منتديات دفاتر التربوية التعليمية المغربية - عرض مشاركة واحدة - الامازيــــغ الرجال الاحرار
عرض مشاركة واحدة

Mohaton
:: دفاتري جديد ::

تاريخ التسجيل: 15 - 11 - 2007
السكن: العـــيون
المشاركات: 0

Mohaton غير متواجد حالياً

نشاط [ Mohaton ]
معدل تقييم المستوى: 0
افتراضي اضاءات في تاريخ الامازيغ
قديم 25-11-2007, 12:47 المشاركة 2   

الأمازيغ أو البربر.. التسمية والأصول

يعتبر البحث في الأصول التاريخية للأمازيغ أمرا صعبا نظرا للاختلافات العديدة حول نسبتهم، وإذا كان الأمر كذلك على مستوى الأصول، فهو مختلف إذا تعلق بمسألة التسمية التي تبدو أكثر وضوحا.

التسمية
كلمة أمازيغ مفرد تجمع على "إيمازيغن" ومؤنثه "تمازغيت" وجمع المؤنث "تمازغيين". ويحمل هذا اللفظ في اللغة الأمازيغية معنى الإنسان الحر النبيل أو ابن البلد وصاحب الأرض، وتعني صيغة الفعل منه غزا أو أغار، ويجعلها بعضهم نسبة لأبيهم الأول "مازيغ".

وقد وردت كلمة "مازيغ" في نقوش المصريين القدماء وعند كتاب اليونان والرومان وغيرهم من الشعوب القديمة التي عاصرت الأمازيغيين.
وتختلف اللهجات ذات الأصول الأمازيغية في نطق هذا اللفظ فهو عند طوارق مالي "أيموهاغ" بقلب الزاي هاء، وعند طوارق منحنى نهر النيجر الغربي "إيموشاغ"، أما في أغاديس بالنيجر فينطقونه "إيماجيغن"، والمقصود بجميع هذه التصحيفات إنما هو "أمازيغ".
أما اسم البربر أو البرابرة فأصله لاتيني ويعني المتوحشين أو الهمجيين، ويظهر أن أول إطلاق له على السكان الأصليين لهذه المنطقة كان من قبل الرومان في غزواتهم المعروفة لبلدان حوض البحر الأبيض المتوسط. وشاع إطلاق لفظ "البربر" على ألسنة الناس،و كلمة البربر اطلقوها على كل الشعوب التي غزوها. وإن كان عدد من مثقفي الأمازيغ لا يتبنى هذه التسمية ويرى فيها سلبيات عهود ظلم قديم لحق بالأمازيغي عبر التاريخ.
وقد كان الإغريق يسمون كل من لا يتكلم الإغريقية "برباروس"، واستعاره الرومان وأطلقوه على كل الأجانب ومنهم الأمازيغ الذين كانوا خارجين تاريخيا عن سيادة الرومان، فهي تسمية جاءت من الخارح ولم يخترها الأمازيغ لأنفسهم.

وإذا كانت دلالة مصطلح أمازيغ اللغوية تعني الرجل والإنسان الحر، فإن الدلالة التاريخية تحيل إلى "أمازيغ" الأب الروحي للأمازيغ.

وهذا ما ذهب إليه ابن خلدون في تحديد نسب الأمازيغ بقوله "والحق الذي لا ينبغي التعويل على غيره في شأنهم أنهم من ولد كنعان بن حام بن نوح وأن اسم أبيهم أمازيغ".



الأمازيغ وإشكالية الأصل
الأمازيغ أو البربر مصطلحان يستعملان في الغالب للدلالة على السكان الأصليين الذين قطنوا شمال أفريقيا.


وتبرز في مجال البحث حول الأصول التاريخية للأمازيغ اتجاهات عديدة:


1- الأصل الأوروبي
أولها أولئك الذين تأثروا باتجاهات المدارس الغربية، ويرون أن أصل الأمازيغ إنما يتأصل في أوروبا، إذ ثمة معطيات لغوية وبشرية تشير إلى أن الإنسان الأمازيغي له صلة بالجنس الوندالي المنحدر من ألمانيا حاليا، وسبق له أن استعمر شمال أفريقيا.


ويستند هذا الطرح إلى وجود تماثلات لغوية بين الأمازيغية ولغة الوندال الجرمانية من جهة، وإلى التشابه الذي يوجد بين بعض ملامح البربر والأوروبيين مثل لون العيون والشعر من جهة أخرى.

وذهب البعض إلى أنهم من نسل الغاليين (gaulois) أو الجرمان الذين أتوا مع الفيالق الرومانية أو الوندال، وهو أمر لا يمكن التسليم به لكون هذا النمط من البربر عاش في تلك المناطق قبل الوجود الروماني.

ومن ناحية أخرى لا يمكن التسليم داخل نفس الأسرة العرقية بذلك للاختلافات الحاصلة من باب التمثيل فقط بين امازيغ إقليمي القبائل وجبال الأوراس، بين من قامتهم متوسطة أو قصيرة وبينهم عدد كبير من الشقر، وبين أهل "مزاب" مثلا ذوي الشعور والعيون السود، أو بينهم وبين الطوارق.

2- الأصل المحلي
ويميل اتجاه آخر إلى بناء وجهة نظره على بعض الكشوفات الأركيولوجية والأنثربولوجية، إذ يفترض أنه تم العثور على أول إنسان في التاريخ في بعض مناطق أفريقيا (مثل كينيا وبتسوانا)، وبالتالي فالإنسان الأمازيغي لم يهاجر إلى شمال أفريقيا من منطقة ما ولكنه وجد فيها منذ البداية، والإنسان الذي عثر عليه يترجح أن يكون من السكان القدامى.

3- الأصل العربي
ويذهب اتجاه آخر إلى ربط سكان هذه المنطقة بالمشرق وجزيرة العرب، حيث إنهم نزحوا من هناك إلى شمال أفريقيا نتيجة لحروب أو تقلبات مناخية وغيرها.

ونقض ابن خلدون الآراء التي تقول إن الامازيغ ينتمون إلى أصول عربية تمتد إلى اليمن أو القائلة إنهم من عرب اليمن، خصوصا قبائل امازيغية مثل "هوارة وصنهاجة وكتامة" أكثر القبائل الأمازيغية ادعاء للعروبة.

وينفي ابن خلدون نسبة الامازيغ إلى العرب عبر اعتبارهم كنعانيين من ولد كنعان بن حام بن نوح، فالكنعانيون ليسوا عربا، وليسوا من أبناء سام.

ويرفض كثير من المعاصرين نسبة االامازيغ إلى العرب، ويؤكدون أن العرق الأمازيغي أحد الأعراق القديمة وأنه سابق للوجود العربي، وذلك استنادا إلى دراسات تفيد بأن أقدم الشعوب فوق الأرض 32 شعبا منها الامازيغ، ولا وجود للعرب آنذاك.

ويميل اتجاه آخر إلى القول باقتران ظهور اللغة الأمازيغية مع ظهور الإنسان القفصي (نسبة إلى قفصة بتونس) في الفترة بين عامي 9000 و6000 قبل الميلاد، وربما هجر الأمازيغ منبت الشعوب الأفراسية (في إثيوبيا وما جاورها) إلى شمال أفريقيا بعد أن دخلت المنطقة الأصل في موجة من التصحر، وتطورت اللغة الأفراسية مع الوقت إلى أمازيغية في شمال أفريقيا.

وفي دراسة للباحث الفرنسي (Dr Ely Le Blanc) كشف أنه من خلال تنوع النمط العرقي يمكن القول إن شعب الامازيغ قد تألف من عناصر غير متجانسة، انضم بعضها إلى بعض في أزمنة تاريخية مختلفة وتفاوتت درجة تمازجها، لكن يبدو من الصعب تحديد الفرع الذي ينتسبون إليه ومن أين أتوا.

ولا يمكن تقرير شيء مؤكد فيما يتعلق بالأصول الأجناسية واللسانية الامازيغية، ويجب الاكتفاء بالقول إن الامازيغ اسم يطلق على أقدم السكان المعروفين عند بداية الأزمنة التاريخية في الشمال الأفريقي وكانت لهم علاقات بالفراعنة المصريين، أحيانا سلمية وأحيانا حربية.بل حكموا مصر الفرعونية الاسرة 22 و 23

وهم نفسهم الذين وجدهم الفينيقيون واليونان الذين استقروا في "برقة"، والقرطاجيون والرومان. واللغة التي كانوا يتكلمونها لا تزال هي اللغة التي يتكلم بها عدد من القبائل الأمازيغية اليوم.

وضمن كل هذه الاتجاهات يسعى الأمازيغ إلى التأكيد على

استقلالية لغتهم وأصولهم التاريخية باعتبارها رموزا للهوية الأمازيغية.



الأمازيغ ومفهوم الأقلية

تعرف الموسوعة الدولية للعلوم الاجتماعية الأقلية بأنها "جماعة من الأفراد الذين يتميزون عن بقية أفراد المجتمع عرقيا أو قوميا أو دينيا أو لغويا، وهم يعانون من نقص نسبي في القوة، ومن ثم يخضعون لبعض أنواع الاستعباد والاضطهاد والمعاملة التمييزية".

وتعرفها الموسوعة الأميركية بأنها "جماعات لها وضع اجتماعي داخل المجتمع أقل من وضع الجماعات المسيطرة في المجتمع نفسه، وتمتلك قدرا أقل من القوة والنفوذ وتمارس عددا أقل من الحقوق مقارنة بالجماعات المسيطرة في المجتمع، وغالبا ما يحرم أفراد الأقليات من الاستمتاع الكافي بامتيازات مواطني الدرجة الأولى".

وتصفها مسودة الاتفاقية الأوروبية لحماية الأقليات بأنها "جماعة عددها أقل من تعداد بقية سكان الدولة، ويتميز أبناؤها عرقيا أو لغويا أو دينيا عن بقية أعضاء المجتمع، ويحرصون على استمرار ثقافتهم أو تقاليدهم أو ديانتهم أو لغتهم".

أما اللجنة الفرعية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة فتعرف الأقليات بأنها "جماعات متوطنة في المجتمع تتمتع بتقاليد خاصة وخصائص إثنية أو دينية أو لغوية معينة تختلف بشكل واضح عن تلك الموجودة لدى بقية السكان في مجتمع ما وترغب في دوام المحافظة عليها".

ومن هذه التعريفات الأربعة المتقاربة في تحديدها والمتشابهة في صياغاتها تبرز عناصر أربعة ينبني عليها مفهوم الأقلية وهي:
  • العنصر الكمي (البعد الديمغرافي)
  • تميز الأقلية لغويا أو دينيا (البعد الثقافي)
  • اختلال ميزان القوى بين الأقلية والأكثرية وما ينتج عنه من حرمان وإقصاء.. (البعد الاجتماعي)
  • حرص الأقلية على بقاء خصوصيتها (البعد السياسي)
ولا ينطبق أي تعريف من هذه التعريفات بشكل كلي على الأمازيغ بشمال أفريقيا غير أن في كل تعريف عنصرا أو أكثر ينطبق عليهم، فالبعد الديمغرافي للمفهوم لا ينطبق على الأمازيغ إطلاقا، فهم أكثرية على اعتبار أن الأصل العرقي لأغلب ساكنة الشمال الأفريقي أمازيغي. أما البعد الثقافي فينطبق عليهم جزئيا حيث إن أكثرية الأمازيغ قد تعربت منذ دخول الإسلام إلى شمال أفريقيا في حين بقيت أقلية تتداول اللغة الأمازيغية وتختلف نسبتها حسب كل بلد، كما عم الدين الإسلامي مختلف المجتمع الأمازيغي منذ القرن السابع الميلادي، ورغم أنهم ارتدوا 12 مرة –كما يقول ابن خلدون- فقد قبلوا بالإسلام دينا وعم المذهب المالكي شمال أفريقيا، كما تبنى بعض الأمازيغ المذهب الأباضي. ويكاد البعدان الاجتماعي والسياسي ينطبقان عليهم بشكل كلي فعلاقاتهم في أغلب الأحيان -خاصة الأقلية التي تتحدث الأمازيغية- ليست متكافئة مع من


يتكلمون العربية. ويمكن أن نخلص إلى أن الأمازيغ أكثرية ديمغرافيا وأقلية سياسيا وثقافيا.


أوضاع الأمازيغ


منذ النصف الثاني من القرن العشرين وموضوع الأمازيغ مطروح وإن تفاوتت حدة طرحه من مكان إلى آخر نظرا لاختلاف أوضاع الأمازيغ من بلد إلى آخر. فهم في مصر في حالة نسيان، وفي ليبيا ظلوا حتى وقت قريب في حالة إقصاء، وفي الجزائر هم أقرب إلى الاستقطاب والصدام مع السلطة، أما في المغرب فقد ظلت السياسات تحاول استيعابهم، بينما هم في تونس وموريتانيا مندمجون في المجتمع المتعرب، وهم ثائرون في النيجر ومالي، وفي جزر الكناري تبنوا الثقافة واللغة الإسبانية.







ولعل الملاحظة الأهم في نهاية الموضوع هي أن الأمازيع لا يمكن اعتبارهم بسهولة أقلية، فهم كما سبق أغلبية عرقية تعرب لسان جزء منهم بسبب اختلاطهم بالمدن ذات الوجود العربي، في حين بقيت الدواخل محافظة على أمازيغيتها اللسانية مع الانتماء إلى الإسلام حضاريا.



الدولة الوطنية والانصهار الاجتماعي.... حالات الاندماج الامازيغي

الحالة التونسية في ميزان لعبة الأقليات العرقية

لم يكن القرن السابع الميلادي مجرد تأريخ عابر لإطلالة الفاتح العربي الذي بدأت خيوله تتحسس تضاريس أرض جديدة بيزنطية العنوان امازيغية الملمح، هي أرض أفريقيا التي خرجت إليها جيوش الفتح الإسلامي حاثة الخطى نحو رسم خريطة عالم جديد سيأخذ لاحقا هيكلته الإمبراطورية الممتدة، بل كان هذا التاريخ إشارة البدء لمضمون الهوية الجديدة التي ستسم منطقة المغرب كجزء غربي ثابت لعالم الإسلام، يتبادل مع هذه الهوية عناصر الخصوصية والتعريف ويرسم إلى حدود المعاصرة أسس الشخصية الأساسية لمجتمعات المغرب ا الإسلامي

تونس وانسجام التعريب

لا يمكن أن نعرف إن كان موسى بن نصير يدري أن هزيمة الكاهنة -الرمز الأسطوري للممانعة الامازيغية- ستعني الاستقرار النهائي لتعريب المغرب. ولكن هذه اللحظة الدرامية لم تكن في الحقيقة سوى الإطلالة الحاسمة على الزمن العربي الإسلامي للمغرب الذي سيوقف وبشكل نهائي مسيرة التناوب الاحتوائي الذي عرفته المنطقة منذ العصور القديمة، بحيث بدت فيها عناصر مقاومة الغازي والمحتل أقل قوة وأكثر خفوتا من عناصر الاندماج والانصهار والتأقلم مع الآتي الفينيقي أو الروماني أو الإسلامي بفروعه العربية والتركية. لقد آل الأمر في النهاية إلى التعريب الإسلامي مفصلا مركزيا حاسما في رواية تاريخ المنطقة وحياكة حاضرها.
لكن نفس خيال ابن نصير أو ابن زياد أو ابن نافع لم يكن يتخيل حجم استمرارية جيوب المقاومة الامازيغية الممتدة في التاريخ ضد التعريب القسري الذي فشل وعاؤه الإسلامي في جعله مستساغا من قبل فئات من امازيغ المنطقة الذين لم يصنعوا من إسلامهم مذبحا لامازيغيتهم وقربانا للعروبة الوافدة.
جزائر ثورة نوفمبر/تشرين الثاني ومغرب العرش العلوي وليبيا الفاتح العروبي، وقفت جميعها في الطور المعاصر لتشكل مجتمعاتها ودولها على الأصداء المترددة للصوت الأمازيغي وهو يخاطب الذاكرة وصناع الحاضر بلغة حقوق الأقلية وشرعية الاعتراف بالهوية الامازيغية لجزء من سكان المنطقة الذين حموا لغتهم وتقاليدهم من التعريب الاندماجي، بل حولوا هويتهم الأمازيغية إلى جزء من التنظّم السياسي الذي يرتوي في المشروع والخطاب والأهداف، بل وفي التحركات والاحتجاجات والانتفاضات، من مخزون الماضي الامازيغي الأصيل، لينضاف حضورهم إلى بقية القطع المركبة للوحة الاندماج والتهميش في المغرب الكبير بمراتبها السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
في هذا المجرى من التجاذب بين فكرة الأغلبية والأقلية في ملمحها العرقي، تبدو تونس المغاربية أكثر دول المغرب انسجاما مع تعريبها التاريخي الذي لم يترك فرصة لبقاء أقلية امازيغية مؤثرة في التركيبة الاجتماعية بشكل بارز وقوي، رغم الحضور الأمازيغي الماثل في صياغة أقرب إلى الفولكلور المتجول عبر أروقة أنثربولوجية تترجمها لغة الفضاء والأمكنة والبناءات ومفردات اللهجة في بعض المدن التونسية.
تبدو تونس منسجمة مع عروبتها وكأنها لا ترضى لملحمة الإخضاع العربي للممانعة الامازيغية التي تمت على أرضها أن ترتد عن مكاسب الفتح العربي الإسلامي في الإدماج ليس الديني فقط بل والعرقي أيضا، رغم الإعجاب والتقدير الذي تكنه الهوية المعاصرة للتونسيين التي صاغتها دولة الاستقلال لسيرة الكاهنة وصمودها.. لعله إعجاب وتقدير لامرأة تونسية



تحملت مهام المقاومة والقيادة أكثر من إعجاب بقائدة امازيغية قاتلت من أجل امازيغيتهاا ضد العرب والمسلمين.

الدولة الوطنية والانصهار الاجتماعي

على خلاف الجار الجزائري وبنسبة أقل المغربي لم يتهيأ للفضاء السياسي المعاصر الذي أنشأته الدولة الوطنية التونسية عوامل الاتصال بالخلفية العرقية للمكون الاجتماعي بالنظر إلى حالة التجانس السوسيولوجي الذي ورثته الدولة الناشئة وعملت عليه، بل وحولته إلى مكسب من مكاسبها ومعركة من معاركها ترجمه الخطاب البورقيبي حول وحدة الأمة التونسية وعبقرية الإنجاز البورقيبي الذي حول كتلة من البشر إلى شعب متكامل السيادة العضوية والوحدة الوطنية والشخصية المستقلة التي تعلو الانتماء القبلي والعشائري والفئوي.
لقد لعبت الخلفية الفكرية والعقدية لنخبة الاستقلال وتحديدا شخص قائدها الحبيب بورقيبة دورا بارزا في حالة الانسجام الاجتماعي المافوق عرقي أو عشائري، بالنظر إلى الأدلجة التحديثية التي ملكت هواجس بناة الدولة الوطنية التونسية وانصهرت بشكل قوي في مسار دولنة المجتمع وإخضاعه لسلطة بيرقراطية متعالية، تسمو عن الانتماء الفئوي وتصب كل ثقلها القانوني والقسري في مجرى تذويب كل أشكال الانتماءات لفائدة الانتماء للوطن الناشئ الذي يعبر عنه حزب قائد استلهم من عقيدة الحكم وبناء الدولة والمجتمع الحديث ومقولة القومية أو الأمة التونسية، عناصر شرعيته المتقاطعة مع شرعية زعيمه.
لم يكن الانخراط في التحديث بمظاهره المتنوعة من تغيير منظومة الأحوال الشخصية إلى إصلاح التعليم ووضع نواة الإدارة المركزية باستنساخ فرنكفوني بونابرتي، سوى الرافعة التي نهض عليها الاستثناء الاندماجي في تونس مقارنة بتجارب دول مثل الجزائر والمغرب لم يشر استقلالها ضرورة إلى حقبة تأسيس ثقافي جديد بالعمق الذي عرفته التجربة التونسية.
فقد غابت إرادة التحديث في هاتين الدولتين لأسباب وعوامل مختلفة منها ما يتعلق بشرعية النظام نفسه المرتبطة بالتقليد المخزني كالمغرب مثلا، أو للأصول العسكرية لنخبة الحكم الجديد ال****** عن هاجس التأسيس الثقافي في معناه الأيدولوجي العميق والخائضة في الرهان الحسي السطحي لمهمة بناء دولة دون أن يعنيها أو يشغلها مشروع بناء مجتمع، مما أدى في النهاية إلى انفجار كل التناقضات الكامنة في مجتمع طالما غفلت عن اعتمالاته الخافتة دولة انشغلت بأدلجة التحرير وظنت أنها تكفي لاحتواء المجتمع.
لكن هذا المجتمع انفجر بقوة تراكم همومه المتروكة وتناقضاته المتراكمة التي جذبت وراءها شبكة معقدة من ضحايا التهميش والإقصاء، بدت ضمنها ورقة الأقلية العرقية الأمازيغية تحديدا إحدى عناوينها الجذابة الساطعة.
سارت التجربة التونسية على حافة لعبة الإقصاء والإدماج دون أن تقع في مسربها العرقي أو تتورط في قالبها الأقلي، وهو مسار طبيعي ومنسجم مع تركيبة اجتماعية تونسية متجانسة على المستوى العرقي عركها تحديث الدولة ليعطيها شكل الهيكلة الاجتماعية الحديثة التي أكسبت طابعها الحديث لفائدة لوحة تناقضاتها وصراعاتها، فجاهد صراعها السياسي أن يكون امتدادا لحراكها الطبقي الناشئ في غمرة ورشة التحديث.
أعطى التحديث لتونس طبقة وسطى واسعة كانت بالفعل المكسب الرئيسي لمجمل الاختيارات الاقتصادية والثقافية لدولة الاستقلال، شكلت بعناصرها تموينا رئيسيا لمكونات الفضاء السياسي من أحزاب وجمعيات ونقابات، لم تلتفت ضرورة إلى أي خلفية فئوية عشائرية أو جهوية أو عرقية بقدر ما قارعت استبدادية دولة التحديث البورقيبي بذات آلياتها التحديثية من خلال التنظم الحزبي وخصوبة التجربة التنظيمية هيكلة وأفكارا وعقائد جعلت من التيارات السياسية التونسية -بما فيها تيار الإسلام السياسي- في مظهر الأبناء الشرعيين لمشروع التحديث البورقيبي الذي تعامل مع آلية الصراع والتناقض من خلال منظومة الولاء والمعارضة معزولة عن أي خلفية فئوية أو عرقية.
في مخيال التونسيين ترقد ميثولوجيا ماثلة بمعاني الوسطية والاعتدال والاندماج تمثلها شخصية سلطان المدينة أو الولي الصالح سيدي محرز بن خلف الذي تنسب له الرواية التاريخية حرصه على حماية حقوق الأقلية اليهودية من أبناء الحاضرة التونسية، وينسب له المخيال الشعبي إلى اليوم مناخ السلامة والأمان الذي تحياه تونس عدا لحظات غفت فيها بركات سيدي محرز فكان الطاعون ثم الاستعمار ثم انتفاضتا يناير/كانون الثاني 1978 و1984.
لكن لنقل اقتفاءً لأثر هذا المخيال العتيق لعلها بركات سيدي محرز بن خلف حرست تونس من شرور التناقضات الحادة بما فيها التناقضات العرقية، لكن لا بد لعيون سيدي محرز

المحترسة لتونسه أن تشتد يقظة أكثر وأكثر في مواجهة شرور العولمة الطارئة.


التعديل الأخير تم بواسطة said ; 12-01-2008 الساعة 00:05