1-
عصر النهضة و فرانسيس بيكون.
يحدد بعض الباحثين عصر النهضة على أساس انه حقبة من تاريخ أوروبا الغربية،تمتد من سنة 1300 م إلى سنة 1600 م تقريباً، ومهما يكن تاريخ هذه الحقبةفإنها تمثل حلقة الاتصال بين العصر الوسيط والعصور الحديثة، وهو العصرالذي أضحى بوابة لدخول أوروبا في حياتها الحديثة ومغادرتها نهائياً لتسلطالكنيسة.
وكانت النهضة بوصفها حركة فكرية إحيائية قد بدأت في ايطاليا ثم امتدت منهاإلى شتى أنحاء أوروبا، ففي عصر النهضة بدأت حركة مزدوجة تتمثل في العودةإلى التراث اليوناني والتحرر من الفلسفة الكنسية المدرسية، عَبْرَ إحياءذلك التراث وتحقيقه وتفسيره تفسيراً يبتعد به عن النزعة التأويلية لفلسفةالعصر الوسيط. وفي الوقت نفسه بدأت في الانفصال عن التراث اليوناني كماتبلور ذلك تدريجياً في موقف مناهض لأرسطو. فتمت إعادة قراءة التراثاليوناني، وازدهار العلوم الطبيعية والرياضيات، والتبشير بفلسفة (فرنسيسبيكون) التي تدعو إلى الملاحظة والتجريب، ازدادت الانتقادات الموجهةلفلسفة أرسطو، فمثلا انتقد لورنزو (1407 _ 1457 م) في ايطاليا فلسفة أرسطوالفاسدة، كذلك انتقد بتريز(1529 _ 1557 م) تناقضات أرسطو مستخلصاً ضرورةالإقلاع عن تدريس مصنفاته. أما كامبانيلا (1568 _ 1639 م) فقد أبان عن نزعةأفلاطونية وانتقد تصنيف أرسطو للكائنات. وفي فرنسا انتقد راموس (1515 _ 1572 م) فلسفة أرسطو في رسالته المقدمة بعنوان "كل ما قاله أرسطو وهم" وانتقد منطقه على وجه الخصوص لما فيه من تناقضات. وقد كان فرانسيس بيكون أهم أعلام الفلسفة في العصر الوسيط.
ولد فرنسيس بيكون في سنة 1561م في إحدى ضواحي لندن وتوفي سنة 1626م، وهوالرائد الأول في الفلسفة الأوروبية للمنطق الاستقرائي، وواضع الأسسالمنطقية للمذهب التجريبي.
كانت الاكتشافات العلمية تجري عن طريقالصدفة أو المحاولة والخطأ، حتى جاء بيكون فوضع أسس منهج البحث العلمي،الذي يقود الباحث إلى اكتشاف القوانين الطبيعية.لقد حاول بيكون التعويل على الطريقة الاستقرائية ونبذ الطريقة القياسيةالموروثة من أرسطو. فقد كان من اكبر المناهضين لأرسطو، حيثُ ابرز نقائضالمنطق الصوري، ودعا إلى ضرورة الاعتماد على التجربة، لأنه يرى أنالعلم الصحيح هو القائم على التجربة والملاحظة. وكان كتابه "الاورغانون الجديد" او "العلامات الصادقة لتأويل الطبيعة" الذي بدأ يعملفيه منذ سنة 1608م ثم عدَّل فيه 12 مرة، ونشره نشرة نهائية سنة 1620م،من أهم الأعمال التي فتحت الطريق لإصلاح العلوم باعتماد المنهج التجريبي. ومن طريف ما يؤثر عنه أن آخر عبارة خطها قلمه وهو على سرير الموت هي: "لقدنجحت التجربة نجاحاً عظيما".
2-
ديكارت وبداية العقلانية الحديثة.
يرى بعض الباحثين أن الكوجيتو الديكارتي "أنا أفكر إذن أنا موجود" هو نقطة بداية الوعي الأوروبي العقلاني الحديث. لقد استهدفت فلسفة ديكارت تحقيق ثلاثة أمور:
1 ـ إيجاد علم يقيني فيه من اليقين بقدر ما في العلوم الرياضية، بدلاً من العلم الموروث من الفلسفة المدرسية.
2 ـ تطبيق هذا العلم اليقيني تطبيقاً عملياً يمكّن الناس "من أن يصيروا بمثابة سادة ومالكين للطبيعة".
3 ـ تحديد العلاقة بين هذا العلم وبين الموجود الأعلى أي الله، وذلك بإيجاد ميتافيزيقا تتكفل بحل المشاكل القائمة بين الدين والعلم.
وتتحقق الغاية الأولى بإيجاد منهج علمي دقيق، وهذا ما عرضه ديكارت فيكتابه: (مقال في المنهج) و(قواعد لهداية العقل). ويقوم هذا المنهج علىأربع قواعد، أهمها هي القاعدة الأولى التي تعبر عن الشك الذي سينعت بالشكالديكارتي و (الكوجيتو الديكارتي)، وهو ما عبر عنه ديكارت في التأمل الأولمن تأملاته بقوله: "مضت عدة سنوات منذ أن لاحظت أن كثيراً من الأشياءالباطلة، كنت اعتقد إبان شبابي أنها صحيحة، ولاحظت أن الشك يعتور كل ماأقمته على أساس هذه الأمور الباطلة، وانه لابد أن تأتي لحظة في حياتي اشعرفيها بان كل شيء يجب أن يقلب رأساً على عقب تماماً، وان ابدأ من أساس جديدإذا شئت أن أقرر شيئاً راسخاً وباقياً". ويستمر ديكارت في توكيد هذا الشكفيقول: "إني افترض إذن أن كل الأمور التي أشاهدها هي باطلة، وأقنع نفسيبأنه لم يوجد شيء مما تمثله لي ذاكرتي المليئة بالأكاذيب، وأتصور انه لايوجد عندي أي حسّ، واعتقد أن الجسم والشكل والامتداد والحركة والمكان ليستإلا تخيلات من صنع عقلي، فماذا عسى أن يعدّ حقيقياً؟ ربما انه لا شيء فيالعالم يقيني. لكن من يدريني لعل هناك شيئاً مختلفاً عن تلك الأشياء التيحسبتها غير يقينية، شيئاً لا يمكن ابداً الشك فيه؟ ألا يوجد اله أو قوةأخرى تصنع في عقلي هذه الأفكار؟ يجب عليّ أن استنتج وأتيقن أن هذه القضيةأنا كائن، أنا موجود هي قضية صحيحة بالضرورة في كل مرة انطلق بها أوأتصورها في عقلي".
ولد رينيه ديكارت في فرنسا سنة 1596م وتوفي سنة 1650 م، و يعد رائد الفلسفةالعقلانية في العصر الحديث، كان في الوقت نفسه رياضياً ممتازاً إذ ابتكرالهندسة التحليلية.
إن الحاجة إلى تطور علوم طبيعية عقلانية، كانت تصطدم بشكل حاد،مع السلطة المعرفية للكنيسة. وهذا التناقض بين سلطة العقل وسلطة الكنيسة، في مجالالعلوم الطبيعية، هو الذي عبرت عنه تاريخيا فلسفة ديكارت. إن الكوجيطو الديكارتيالشهير: «أنا أفكر إذن أنا موجود»، ليست له من دلالة فلسفية، سوى الإدانة لمبدأالسلطة المعرفية للكنيسة في مجال العلوم الطبيعية. فديكارت ذهب في عدائه لسلطةالكنيسة، إلى حد اعتبار أن الموجود... وأن الواقع، هو فقط ما أتوصل إليه أنا،كنتيجة، عن طريق التفكير العقلاني، المستقل عن كل سلطة معرفيةخارجية.
3-
فلسفة عصر الأنوار.
التنوير تيار عقلي ظهر في الفلسفة الأوروبية وبلغت الدعوة إليه ذروتها فيالقرن الثامن عشر، أما نقطة بدايته فهي موضع خلاف بين مؤرخي الفلسفة،مثلما هو الموقف من تاريخ الأفكار الذي يميل الباحثون فيه على الدوام إلىالتفتيش عن بدايات ترتد إلى عصور تسبق تداول تلك الأفكار وشيوعها في الوسطالثقافي.
ومهما يكن فالرأي الشائع والمألوف أن القرن الثامن عشر هو عصر التنوير،وهو عصر من صنع الفلاسفة. وقد تأثر التنوير بمفكرين عظيمين هما: لوك (1632 _ 1704 م) ونيوتن (1634 ـ 1727 م) اللذين عارضا ديكارت.
بحث لوك في أصل الأفكار في كتابه "محاولة في الإدراك الإنساني" فردها إلىمعطيات التجربة الحسية، فالعقل في الأصل كلوح مصقول لم ينقش فيه شيء، وانالتجربة هي التي تنقش فيه المعاني والمبادئ جميعاً. أما نيوتن فقد كانلمنهجه العلمي ولمكتشفاته اثر في فلاسفة التنوير، وكان اكتشافه للجاذبيةمؤيداً للمذهب الآلي وموطداً للثقة في المنهج الرياضي.
وكان ديدرو (1713 ـ 1784م ) قد أعلن عن رفض الميتافيزيقيا التقليدية وألحعلى تبني عقلانية المنهج العلمي، وكانت روح التنوير شديدة العداء للكنيسة،وللسلطة متمثلة بالدولة، وللخرافة والجهل والفقر، وغالى التنويريون فيدعوتهم للعودة بالإنسان إلى الطبيعة حتى كان بعضهم من دعاة البدائية.
ويمكن التعرف على مجموعة سمات عامة لفلسفة التنوير في كل البلدانالأوروبية، مثل اعتبار أن للعقل سلطانً على كل شيء، وانه مقياس لصحة العقائد، وأساس للعلم، ووسيلة للقضاء على الخرافةوالجهل والخوف، واتجاه نحو العالم الحسي، فأصبح العقل والطبيعة أساسينللوحي القديم.
4-
الفلسفة الألمانية:
تميزت الفلسفة الألمانية عن مثيلاتها في القارة الأوروبية منذ النصفالثاني من القرن الثامن عشر، بعد بروز إمانويلكانط(1724 _ 1804م) الذي أصبح "أعظم فلاسفة العصر الحديث" كما يقولعبد الرحمن بدوي، فريدريك هيغل(1770 ـ 1831م) الذي تلونت بديالكتيكه أوسع الفلسفات السياسية في العصر الحديث فيفترة لاحقة، وهي (المادية الديالكتيكية) التي صاغها كارل ماركس(1818 ـ 1883م) مؤسس الاشتراكية العلمية.
لقد اتسمت الفلسفة الألمانية وقتئذ بسمات تميزها عن الفكر الفلسفي في عمومأوروبا، فبينما طغت بين الفلاسفة الانجليز النزعة التجريبية الحسية، تميزتالفلسفة الألمانية بنزعتها العقلية والروحية، وبالعودة إلى الأنا كنقطةابتداء في البحث الفلسفي.
ومنذ ذلك التاريخ اصطبغت التجربة الفلسفية في ألمانيا بلون خاص نحا بهامنحى آخر لا يتطابق مع ما عليه تيار الفلسفة خارج ألمانيا، وصارت بعضمقولات الفلاسفة الألمان ذات دور تأسيسي لغير واحد من الأنساق الفلسفيةالراهنة في فرنسا وبريطانيا بل وفي الغرب عامة.
كانط:
ولد كانط في بروسيا الشرقية (ألمانيا الشرقية) وتلقى تعليمه بالمدرسة الثانويةفي المدينة، ثم بجامعاتها التي أصبح محاضراً فيها ثم أستاذاً ثم مديراًلها، وكانت حياته العقلية هي كل حياته، فلقد استمر يُدرِّس الفلسفة 42سنة، وعاش 80 سنة قضاها كلها في مدينة واحدة لم يبرحها، وكانت حياتهمنظمة، وكان أول فيلسوف يقضى حياته مدرساً للفلسفة.
ويعد الفيلسوف كانط قمة عصر التنوير بلا منازع، وهو ما تلخصه مقالته التينشرها سنة 1784م بعنوان (جواب عن سؤال: ما هو التنوير؟) والتي جاء فيها: التنوير هجرة الإنسان عن القصور، والقصور هو عجز الإنسان عن الإفادة منعقله من غير معونة من الآخرين. كما أن القصور سببه الإنسان ذاته، هذا إذا لم يكن سببه نقصاً في العقلوإنما نقصاً في التصميم والجرأة على استخدام العقل من غير معونة منالآخرين. كن جريئاً في استخدام عقلك، هذا هو شعار التنوير..انه يطيب لنا أن يكونالكتاب بديلاً عن عقلي، والكاهن بديلاً عن وعيي، والطبيب مرشداً لما ينبغيتناوله من طعام. وليس ثمة مبرر للتفكير إذا كان في مقدوري شراؤه، فالآخركفيل بتوفير جهدي…
كتب كانط عدة مؤلفات، من أشهرها: "نقد العقل الخالص أو النظري" (1781م)، "نقد العقل العملي" (1788م)، "نقد الحكم الجمالي" (1790م)، "الدين في حدودالعقل الخالص" (1793م)، "ميتافيزيقيا الأخلاق" (1797م) في جزأين، الأولهو: "المبادئ الميتافيزيقية للحق". والثاني: "المبادئ الميتافيزيقيةللفضيلة".
هيغل:
ولد هيغل بشتوتغارت في ألمانيا، وكان تلميذاً لشلّنغ مع انه كان يكبرهبخمس سنوات. يعد من أعظم الفلاسفة تأثيراً في تاريخ الفلسفة الحديثة، إذلا يمكن أن نفهم: الوجودية، والماركسية، والبراجماتية، والفلسفةالتحليلية، والنزعة النقدية، من دون أن نفهم هيغل وتأثيره فيها جميعاًبالسلب والإيجاب.
كتب عدة مؤلفات اتسم أسلوبه فيها بالتعقيد والإبهام وكثرة استخدام المصطلحات، أولها: "فينومنولوجيا الذهن" (1807م) وهو وصف للظواهر الذهنية وآثارها في حياة الإنسان، (المنطق) في ثلاثة مجلدات (1812 _ 1816م) وهو عرض للمعاني الأساسية الميتافيزيقية والمنطقية، ولذلك صار حجر الزاوية في بناء مذهبه، بينما عالجت كتبه الأخرى أقسام المذهب، "موسوعة العلوم الفلسفية" (1817م)، "دروس في فلسفة الدين"، "تاريخ الفلسفة"، "فلسفة الجمال"، نُشرت الثلاثة الأخيرة بعد وفاته.
أنا في خدمتك يا أخي .
و السلام