غزة.. طبيبها جريح ومصورها أصبح صورة
علا عطا الله
جرائم غزة فاقت قدرة طواقم الإسعاف فتتم الاستعانة بالسيارات الخاصة والمواطنين غزة – بسرعة هائلة هبت لنجدة من استغاث.. تنطلق سيارة الإسعاف لإنقاذ جرحى ينزفون بغزارة، ويحاصرهم الموت من كل جانب، نداء الأنين يرتفع والسيارة تقترب، وفجأة.. ينهال وابل الرصاص، ويحطم نوافذ السيارة، ويشل حركة سيرها، ويتحول المسعفون داخلها في غمضة عين إلى جرحى، يطلقون صرخات الألم والنجدة.
نفس المشهد يتكرر مع كل من يحاول التخفيف من وطأة الألم الغزاوي، أو يضمد جراح الغزاويين، ومنع نزيف الدماء هناك، أو على الأقل كشف حقيقة ما يجري.. رجال الإسعاف.. الإعلام والقلم والكاميرا.. رجال الإنقاذ والدفاع المدني.
جرحى في المنزل المقصوف، وآخرون في الإسعاف، وما من دواء لغزة الجريحة النائمة والمستيقظة على وقع هجمات اخترقت كل المحرمات، وتجاوزت جميع الإشارات، حتى الحمراء منها، فنالت من مريضها وطبيبها وطفلها وشيخها.
من مسعف لجريح
وبصوت غائب لا يكاد يصدق ما جرى، يروي طبيب الإسعاف، حسن العتال لـ"إسلام أون لاين.نت" قصة تحوله من رجل يحمل الدواء إلى آخر يستجديه.
ويقول: "جاءنا اتصال هاتفي من إحدى العائلات في شمال غزة تستصرخنا بأن نعجل الخطى لإنقاذ صغارها الثلاثة الذين أصيبوا بشظايا قذيفة أطلقتها مدافع الاحتلال، توجهنا إلى هناك على الفور، وما إن اقتربنا قليلا من مكان الحدث حتى انهمر الرصاص على رءوسنا كما المطر، لم نعد ندري من أين جاء".
وأضاف: "سقطت أنا واثنان من زملائي مضرجين بدمائنا، وتحولنا من مسعفين إلى جرحى".
وقال العتال الذي بدا مصدوما من استهداف سيارات الإسعاف: "لم يكن إطلاق النار عشوائيا، بل كان مقصودا، إنهم (الإسرائيليون) لا يريدون لمرضانا العلاج، ولا يريدون لأحد البقاء".
الطبيب أحمد العسفي يبكي صديقه الشهيد إيهاب المدهون بحرارة، وبصوت الألم مضى يقول: "فارق إيهاب الحياة، وهو يسعى جاهدا لإنقاذ حياة طفلة أوشكت على لفظ أنفاسها الأخيرة".
ووصف المشهد الدامي قائلا: "حملها بين ذراعيه ليدخلها سيارة الإسعاف، وفجأة باغتته شظايا الموت، وسقط في بحر دمائه".
لحظات من الصمت الحزين سبقت حديث ضابط الإسعاف عامر السيد، الذي قال لـ"إسلام أون لاين.نت" بصوت المرارة والأسى: "كنا نظن واهمين أن سياراتنا ستكون محصنة ولن تمسها رصاصات موتهم، ولكن الحرب كشفت عن وجه الاحتلال البغيض والهمجي.. أطباء في لمح البصر يتحولون من مسعفين إلى جرحى وموتى".
معاوية حسنين مدير خدمات الطوارئ والإسعاف في وزارة الصحة الفلسطينية استنكر ما تقوم به إسرائيل من استهداف مباشر لطواقم الإسعاف والطواقم الطبية، وتساءل بصوت غاضب: "هل بات الطبيب يشكل خطرا على أمنهم، وهل صارت حقيبة الدواء هدفا يجب أن ينالوا منه؟!".
ولفت حسنين في حديثه إلى أن قوات الاحتلال قتلت إلى الآن في أيام الحرب الستة عشر، 12 طبيبا ومسعفا، ودمرت 20 سيارة إسعاف، وقال: "كلما ذهبت سيارة إسعاف إلى مكان ما أمطروها بالرصاص، وأجبروها على التراجع".
وبالرغم من كل ما يعترض طريقهم من أشواك وتحديات، يؤكد حسنين أن جميع الطواقم الطبية مصرة على الاستمرار في عملها بقوة أكبر.
واستدرك قائلا: "عملنا هو **** ومقاومة، يريدون منا أن نترك جرحانا ينزفون حتى الموت، مهما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، ولن نتراجع حتى إذا استهدفنا جميعا".
دماء على الكاميرات
وإن كانت طائرات الموت تتربص بأطباء حملوا الدواء في كف، وأرواحهم في كف أخرى، فإن عيون الطائرات الحربية الإسرائيلية تحملق في مقاومين آخرين يحملون القلم والكاميرا، ويرسمون باحتراف جرائم إسرائيل، وما خلفته من موت ودمار وحزن.
باسم فرج.. علاء مرتجى.. إيهاب الوحيدي.. صحفيون اغتالتهم صواريخ الحقد الإسرائيلية، ووقف أصحابهم يودعونهم، في مسيرات دامعة، ثم السؤال المخيف يرتسم على وجوههم: "من منا الرقم التالي؟!".
الصحفي أيمن دلول الذي بدا متألما على رحيل أشقاء مهنته، قال لـ"إسلام أون لاين.نت": "إسرائيل لا تريد كاميرا تنقل الحقيقة أو قلما يكتب عن وحشيتهم وحربهم القذرة".
ولا يستبعد دلول في ظل كسر الاحتلال لكل الخطوط الحمراء استهداف أعداد أكبر من الصحفيين، وتساءل: "ما الذي سيمنعهم من ذلك، وهم من أبادوا عائلات بأكملها، وهدموا المساجد ودور الأيتام".
وظهر السبت 10- 1- 2009، اعتصم عشرات الصحفيين أمام برج الجوهرة في مدينة غزة، والذي استهدفته طائرات الاستطلاع الإسرائيلية بصاروخ أدى إلى إصابة مراسل قناة "الإخبارية" السعودية، بإصابات متوسطة.
وطالب الصحفيون بتدخل دولي وأممي عاجل لوقف انتهاكات الاحتلال بحق الصحفيين، غير أن أصواتهم المنددة بهذه الجرائم كانت تقول بصوت غير مسموع: "ولكن من ذا الذي سيسمع؟!".
ولم يسلم الصحفيون من موت يستهدفهم في الميدان فحسب، بل لاحقهم في بيوتهم وأسرتهم، فمصور قناة "فلسطين" الفضائية إيهاب الوحيدي، قضى نحبه هو وزوجته وأمه، بعد أن اخترقت قذيفة إسرائيلية بيته يوم 10-1-2009.
وتكرر نفس المشهد مع الصحفي علاء مرتجى، الذي ذهب لبيته يوم 9 -1-2009 طلبا لدقائق من الراحة، فباغتته شظايا قذيفة مدفعية، أسكتت أنفاسه على الفور.
أما المصور الجزائري باسل فرج -الذي استشهد قبل أيام متأثرا بإصابة أصيب بها في اليوم الأول من العدوان- فقد تحول من مصور إلى صورة يلتقطها الآخرون، وسقطت كاميرته تبكي بجانب جسده المضرج بالدماء.
الإطفاء والإنقاذ
وفي غزة الجريحة أيضا، لم تسلم فرق الدفاع المدني وطواقم الإنقاذ من رصاصات وشظايا الاحتلال القاتلة.
رجل الإطفاء والإنقاذ معين العليان تحول هو الآخر من رجل نجدة إلى جريح يرقد في مستشفى يتلقى العلاج، وبصوت حزين روى لـ"إسلام أون لاين.نت" ما جرى معه، وقال: "ما إن تتحرك سيارات الدفاع المدني إلى ميدان الحدث حتى تباغتها الرصاصات من كل حدب وصوب".
وواصل روايته الدامية بالقول: "يوم الخميس الماضي ذهبنا إلى إطفاء نيران شبت في أحد المنازل بفعل نيران الدبابات الإسرائيلية، وفاجأتنا شظاياها، وبدلا من أن نطفئ الحرائق احتجنا إلى من يطفئها لدينا".
ويوما بعد يوم تزداد همجية الحرب المعلنة على غزة، وترتسم الدموع الساخنة على نوارس بحرها، وألعاب صغارها، ومآذن مساجدها.
اسلام اونلاين
11-1-2009