منتديات دفاتر التربوية التعليمية المغربية - عرض مشاركة واحدة - تراث سعيد الأفغاني
عرض مشاركة واحدة

ابن الاسلام
:: تربوي ذهبي
ناصر القضايا العادلة ::

الصورة الرمزية ابن الاسلام

تاريخ التسجيل: 11 - 9 - 2008
المشاركات: 3,085

ابن الاسلام غير متواجد حالياً

نشاط [ ابن الاسلام ]
معدل تقييم المستوى: 525
افتراضي مصادر دراسة الأستاذ سعيد الأفغاني
قديم 13-12-2008, 22:01 المشاركة 2   

مصادر دراسة الأستاذ سعيد الأفغاني (1)
______________________________________
يوسف عبد الله الجوارنة - جامعة الإمارات العربيّة المتّحدة - برنامج اللغة العربية

المقدّمة :

يهدف هذا البحث إلى الوقوف على حياة الأستاذ سعيد الأفغاني وآثاره، ومحاولة استقصائها وإحصائها؛ فقد تشعّب بحثًا وانفلت من قيود الزّمان والمكان، يطوّف في أرجاء الحضارة العربية والإسلامية، بما فيها من آفاق واسعة وميادين رحبة في البحث والتأليف، لا يخرج عن إطار مقوّماتها ودعائمها : اللغة والدّين والتاريخ.
وحدا بي إلى هذا العمل المتواضع تُجاه شخصيّة نادرة المثال، متشعّبة النّتاج، رصينة الأخلاق- إحساسٌ خالجني أنّ سعيدًا رحمه الله عَلمٌ بحاجة أن يكون ميدانًا للدّرس والبحث العلميّ، فحاولت الرّجوع إلى ما توافر بين يديّ من مجلاّت تبيّن لي أنّه كان يكتب فيها، لاستخراج موادّه البحثيّة والإشارة إليها، حتّى تكون سهلة ميسورة للباحثين، فجمعت معظمها، ولم أوفّق في الوصول إلى بعضها .
وجعلت عملي هذا في جزأين: الجزء الأوّل تناول سيرته وحياته: ميلاده ونشأته، وحياته العمليّة، والمجامع اللغويّة التي كان عضوًا فيها، والمجلاّت التي كتب فيها، والمؤتمرات التي شارك بها، وصفاته وأخلاقه كما تبيّنتها في كتابات تلاميذه، وأخيرًا وفاته. أمّا الجزء الثاني فقد خصّصته لأعماله وآثاره، فجاء في سبعة أقسام: المؤلّفات، والكتب التي عُنِي بتحقيقها، والبحوث، والمقالات، والمداخلات، والمحاضرات، والقراءات (قراءاته للكتب وتعليقه عليها ).
واتّبعت في هذا كلّه منهجًا تاريخيًّا ووصفيّاً، مستنيرًا بما ورد في آثاره من إشارات متّصلة بحياته وأعماله، وبما ثقفته في كتابات تلاميذه خصوصًا الملحق الشّهري الذي يصدر عن جريدة الأسبوع الأدبي، التي يصدرها اتّحاد كتّاب العرب في دمشق عن الأستاذ سعيد الأفغاني، أو ما كُتب عنه بعد وفاته رحمه الله – ورتّبت موادّ الجزء الثاني (الجزء المهم من البحث) ترتيبًا زمنيًّا بحسب ورودها في المجلاّت كلّ قسم على حدة .
وأشير إلى أنّ ما واجهني من صعوبات في هذا البحث، هو عدم قدرتي في الوصول إلى بعض كتاباته، خصوصًا ما نشرَه في مجلّة رابطة العالم الإسلامي العراقيّة وغيرها من موادّ أخرى أشرت إليها بداية الجزء الثاني، وبعض كتبه المؤلّفة والمحقّقة مثل : الإسلام والمرأة ، وعائشة والسّياسة، والإفصاح للفارقي، وملخّص إبطال القياس لابن حزم.
ولا أنسى أنْ أقدّم شكري وتقديري لكلّ من قدّم يدَ العون والمساعدة لإخراج هذا البحث على وجهه الأكمل، ولا سيّما أخي وزميلي الأستاذ (محمّد فرحان الطّرابلسي)، الذي تفضّل بقراءة البحث، وكانت له ملحوظات مهمّة وقيّمة أفدت منها .
وما توصّلت إليه أرجو أنْ أكون قد وُفّقت فيه وبما نثرته عن حياة الأفغاني وسيرته، فإنْ كان كذلك فللّه الحمد والمـنّة، وإنْ كانت الأخرى فعذري أنّني اجتهدت، وبالله العون وعليه التّكلان .
بين يدي البحث
شاءت إرادة الله أن تكون ( العربيّة ) لغةَ القرآن الكريم، الكتابِ الذي جاء معجزة دالّة أعجزت أمّة اشتهرت بفصاحتها وبيانها، أن يأتوا بمثله "ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا ".
كان القرآن يمثّل شِرْعة المسلمين ومنهج حياتهم، ليكون والعربيّةَ أداتين فاعلتين من أدوات العالِم المجتهد، وليزيلا معًا الفوارق بين الأجناس البشريّة، فما كانت العربيّة يومًا حكرًا على العرب وحدهم، وما كان الدّين يومًا ممّا اختصّ به العرب عامّة وعلماؤهم خاصّة.. بل إنّ العربيّة لسانٌ من تكلّم به فهو عربيّ: "ألا إنّ العربيّة اللسان، فمن تكلّم العربية فهو عربيّ"، وليس من عجب أن ترى دهاقنة العربيّة وأساطين علوم الدين من غير العرب أرومة، وإنْ دلّ فإنّما يدلّ على شمولية الإسلام وعالميّة اللغة، التي كانت في زمان غابر لغة الحضارة والفكر .
وإنْ أنسَ لا أنسى أنّني على عتبة عَلَمٍ من أعلام العربية في العصر الحديث، ممّن دأبوا في استظهارها بصبرٍ وأناة، وجدّ وإخلاص، بعيدًا عن أرْوِقة الدّعاية ودهاليز التزلّف والخيلاء، فارتضى لنفسه أنْ يعيش حياة ما اعتادها الناس، وليست هي إلاّ لنفر ترفّع عن المظاهر وسفساف الأمور، ليكون حيث الرّفعةُ والسّموق في رحاب التراث العظيم، إنّه العلاّمة الثّبت (سعيد الأفغاني ) عالم العربيّة والنّحو العربيّ في بلاد الشّام .
هو من غير العرب أرومة، و "كان أبوه على صلاحه وتقواه لا يحسن العربيّة"، وليس ذلك أمرًا غريبًا؛ لأنّ الشّواهد في تراثنا العربيّ والإسلاميّ على هذه الظاهرة كثيرة جدًّا، وأمثّل لها بالقرّاء العشرة؛ فثمانية منهم هم من غير أرومة العرب، وقس على ذلك في كلّ العلوم العربيّة الإنسانيّة والتّجريبيّة على السّواء، وهي ظاهرة جديرة بالاهتمام والدّراسة .
كان رحمه الله وغيره من الأعلام في النصف الأول من القرن الماضي (العشرين)، كانوا يشكّلون ظواهر يستغرب لها أنصاف المتعلمين اليوم، ممن لا يزيد علمهم على مجموعة محفوظات لقنوها في كراريس، ظنوا بها أنهم حازوا سبقًا كبيرًا يدفعهم للصّدارة والخطابة والفتوى، فكيف بهم إذا كان لهم نبوغ العقاد، أو الرّافعي، أو محمود شاكر، أو سعيد الأفغاني، أو النفّاخ، أو ...الخ؟؟ .
والعجب أنك إذا سألت أحدهم عن واحد من هؤلاء القمم الشوامخ، تنطّع لك بإجابة باهتة كأنه في المنام يهذي أو في المقهى مخمور.. من هذا ومن ذاك؟ لا أظنه يرقى أن يُدرس أو أن تكون فيه رسالة، وهو ليست له بضاعة .
ما بضاعتكم إلى بضاعتهم وأنتم من يحملون اليوم أعلى الشهادات العلمية لم تكن لهم؟ وتتصدّرون هيئات ومؤسسات، ولكم فيها مخصّصات وامتيازات ورثتموها كابرًا عن كابر، وتشيحون بوجوهكم مصعّرين إذا ذكر أحد منهم بخير أو قرّظ وأثني عليه ...
والأفغاني واحد من أولئك الدين أحبّوا أن يقوموا للتراث بدأب وصمت وإخلاص، تدفعهم إليه أصالة المنبت وصدق الانتماء، والبعد عن الكِبْر والجاه، ويقينٌ في العودة إلى الله، كأنه يعيد إلى الذاكرة ذلك الجيل الذي حمل دعوة الإسلام في الخافقين، لا يحدوه في ذلك سوى حسن الختام واللحاق بالنبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقًا، لأن العظماء يتعالون عن صغائر الأمور ومحقّراتها، ولا تصلح لهم إلا العظائم، وهي لا تصلح إلا بهم .
لا ننكر اليوم أنّنا نمرّ بأزمات، أزمة فكر، وأزمة أخلاق، وأزمة ضمير، وأزمة هويّة، ... بصرف النظر عن مشاربنا وتعدّد مذاهبنا، واختلاف اتّجاهاتنا. ولعلّ أزمة الفكر والثقافة واحدة من تلك الأزمات المتراحبة التي تمرّ بها الأمم والشّعوب، وهي أزمة لها هيئاتها ومنظّروها وتتّصل بحركة الأمم وتطوّر مجتمعاتها وانحطاطها؛ فالفكرُ، وسبيله العلم، عزٌّ ترنو النّفوس إليه، وتتصارع الدّول النابضة بالحياة والحافظة للجميل، أن تكون في عداده؛ فكلّ عزّ لا يوطّد بعلم فإلى ذلّ يؤول .
استرعت انتباهي عبارة قرأتها ولا أعرف قائلها: إنّ في أيّامنا هذه أناسًا يتساقطون على أرصفة الفكر. وتساءلت يومها: ما أرصفة الفكر؟ وهل للفكر أرصفة؟ ومن أولئك الذين يتساقطون على أرصفته؟ وتمنّيت لو أنّ أحدنا يفعل ما فعل ابن شهيد الأندلسي في رسالته الأدبية (التّوابع والزّوابع)، فيصحب معه تابعًا يعرّج به على طائفة من العلماء والمفكّرين، يحاكيهم ويناكفهم في قضيّة الثقافة والفكر، فقد غدت اليوم في قفص الاتهام في الأقبية في غياهب السّجون .
إذا كان الطّريق الواسع المتراحب، له رصيف تعود قيمته وأهميته إلى بيان حدود الطرق وإعطائها صفة جمالية، وإذا كان الرّصيف لطيفًا جميلاً، فمن باب أولى أن يكون الشّارع كذلك.
أما العلم، فهو ضالّة الناس ينشدونها، إنْ أحسنوا التعامل معها، من حيث الدّخول في مقدّماتها والصّبر على غلوائها؛ لأنّ العلم مهيع لا يقطعه إلا رجل ذو صبر وجلد، وخفر وحياء، وفكر ورويّة. لذلك، فهي بالنسبة للناس كالماء للظمآن يطلبه حثيثًا، وما مقدّمات العلم والفكر إلا تلكم الأرصفة، التي يتزاحم الناس عليها ... فلا عجب إذن أن يكون للفكر أرصفة، ليست للعلماء والمفكرين بل للشّادين والمبتدئين، الذين يدّعون علمًا لا يزيد على مجموعة ذخائر اقتنصوها من هنا وهناك .
إنّ الشّدائد عادة تفرز الغثّ من السّمين، والمنتمي من اللامنتمي، ومجاهدَ الفكرة من دعيِّها، ولا تكون ثـمّة أزمات إلا في شدائد، ولا تكون محكّات إلا في نكبات، ولا تكون أشواك إلا في صعاب المسالك ... من هنا، فليس من عجب أن يتساقط الناس على الأرصفة، إذا كان هذا حال العلماء يتساقطون ويتهاوون، علماءِ المناصب والأزياء، والأوسمة والشّهادات.
يعيش الفكر أزمة الكلمة والنّموذج، فنماذج الفكر اليوم وأدعياؤه يَقذِفون بكلماتهم باردةً باهتةً، لأنهم تبع لكل ناعق ناعر، تهون عليهم نفوسهم وثقافتهم إنْ كانت لهم ثقافة وهويّة، في سبيل تحقيق مصلحة عاريّة، أو مطمع بدا لهم خيره في الأفق، يحدوهم إلى ذلك غياب وازع الدّين، عداك عن رقابة العقل والضمير، بله لعنة الناس والتاريخ .
ليس عجبًا أن يتساقط الأدعياء على الأرصفة، في زمن يحمل الفكر فيه هبَنّقات وخواجات، يبتغون ألقابًا ووجاهات، ومناصب وحانات، فالفكر بالنسبة لهم دابّـة يمتطونها، وكفايتهم لذلك أنهم لا يحسنون قراءة الماضي واستكناهه، ويعجزون في تحليل النصوص وسبر غورها، بل في فهمها واستنطاقها. إنّ بضاعتهم من العلم لطائف ونسائم، وأحقاد وضغائن، أَصَمَّها في آذانهم دهاقنة بحق وحقيق، فراحوا بها كمثل الذي ينعِق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء ...
إنّ أمتنا اليوم انزلق بها رجالها في غياهب ومتاهات لا يرسون بها على برّ؛ فعلماؤها جهّالها، وعملاؤها قادتها. وأمّة هذه حالها، تنصّلت من ماضٍ مشرق، وانساقت إلى الذيليّة والتبعيّة، ليست بمستأهلة للدّخول في عالم الحاضر والمستقبل، فاستقراء الثابت يدعو إلى استشراف المتحوّل.
ونحن أمّة لسنا بِدْعًا من بين الأمم، فلدينا حضارة ناطحت السِّماكين، وأشرقت على أمم فأنبتت لهم حضارات، يشهد على ذلك كلّ من له قلب أو ألقى السّمع وهو شهيد. فلمّا عَقَقْناها صِرنا نقتات على موائد اللئام، بضاعتنا إليهم أنْ أَذِلّوا رؤوسَنا ونكِّسوا راياتِنا، واحرِقوا تراثَنا، وحطِّموا حصونَنا؛ فأنتم السّادة ونحن العبيد!! لكم العيش الرّغيد، والفراش الوثير، ولنا الحرمان والجوع، نفترش الأرض ونلتحف السّماء .
تحضرني هنا مقالة الفيلسوف الفرنسي المشهور ( فولتير)، يوم ذُكر أمامه المصلحان الدّينيان: الرّاهب الألماني مارتن لوثر(1483-1546م)، والرّاهب الفرنسي جون كلفن (1509-1564م) في عصر التنوير في العصور الوسطى، اللذين كانت لهما جَلَبَة وأَوْج... فاستذكر الفيلسوفُ محمدًا صلى الله عليه وسلم وما أحدثه في تاريخ الإنسانية، فقال: والله إنهما لا يصلحان أن يكونا نعلين لحذائه صلّى الله عليه وسلم .
ذلكم محمّد النّبي الأمي، الذي كانت أمّيته حجّة على أمّة اتّصفت بالفصاحة والبيان، فعَجَزت أن تجاري القرآن في أسلوبه؛ فمنهم من آمن، ومنهم من كابر وعاند فانكفأ على عقبيه خسر الدنيا والآخرة. وهكذا وقف هؤلاء الأدعياء السّفلة عند الرّصيف، يعدّون الفكر بضاعة مزجاة يكترونها بثمن بخس دراهم معدودة، في زمن أُريد فيه للكلمة الناطقة والعبارة الأبيّة، أن تكون حبيسة اللسان، رهينة الجَنان، وهي حالة مرضيّة ابتليت بها الأمّة يوم ظهر هؤلاء من جحورهم ينادون بالتقدميّة ويحذّرون من الرجعيّة .
ومع ذلك، فإنّ التاريخ لا يرحم، ولن يساوم حتى وإنْ مرّت دهور وأزمان، غابت فيها الحقائق وأُرِيد لها أن تكون في غياهب المجهول، أرادها عبيد السّياسة وأدعياء الفكر ومنظّرو (الرّدهات) و (الدّهاليز ).... غير أنها أزمة ستؤول إلى زوال، فتظهر ثـمّة الأيادي الخفيّة تلك المتوضّئة، التي آلت على نفسها أن تكون مع الكلمة الصّادقة والحقيقة الناصعة، المغيّبة عن أجيال وأجيال في ظلام دامس وليل حالك - فيبزغ فجر جديد يفترق الناس فيه راغمين إلى فريقين: فريق إلى جنّات التاريخ، حيث الحُبور والجَذَل والسّرور، وآخر إلى (مزابله ) والعياذ بالله، حيث الأدعياء المتراصفون .
والذي دعاني إلى بسط هذه العبارات، هو أنّنا حتّى هذه اللحظة ما أنصفنا علماءَنا المخلصين، وتنكّرنا لهم باسم الحداثة والتّقدّميّة، بل وصفناهم بالرّجعيّة والثّرثرة الأخلاقيّة، بحجّة أنّهم كانوا حصونًا راسخاتٍ في الحفاظ على مقوّمات حضارتنا وبيان ثرائها ونصاعتها.. ولو كانوا أبواقًا لخواجات المستشرقين ومراكز التّجهيل والتّضليل، لباتوا بذلك عباقرةَ القرن وسدنةَ العلم يُشار إليهم بالبنان .

مصادر دراسة الأستاذ سعيد الأفغاني (2 )
______________________________________
يوسف عبد الله الجوارنة - جامعة الإمارات العربيّة المتّحدة - برنامج اللغة العربية


أوّلاً : حياة الأستاذ سعيد الأفغاني وسيرته

مولده ونشأته :
ولد الأستاذ سعيد الأفغاني• في أحد أحياء دمشق القديمة المحيطة بالجامع الأموي سنة 1909م، وقد كان والده (محمد جان)[1] رجلاً من الصالحين، هاجر من بلده (كشمير) ميمّمًا شطر بلاد الشام، واستقرّ به المقام في دمشق، وراح يعمل فيها عملاً متواضعًا، وكان الناس يدعونه بالأفغاني وما هو من بلاد الأفغان.
تزوّج والده في دمشق من عائلة (الأبيض)، ورُزق بسعيد وأخت له، ثمّ ماتت زوجه وعُمْر سعيد ثلاث سنوات، ليعيش بعيدًا عن حنان أمّه ورعايتها، ما حدا بوالده أن يقف حياته لولدَيْه مربّيًا وبهما رؤوفًا ولهما معلّمًا، فنشأ سعيد في كنفه رحمهما الله نشأة علم وطلب، يقول عن والده[2]: "كان والدي يصطحبني إلى المسجد الأموي بين المغرب والعشاء، فنحضر حلقة درس ثمّ صلاة العشاء..."، في فترة من أحلك الفترات التي مرّت بها بلاد الشام، وشهدت انحسار الدولة العليّة العثمانيّة، على أيدي جماعة الاتّحاد والتّرقّي ذات المشارب اليهوديّة .
التحق الأفغاني بمدرسة (الأمينية و الإسعاف الخيري)[3]، وكان في السابعة من عمره آخر العهد التركي، ثم دخل الدراسة الابتدائية في التاسعة من عمره سنة 1918 في الحكم الفيصلي، ومنذ سنة 1919 ترافق مع قرينه علي الطنطاوي عند الشيخ صالح التونسي وفي مجالس الشيخ محمد بن بدر الدين الحسني[4]، وهي السنة التي أنشأت فيها الحكومة العربية دروسًا لمواطني الدولة، هدفها تقوية لغتهم العربية والارتفاع ببيانهم[5 ].
وكان لهذه المجالس أثر طيب في بناء شخصيته وتكوين ثقافته وظهور نبوغه، خصوصًا وأنها مرحلة حرجة في تاريخ الدولة، إذْ قامت الدعوات التحررية والإصلاحية ردَّ فعْلٍ على الدعوات الطّورانية والإقليمية بين أجناس الدولة المختلفة، مما دفع بهم أن يتدافعوا لمتابعة الأخبار من الكتب والاعتكاف عليها، يقول الأفغاني في حديث له عن الشيخ محمد رشيد رضا[6]: "ليس المرحوم الشيخ محمد رشيد رضا بالمجهول عنّا اليوم، قرأنا تفسيره وفتاواه وبحوثه في مجلة المنار منذ نعومة أظفارنا ".
ثم دخل الدراسة الثانوية بين سنتي ( 1923-1928) في مدرسة (التجهيز ودار المعلمين)[7]، وكان من أساتذة العربية فيها: الشيخ عبد الرحمن سلاّم، والشيخ محمد سليم الجندي، والشيخ محمد الداوودي، والشيخ أبو الخير القوّاس، والأستاذ الشاعر محمد البزم، الذين كان لهم أثر كبير في إحداث نقلة في عقول الطلاب، خاصة وأن العربية كانت تسابق الزّمن على أيدي هؤلاء في الوقوف أمام الهجمات الشرسة ضدها، يقول الأفغاني[8]: "وعلى جهود هؤلاء وأمثالهم في بقية المدن الشاميّة ارتفع لواء اللغة العربية في الشام وحمله من بعدهم تلاميذهم ".
وقد بلغ من غيرتهم على العربية أنّ أحدهم وهو الأستاذ الجندي، كان ينهى تلاميذه عن كتب المنفلوطي وشعر شوقي وحافظ لأنها برأيه تفسد اللغة، يقول الأستاذ سعيد[9]: "إني والله لا أزال أذكر قوله هذا ونحن في الصّف التاسع، وقد جرح بذلك شعورنا لكثرة ما كنّا نحبّ المنفلوطي ".
لذلك ليس من عجب أن تجد أحدهم وقد انتهى من الثانوية، ولديه قدرة فائقة في التدريس تضاهي اليوم من يتخرّجون في المراحل الجامعية الأولى بل ويزيد. يقول الأستاذ سعيد[10]: " وأذ كر أننا ونحن طلاب كنا نلتهم مؤلفات طه حسين وأحمد أمين والزّيات والرافعي والعقاد والمازني وهيكل، كما نتخاطف أعداد (السّياسة الأسبوعية)[11]، لئلا يفوتنا موضوع من الموضوعات الأدبية الداخلة في منهج الدراسة الثانوية ".
وكان من أقران الأفغاني في ثانوية دمشق أو قبله أو بعده، مجموعة من التلاميذ الذين صار شأنهم في الحياة كبيرًا، وبلغوا منزلة من الفكر والثقافة والبيان، منهم: علي الطنطاوي، ومحمد الجيرودي، وجمال الفرا، وأنور العطار، ومسلم القاسمي، وعبد الغني الكرمي، وعبد الكريم الكرمي، وجميل سلطان، وزكي المحاسني، وأمجد الطرابلسي، وظافر القاسمي، وغيرهم كثير .
وقد سجّل عن بعضهم الأفغاني في كتابه[12]: "ولا أنسى – وكنت تلميذًا ليليًّا فيها (أي ثانوية دمشق)- أنّ عيني ألفت أن أجد على منضدة رفيقي محمد الجيرودي نقيب المحامين فيما بعد، أمالي القالي وبعض أجزاء الأغاني وهو في السنة الثانية من تحصيله الثانوي، كما ألفت رؤية القاموس المحيط بأجزائه الأربعة أمام زكي المحاسني الأديب الشاعر، ودواوين الشعر القديم أمام أنور العطار، وكتب الأدب واللغة مع عبد الغني الكرمي وعبد الكريم الكرمي، وغيرهم إلى جانب كتبهم الدراسية الثانوية ".
وكان لهؤلاء الطلاب (وهم في الثانوية) دراية في النقد ودربة في فنون الكلام، وما جاءت لهم هذه الملكة من فراغ، لولا حرص أساتذتهم وتشجيعهم لهم أن تكون اللغة العربية زادهم وكيانهم، فكانوا في جلساتهم لا يتحدثون إلا الفصحى، ويروي الأفغاني (وقد كان طالبًا في ثانوية دمشق) عن الحفلات والمهرجانات يقول:"حتى لأذكر أننا كنا نرجع من الحفلة أو المهرجان أو المحاضرة، فئة من الطلاب الليليين في ثانوية دمشق، نعلّق على الموضوع، وعلى ضعف المحاضر أو قوته في لغته، وفي ذاكرة كلّ منّا الهفوات التي لحق بها المحاضر أو الخطيب، نتفق في الرأي على أكثرها ونناقش في قليل منها مختلفين[13 ]".
وإنما جاءت قوّتهم في العربية وقد اكتملت لهم ناصية البيان لأنّهم تعلّموا النحو صغارًا في المرحلة الابتدائية في سلسلة (الدروس النحوية) للمرحوم حفني ناصف ورفاقه، يقول الأفغاني عن هذه السلسلة: " أنهيتها في المرحلة الإعدادية، ولا يحتاج من درس جزأها الأخير (قواعد اللغة العربية) إلى زيادة في نحو ولا صرف ولا بلاغة؛ ما عليه إلا الانصراف إلى أدبنا الصافي وتاريخنا الرائع، يعبّ منهما ما وسعه العبّ، ويتذوّق عبقرية لغته ما أمكنه التذوّق[14 ] ".
إذن، فثانوية دمشق هي التي أصّلت فيهم محبّة العربية، وهي التي درجت بهم أن يكونوا في يوم من الأيّام أعلامًا في رحابها وكينونتها، إنّها "معقل العروبة وطنيةً ولغة وأدبًا وتاريخًا ونضالاً طويلاً" على حدّ تعبير أستاذنا رحمه الله .
أمّا الجامعة السوريّة، فقد دخلها بين سنتي (1929-1932)، ولم يمضِ على إنشائها سوى عشر سنوات، ولم يتطرّق في كتابه للحديث عن كلّية الآداب، لأنّ الكلام على عروبتها كما يرى من الفضول، في حين كان معنيًّا بالتأريخ لمعهدي الطبّ والحقوق. غير أنّ تلميذه عبد المجيد القادري أشار[15] إلى أنه رحمه الله كان أحد الذين عملوا على وضع الكلمات الطّبيّة والعلميّة التي تستعمل في الشّرح أثناء إلقاء المحاضرات في مدرّجات كلّيتها الطّبيّة .
وقد تتلمذ علي يديه في جامعة دمشق خاصّة والجامعات العربية عامة، طلابٌ كثيرون توزّعوا في أنحاء الوطن العربي الكبير، ومنهم اليوم أساتذة كبار يحملون رسالة العربية متأثرين بما ثقفوه من منهج الأفغاني الذي غرسه فيهم على إكبار العربية .
وقد أشرف الأفغاني على رسائل جامعية في الماجستير والدكتوراه في دمشق وعمان[16]. وكان رحمه الله قد تزوّج بأخرة ابنة القاضي صلاح الدين الخطيب[17]، ورُزق منها الابنة الوحيدة (بشرى ) ، التي تعدّ أطروحةً لنيل درجة الدكتوراه في التّربية .
وكما انقطع والده بعد وفاة زوجه للعمل وتربية أولاده بعدم الانشغال بأعباء الزوجيّة، كذلك ورث الأفغاني هذه الحالة عن والده، فهو تزوّج بعد الخمسين من عمره، وكان يحبّ العزلة والانفراد كثيراً، منقطعاً للبحث والتحقيق والتأليف، حتى صار القلعة لا تهزّها العواصف الهوجاء، والراسخ الذي امتلأ علمًا وإحاطة بالتراث العربي والفكر المعاصر، فهو وغيره من علماء الشام نتاج دهاقنة العلم وأساطينه ممن تأبّوا على جيل المستعمر وألاعيبه، الانقطاعُ للعلم ديدنهم، والترفّع عن زخارف الدنيا وملذاتها طباعهم.
وقد كان رحمه الله وأنت تقرأ في نتاجه العلمي وكما خبّر عنه تلامذته، يشكل نمطاً فريداً في العلم وعقلية راسخة محايدة، جعلت منه مدرسة يرودها كلّ مصابر مرابط؛ فإنّ انقطاعه للعلم وعكوفه في مجالس الأقدمين، هيّأ له قلمًا لا تخطئه العبارة، وفكرًا حاضر الذّهن في كلّ حال .
فقد كان شيخنا منذ نعومة أظفاره على وعي بما يجري حوله، وما يُراد بالعربية وأمتها من مكايد ومعضلات، فكانت عقولهم بحقّ أكبر من أعمارهم كما يقولون، انظر إلى هذا الوعي: "كنت فتى حين أَجَبت عضواً من جمعية إسلامية دأبت على إصدار منشورات تطالب العناية بدرس الدّين في مدارس الحكومة، وزيادة حصصه وكان الفرنسيون قد أنقصوها: سألني: ما رأيك في هذا المنشور؟ قلت: أرى صيانةً لدرْس الدّين- أن تطالبوا بإلغائه. فعجب جداً وقال: كيف؟ ولمه؟ قلت: إنّ للدّين حرمةً في النفوس طبيعية، فإذا ألغيتم الدرس بقيت الحرمة، ويتعلم الناشئ دينه في أسرته وفي المسجد، لكن إبقاءه - وبعض مدرسيه يمالئون الفرنسيين - يوحي إلى الأطفال وقد تشبّعوا بروح المقاومة أنّ هذه الممالأة من الدّين فيكفرون به"[18 ].
ومن معالم شخصيّته غيرته على الدّين الحنيف، تلحظ ذلك من كلام الأستاذ زهير الشاويش بقوله[19]: "شهدت له مناقشات مع كبار علماء بلدنا المقلّدين، وكان المدافع عن منهج الاتّباع للأدلّة والنّبذ للتقليد الأعمى.. وكان يصحّح للمؤرّخ الصّديق عمر بن خالد الحكيم[20]ما يجد فيه توسّعًا من أخبار ومعلومات، ويردّ على الدكتور سعيد عودة ما يتطاول به على العلاّمة المجاهد الشّيخ كامل القصّاب، ورجل فلسطين الأوّل الحاج أمين الحسيني ... وكانت له مع الطنطاوي جلسات للتقريب بين المذاهب، بعضها مع الشيخ محمد تقي القُمِّي[21] في دار التقريب بمصر ".
وليس ذلك غريبًا على باحث سلخ من عمره أشواطًا في دراسة الإمام العلَم ابن حزم الأندلسي، وعاش مع الحضارة العربيّة والإسلاميّة ما أنساه أن يكون أبًا كغيره من العلماء...انظر إليه في بحثه (معاوية في الأساطير) وقد أعوزته المادّة العلميّة يقول[22]: "في دار الكتب الظاهريّة بدمشق مخطوطتان لتاريخ دمشق الكبير للحافظ ابن عساكر، عكفت على تفليتهما شهورًا طويلة فوجدت فيهما عونًا على موضوعنا، ولفتًا للذهن إلى الطريق اللاّحب بعد أن كنت أسيرًا في بنيّات[23] الطّرق"، وهذا شأنه رحمه الله مع كلّ نتاجه العلمي.
وقد كانت المنتديات الأدبيّة والمقاهي الثّقافيّة والمجالس العلميّة وما زالت إلى اليوم، منتشرة بشكل بارز في سوريّة، خصوصًا في فترة الاحتلال الفرنسي وما بعدها بقليل، حيث كان يجتمع فيها الأدباء والمفكّرون والشّعراء، كلّ يدلي من جانبه في الموضوع المطروح للنقاش، وقد أثمرت هذه اللقاءات ثمارًا طيّبة في إخراج جيل يتسلّح بالعلم، ويتقن العربيّة الفصحى بصرف النظر عن اختصاصه، وكان أثرها في النّاس مجديًا يفوق ما يأخذه الطلاّب في الجامعات.


منقول للفائدة