة واحدة

m.hajjaji
:: دفاتري ذهبي ::


تاريخ التسجيل: 3 - 9 - 2008
المشاركات: 1,208

m.hajjaji غير متواجد حالياً

نشاط [ m.hajjaji ]
معدل تقييم المستوى: 338
منقول المدارس المصرية.. عذاب الطفولة .
قديم 08-11-2008, 18:17 المشاركة 25   

"يحدث في مصر الآن" (1)، ونرجو ألا يحدث في المغرب .
ــــــــــــــــــــــــــــــــ

كنت في السنة الخامسة بمدرسة راتب باشا الابتدائية، حين بدأتُ، كل ليلة، قبل نومي، أدعو الله بحرارة أن أستيقظ في الصباح وأتجه إلى المدرسة فأجدها مهدومة بقدرة قادر، فأعود لأكمل نومي دون توبيخ من أحد (...) وكان العقاب البدني هو أول أسباب كراهيتنا للمدرسة، وكان بعض المدرسين يتفنن فيه، فمنهم من كان يفضل المسطرة، ومنهم من كان يحبذ الصفع على الوجه، ومنهم من كان يجبر التلاميذ على الوقوف ووجوههم إلى الحائط، وغير ذلك .
بالطبع كان هناك مدرسون عظماء، ونبلاء، لولاهم ما تحملنا المدرسة، لكن العقاب البدني المهين كان طريقة سائدة . مع أن العقاب البدني ينسف من الأساس كل فكرة التربية، وكل منهج التعليم، إذ ينقل طرفـَي المعادلة (المدرس والتلميذ)، من خانة التعليم والتعلمّ بمخاطبة العقل، إلى خانة الحيوانية البدنية البحت، إلا أننا لم نسمع أبدا حينذاك، لا أنا ولا أيّ من أبناء جيلي، على ما أعتقد، عن مدرس ضرب تلميذا ضربا أفضى إلى الموت ! ولم نسمع عن مدرسين يتحرشون جنسيا بالأطفال، أو عن ناظر مدرسة ضرب تلميذا بكابل كهرباء حتى أُغمـِي على التلميذ ! لم تتردد بيننا أبدا مثل هذه القصص المُرعِبة التي تصلح مادةً لأفلام هيتشكوك . لكننا الآن صرنا نسمع عن كل ذلك وأكثر، ونقرأ في أواخر شهر أكتوبر عن تلميذ لم يتجاوز الحادية عشرة، أي طفل، أفلتت منه ضحكة في مدرسة سعد عثمان الابتدائية بالإسكندرية، فما كان من مدرس الرياضيات هيثم نبيل، إلا أن ركله بقدمه، فلما وقع على أرض الفصل، واصل ضربه بالعصا وسبب له من الرعب ما أدى إلى وقف النبض والتنفس، ووفاة الولد الذي ضحك لأنه طفل ! وفي منطقة شبرا الخيمة، قام الناظر السيد محمد زكي بضرب محمد عبد اللطيف، التلميذ بالصف الثاني الإعدادي بكابل كهرباء على جميع أجزاء بدنه حتى أغمـِيَ عليه ونُـقِل إلى المستشفى ! وحين استـُدعـِيَ الناظر للتحقيق لم يـُنكِـر شيئا، وقال إنه كان يـَقوم "بتأديب الولد وتربيته"! وفي أول نوفمبر الحالي، نشرت الصحف أن صلاح عاشور المدرس في مدرسة السيدة خديجة الابتدائية ببور سعيد، ضرب التلميذ شهاب الطيب بالبوكس في صدره لتأخره في نقل الشرح المكتوب على السبورة إلى كراسته، فنزفت الدماء من فمه، ونـُقِل إلى المستشفى ! ونشرت جريدة الجمهورية في أبريل، هذا العامَ، أن مدرس التربية الرياضية في مدرسة ليسيه الحرية بالنزهة، ضرب التلميذةَ شروق عبد العليم، وعلقها من قدميها بمروحة السقف في الفصل، بحجة جلوسها بطريقة غير لائقة! علما بأن التلميذة لم تتجاوز السابعة من عمرها! أما عن حوادث التحرش الجنسي بالتلاميذ، فهي كثيرة ويُحـَرِّر الأهالي بها محاضرَِ ثابتة في مختلف أقسام الشرطة .
ومن يتابع مظاهر الرعب والتفسخ هذه، سيجد أنها منتشرة أساسا في مدارس الأحياء الفقيرة والقرى والصعيد، حيث يوقن المدرسون، أن التلاميذ من أصول أجتماعية فقيرة، وأن أهلهم سيلزمون الصمت، لأنه ليس بوسعهم الدفاع عن أنفسهم، أو عن أولادهم .
وتصبح الصورة قاتمة إذا ما أضفنا إلى مظاهر الرعب والتحلل والتحرش، حالةَ التعليم في المدارس التي تصل فيها كثافة التلاميذ، في الفصل الواحد، إلى ستين تلميذا، إضافة إلى ارتفاع المصروفات، وظاهرة تسريب الامتحانات التي قرأنا عنها أكثر من مرة، وتدهور المستوى التعليمي، بحيث إننا نجد أنفسنا في نهاية المراحل التعليمية، أمام طلاب أنهَوا التعليم الجامعي، لكنهم يرسبون في امتحان الإملاء البسيط !
ظروف المدرسين أنفسهم، هي الأخرى، صعبة من دون شك، ورواتبهم ضعيفة، لكن ذلك لا يصلح مبررا لاعتبار أن الضرب حتى الموت، والإهانة حتى المرارة، وسيلة تربوية .
وأعتقد أنه من الضروري أن تكون هناك وقفة حازمة بالنسبة لضرب التلاميذ وتحقيرهم،الذين أصبحوا بحاجة(إلى حماية)(2)، وأن على الوزارة أن تصدر قرارا ينص على الفصل الفوري لأي مدرس يتعدى على تلميذ بالضرب .
ما زلت أذكر أن كاتبا كبيرا قال ذات مرة :"حب الأطفال ليس المشكلة، فالجميع كقاعدة عامة يحبون الأطفال، المهم احترامهم، هذه هي المشكلة" . ولن يكون بوسعنا أبدا أن نتحدث لاعن حضارة، ولا عن ثقافة، ولا عن أي شيء، ما دامت ثقافة الكابل الكهربائي، والتعليق في المروحة، هي ثقافة التعليم السائدة فعليا . بهذا الصدد أذكر عبارة للأديب الروسي الكبير دستويفسكي حين قال : "إن معاشرة الطفولة، تشفي الروح"، فكيف وجد البعض في الطفولة متنفسا للكراهية بدلا من شفاء الروح ؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
أحمد الخميسي، كاتب مصري.(عن موقع:"دروب" الإلكتروني)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مع الاعتذار للأديب يوسف القعيد مبدع الواية بنفس العنوان .
(2) يبدو أن عبارة ما قد سقطت أثناء الطبع. لفظة إلى حماية)، من عند الناقل .