بعد محاولة إنجاز مقدمة لدراسة الحالة، في مساهمة متواضعة سابقة، نحاول هنا، بحول الله، عرضَ باقي عناصر الموضوع .
العرض :
الموضوع يطرح، في الواقع، ثلاث حالات، وليس حالة واحدة فقط . نبدأ إذن بالحالة الأولى .
1 ـ هي حالة التلميذ الذي يكرر القسم، ويرى الدروسَ والفروض والواجباتِ صعبة . وبما أن نتائج التقويم، عنده متدنية، غادر التلميذ المعني المدرسة، قبل إنهاء المرحلة الدراسية (من تعاريف الهدر وهي متعددة: "انقطاع التلميذ عن الدراسة كلية، قبل إتمام المرحلة الدراسية") . وسبب الانقطاع هنا، هو التعثر الدراسي . وعوامل التعثر الدراسي، كما هو معروف، متعددة، تربوية (منها تراكم التعثر) أو اجتماعية أو اقتصادية أو شخصية مرتبطة بقدرات المتعلم واستعداداته وذكائه وسمات شخصيته... والحالة لا تقدم أي توضيح حول أي من هذه العوامل . وهنا دور خلية اليقظة بالمؤسسة (وبقية الفاعلين) في محاولة الكشف عن السبب . ومن المعروف أن كل عامل يتفرع إلى عوامل جزئية، قد تكون، منفردة ً أو مجتمعة ً، هي سبب التعثر . فالعامل التربوي مثلا، قد يعود إلى طرائق التدريس والتأديب والعلاقة التربوية... وقد يعود إلى عدم كفاية أو انعدام الوسائل والمعينات الديداكتيكية بالفصل والمؤسسة. وقد يعود إلى فضاء القسم وبنية المؤسسة (قسم وحيد منعزل عن القرية، بدون باب ولا نوافذ مثلا )، أو إلى الاكتظاظ والخصاص في الأساتذة... وهكذا في باقي عوامل التعثر (في الجانب الاجتماعي: غياب الأبوين أو أحدهما ـ الطلاق ـ خلافات الزوجين المتكررة وتعدد الإخوة والأخوات وضيق ذات اليد ...)
التلميذ هنا يشكو من صعوبة الدروس والتمارين . وقد لا تكون الصعوبة في المادة الدراسية، بقدرما قد تكون في سمات شخصية المتعلم (القدرات العقلية ـ المميزات النفسية ـ التعثر المتكرر ـ قدرات التواصل ـ المعطيات اللغوية والثقافية ـ الشعور بكبر السن ...) أو في الجانب البيداغوجي الديداكتيكي (الإلقاء والتلقين ـ انعدام التجربة وعدم مراعاة مستوى المتعلم ومحيطه وبيئته ـ النظرة السلبية إليه وعدم فسح المجال أمامه للتعبير عن ذاته والإسهام في بناء معرفته ـ ثغرات المنهاج الدراسي ـ العقاب المادي والمعنوي إو التهديد به ...)
2 ـ الحالة الثانية تبين نتيجتـُها أن التلميذ انقطع عن الدراسة لأنه يتهيب مواجهة الإدارة بسبب عدم إحضار اللوازم المدرسية . ومع استبعاد أن يكون التلميذ ممتلكا للأدوات، ولا يحضرها إلى المدرسة، فإن الاحتمال الراجح، بعد تكرار العملية، هو أنه لا يتوفر عليها أصلا . ولا يكون السبب في هذه الحالة إلا الجانب الاقتصادي/الاجتماعي والحالة المادية للأسرة . إذ كثيرون هم الآباء، في العالم القروي (وفي المدن أيضا)، الذين لا يستطيعون مواكبة تمدرس أبنائهم بشراء ما يلزم من الأدوات والاحتياجات المدرسية، بسبب الفقر وانعدام الموارد المالية، وخصوصا إذا تعدد الأبناء (ذكورا وإناثا) المتمدرسون . في هذه الحالة إذن، يلجأ بعض الآباء إلى الاستعانة بأبنائهم (كلـِّهم أو المتقدمين منهم في السن، على الأقل)، في العمل والبحث عن موارد القوت (الرعي ـ أشغال الحقول ـ أعمال البناء ـ الهجرة القروية ـ معضلة تشغيل الأطفال...)
3ـ الحالة الثالثة، يمكن اعتبارها تربوية سيكولوجية أخلاقية ... فعندما ينتفي الدافع للتعلم والدراسة (لأسباب مختلفة، فد يكون أحدها: النظرة السلبية إلى المؤسسة التعليمية والاعتقاد بلاجدوائية الدراسة في بيت فيه متعلمون معطلون مثلا)،تنفتح أمام الطفل مغريات الميل نحو اتباع الهوى الفطري: الفراغ والكسل والانطلاق إلى أجواء الطبيعة الحرة، غير المقيدة بالحراسة وقوانين المدرسة والأسرة، والانصياع لنداءات الأقران ورفقاء السوء... وهنا تبرز مسؤولية الآباء في تتبع أبنائهم ومعرفة صحبتهم ورفقائهم . وأسباب "مدرسة الأدغال" (L'école buissonnière ) أيضا متعددة: تربوية، علائقية، تأديبية أو ذات صلة بجاذبية (أو بالأحرى عدم جاذبية) الفضاء التربوي ، أو بالسمات الذاتية الشخصية للمتعلم (النزوع نحو التمرد على قيم المدرسة والمجتمع مثلا) ...
ـ الانقطاع عن الدراسة في الحالات الثلاث، جاء إراديا، ولم يكن سببَه قرارٌ إداري مدرسي بالفصل (تنظمه قوانين المدرسة المعروفة في المجال). ويتبين من كل الحالات أن ظاهرة الهدر المدرسي ظاهرة معقدة، وذات أبعاد وجوانب وأسباب متعددة. وقد تتضافر عدة عوامل وأسباب في حدوثها . والحلول التي يمكن اقتراحها، هي أيضا متعددة وذات وجوه متنوعة، حسب كل حالة حالة . وهنا تكمن أهمية ودور خلايا اليقظة بالمؤسسسات التعليمية، وكذا مجالس التدبير وجمعية الآباء والإدارة وهيئة التدريس وباقي شركاء المدرسة ( المنتخب الجماعي ـ السلطة المحلية ـ هيئات المجتمع المدني العاملة في ميدان الطفولة والتربية والتنمية...)، في تنسيق الجهود بغاية التصدي للظاهرة قبل الحدوث (على الخصوص) وبعده . ويمكن هنا، اقتراح بعض الإجراءات :
ـ رصد حالات التلاميذ المتعثرين (المهددين بالانقطاع) ودراسة وضعيتهم واتخاذ الإجراء المناسب الممكن لها .
ـ اللجوء إلى الدعم الملائم (البيداغوجي ـ الاجتماعي ـ النفسي...)، حسب الحالات والإمكانات المتوفرة أو الممكن الاجتهاد في توفيرها .
ـ تاهيل المؤسسات التعليمية والعناية بفضاءاتها وجاذبيتها وتجهيزاتها...(التسوير ـ المرافق الصحية ـ المكتبة المدرسية ـ الإطعام ـ فضاءات التربية البدنية والرياضة ـ البستان المدرسي...)
ـ تكثيف اللقاءات التربوية والأنشطة التحسيسية والتواصلية التوعوية( في ميدان الهدر المدرسي، على الخصوص)، بتنسيق مع شركاء المدرسة .
ـ الاهتمام بالأنشطة الموازية: الاجتماعية الفنية الترفيهية (في إطار التعاون المدرسي بالنسبة للمدرسة الابتدائية)، مع تنويع النشاط وتجديده والانفتاح على المحيط بقصد اكتشافه والتعلم من معطياته والاستفادة منها ...
ـ تنمية روح التعاون والتضامن بين مكونات الوسط المدرسي (المحفظة المدرسية والأدوات ـ النظارات ـ دعم الإطعام ـ دار الطالبة ـ الانفتاح على الجمعيات ذات الاهتمام...)
ـ نشر وتداول ودراسة وتطبيق ما يمكن تطبيقه من مضمون مختلف الوثائق المتعلقة بالظاهرة *، التي أصدرتها الوزارة الوصية، حسب معطيات المؤسسة وإمكاناتها واجتهادات هيئتها الإدارية والتدريسية وشركائها ...
الخاتمة :
يتبين مما تقدم، أن ظاهرة الهدر المدرسي، معضلة مركبة، تتسبب فيها عوامل متنوعة ومتعددة، وغالبا ما يكون وراءها، أكثر من عامل تتضافر لإفاضة الكأس وقصم ظهر البعير، كما يقال . والحالات الثلاث المعروضة في الموضوع، كانت أهم أسبابها :
ـ التعثر الدراسي المتكرر .
ـ الحالة الاجتماعية/الاقتصادية المتدنية للأسرة .
ـ النظرة السلبية إلى المدرسة والانجراف مع طيش جماعة الرفاق .
وكما أن عوامل الهدر متعددة، فإن إجراءات التصدي لها والوقاية منها متنوعة ومختلفة (الدعم التربوي ـ الاجتماعي ـ النفسي ـ تضافر جهود كل الفاعلين وتنسيقها في اتجاه تقليصها إلى حدود 50%، في هذا الموسم، والقضاء عليها كليا سنة 2011، كما يطمح مخطط الوزارة الاستعجالي) .
مع المتمنيات الخالصة بالتوفيق والنجاح .
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
* من الوثائق المهمة التي صدرت عن الدوائر المسؤولة بو.ت.و. في الموضوع، والتي تحدد الأهداف والعمليات والإجراءات والموارد البشرية المعنية... نذكر :
1) المخطط الاستعجالي لو.ت.و. (الباب الخاص بالهدر المدرسي ) .
2)"دليل الإجراءات التنظيمية لتدبير البرنامج الوطني للحد من الانقطاع المدرسي بالتعليم الابتدائي" 2006. قطاع التربية غير النظامية .
3) "دليل منهجي لفائدة خلايا اليقظة/ إجراءات التشخيص ومنهجية التدخل" . 2006. نفس القطاع .
4)المذكرة الوزارية رقم 113، حول "الحد من الهدر المدرسي" . 2008
5) مصوغة: "التصدي للهدر المدرسي". دورات تكوينية للإدارة التربوية . 2008 .
6)"دليل اليقظة التربوية". المخطط الاستعجالي . 2008 .
7) " دليل رصد التلاميذ المهددين بالانقطاع". و.ت.و. 2008 .