نقد عصر العقل. تبدو معتقدات عديدة من معتقدات عصر العقل ساذجة نوعًا ما في الوقت الراهن. ويعتقد معظم الفلاسفة الآن أن الحقائق المكتشفة بوساطة العقل حقائق كُليَّة لأنها مجرد إطناب؛ فالإطناب مقولة تكرر الفكرة بصياغة مختلفة، بدون إعطاء أية معلومات جديدة. ويمكننا ـ على سبيل المثال ـ القول بأن كافة القطط سنَّوْرات. فهذه المقولة حقيقية حقيقة كلية، ولكن فقط لأن القط يعني السِنَّوْر.
إن الحقائق العقلانية لعصر العقل مجرد تكرارات، فهي لا تخبرنا بأيِّ شيء عن الطبيعة، بل إنها تطلعنا على كيفية استخدام الألفاظ فحسب. ويعتقد فلاسفة أوائل القرن العشرين بأن المقولات الوقائعية عن العالم ليست مؤكدة تأكيدًا مطلقًا. كما أن مثل تلك المقولات مُرَجَّحة في أحسن الأحوال، إن لم تكن زائفة. أحس فلاسفة العقل بأن وجوب محافظة الحكومات على ممتلكات مواطنيها حقيقة بدهية. بَيْدَ أن الفيلسوف الألماني كارل ماركس جادل ـ في القرن التاسع عشر الميلادي ـ بأن ذلك الرأي يعكس أهواء الطبقة الوسطى فحسب. وكما يقول ماركس، فإن أولئك الناس هم الذين يملكون الممتلكات، ولذلك فإنهم يريدون المحافظة عليها.
وأكد الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز في أوائل عصر العقل أن الحقائق الكلية هي مجرد تكرارات؛ فقد كتب: إن التفكير ليس إلا مجرد حساب؛ أي جمع وطرح نتائج الأسماء العامة. غير أن القليلين اكترثوا لآراء هوبز.
تعرَّض الاعتقاد المتفائل لعصر العقل، المتعلق بإرادة الإنسان العقلانية، للاختبار أيضًا. ففي أوائل القرن العشرين، على سبيل المثال، صرَّح الطبيب النمساوي سيجموند فرويد بأن ما نحب أن نعدَّه أسبابًا سليمة لتصرفاتنا هي مجرد مسوغات. ويقول فرويد بأننا نتصرف كما نفعل بسبب الدوافع اللاواعية الناشئة من جزء من عقلنا الباطن المسمَّى الهُوَ ومن ثم ننسب الدوافع المقبولة اجتماعيًا لأنفسنا، وذلك لإرضاء الجانب الآخر من عقلنا الباطن المسمَّى الأنا العليا. وعلى أية حال، فإن عصر العقل اندثر قبل وقت طويل من مهاجمة ماركس وفرويد لمعتقداته الأساسية. وقرب نهاية القرن الثامن عشر الميلادي، حدث تغيُّر كبير في استشراف الناس؛ فقد صاروا يقدرون الأحاسيس بدلاً من العقل، ويُفضلون العاطفة والفردية والعفوية تجاه الانضباط والنظام والسيطرة. وقد ميَّز ذلك التغيير بداية الحركة الرومانسية.