:: دفاتري متميز ::
تاريخ التسجيل: 22 - 2 - 2008
المشاركات: 226
|
نشاط [ yaso_780 ]
معدل تقييم المستوى:
246
|
|
26-03-2009, 22:22
المشاركة 5
-III- مسألة نموذجية العلوم الانسانية -
إن الخلاف حول نموذجية العلوم الانسانية بدأ يظهر خلال القرن التاسع عشر عندما بدأت العلوم الطبيعية تستقر، حينما بدأت الدعوة إلى دراسة العلوم الانسانية دراسة موضوعية واختيار النموذج العلمي المناسب لذلك، واعتبار الظواهر الانسانية كجميع الظواهر الفيزيائية يمكن أن نعتمد في دراستها على المنهج العلمي.
ومن هنا بدأت تظهر وجهات نظر متعددة سواء تعلق الأمر بالموضوعات التي تناولتها العلوم الانسانية أو بالمنهج المناسب لها.
وإذا كانت العلوم الفيزيائية تتناول بناء المادة والقوى التي تعمل في هذه المادة، فإن العلوم الانسانية تتناول بناء المجتمع والقوى التي تعمل فيه.
فما هو إذن النموذج العلمي الملائم للعلوم الانسانية؟ وهل يمكننا دراسة الظاهرة الإنسانية بنفس الكيفية التي ندرس بها الظاهرة الفيزيائية؟ أم هناك نموذجا آخر للعلمية مناسب لدراسة هذه الظاهرة، وإذا اعتمدنا المنهج العلمي كنموذج لدراسة الظاهرة الإجتماعية ألا يكون الأمر أصعب مما نتوقع باعتبار أن السلوك أو الفعل الإنساني هو فعل ذو معنى وبالتالي فالظاهرة الانسانية هي ظاهرة معقدة.
يضعنا النص الذي كتبه الفيلسوف والمنطقي المعاصر جان لادريير Jean Ladrière 1921 أمام إمكانيتين في تناول ودراسة الظاهرة الإنسانية، تتمثل الإمكانية الأولى في المنهج الذي يتبعه دوركهايم والذي يستمد جذوره من الفلسفة الديكارتية، ويندرج هذا المنهج في إطار ما يمكن تسميته بالمنهج أو الاتجاه الوضعي أو الطبيعي، هذا الأخير الذي يؤكد على وحدة المنهج بين كل من الظواهر الفيزيائية والظواهر الإنسانية معتبرا أن الشروط المنطقية المتوفرة في الظاهرة الفيزيائية تتوفر كذلك في الظاهرة الإنسانية، وبالتالي فالظاهرة الانسانية يمكن اعتبارها كشيء ودراستها دراسة موضوعية من خلال وضع ذات الباحث وما يرتبط بها من دلالات وقيم...بين قوسين.
في مقابل هذا الاتجاه نجد الاتجاه الذي يقر به الفيلسوف ماكس ڤيبيرWeber Max 1864، والذي يمكن تسميته بمنهج الفهم الذاتي الذي يهدف إلى فهم وتأويل الظاهرة الانسانية أو السلوك الإنساني من أجل الوصول إلى مسار هذا السلوك ونتائجه معتبرا أن كل سلوك هو ببساطة الأمر سلوك هادف، أي أنه يتجه نحو تحقيق أهداف وغايات معينة، ومن هنا يكون لكل سلوك إنساني غايات وأهداف تحددها الذات.
يقف جان لادريير موقف إشكال إزاء كلا التوجهين المعتمدين في دراسة الظاهرة الانسانية معتبرا أننا إذا اعتمدنا التوجه الأول (المنهج الوضعي) ستكون إزاء تشييء الظاهرة الإنسانية، وبالتالي سنجدها من كل ما يرتبط بها من مقاصد ونوايا ودلالات وقيم وغايات التي تتحكم في الفعل الإنساني وتكون موجها له، وفي المقابل إذا اعتمدنا التوجه الثاني (منهج الفهم الذاتي) في دراسة السلوك الإنساني، ألا نكون متقيدين إزاء ذلك المنظور الذاتي وبالتالي نفتقد للموضوعية التي تسعى تحقيقها في كل دراسة.
يقف لادريير موقف تساؤل من كل ذلك ويعتبر أنه بإمكاننا أن نعتمد في دراسة الظاهرة الإنسانية والاجتماعية نموذجا للعلمية يختلف على نظيره في مجال العلوم الفيزيائية دون وضع تمييز بين الظاهرة الفيزيائية والإنسانية، وهذا المنهج يكون ملائما للظاهرة المدروسة، وإذا كان جان لادريير يقر بضرورة إيجاد نموذج للعلمية مناسب للظاهرة المدروسة وتكييفه معها، فإن الفيلسوف الفرنسي إدغار موران Edgar Morin1921 ، يميز بين ضربين في المعرفة الانسانية، الخطاب السوسيولوجي الذي يطمح إلى بلوغ قدر أكبر من الموضوعية من خلال تحرره من الثقل الميتافيزيقي، واعتماده المنهج العلمي، وبالتالي فإن هذا النوع من السوسيولوجيا يحتل الصدارة بالمقارنة مع أنماط الخطاب السوسيولوجي الأخرى، ويتخذ هذا النمط من الخطاب السوسيولوجي النموذج الفيزيائي كنموذج أمثل بالنسبة له، وباعتماده المنهج العلمي، وبالتالي فإن هذا النوع من السوسيولوجيا يمثل الصدارة بالمقارنة من أنماط الخطاب السوسيولوجي الأخرى، ويتخذ هذا النمط من الخطاب السوسيولوجي النموذج الفيزيائي كنموذج أمثل بالنسبة له، وباعتماده المنهج العلمي، فهو يهتم بتحديد القوانين والقواعد التي تؤثر في الظاهرة المدروسة من خلال العلاقات السببية، مستبعدا كل ما يتعلق بشروط الملاحظة وكل ما يرتبط بذات الباحث، أي كل ما هو خارجي بالنسبة للظاهرة المدروسة.
وهناك خطاب سوسيولوجي آخر يتقابل مع النمط الأول من الخطاب السوسيولوجي، وهذا الخطاب يسميه إدغار موران بالسوسيولوجية الإنشائية فكيف يحددها لنا إدغار موران؟ وما مدى الصلاحية الإبستمولوجية للنموذج الفيزيائي في هذا النمط من الخطاب السوسيولوجي والذي سماه بالسوسيولوجيا الإنشائية؟ وما هو الأساس الإبستمولوجي لهذا النوع من السوسيولوجيا؟ وما هو التصور الجديد الذي أعطاه موران من خلال هذا النمط من الخطاب السوسيولوجي؟
يعتبر إدغار موران أن السوسيولوجية الإنشائية هو نمط من أنماط الخطاب السوسيولوجي المعاصر، لكنه لم يتحرر بعد من الثقل الميتافيزيقي والتأمل الأخلاقي، بل أنه لا زال محتفظا بالنظر التأملي في جوهر الموجودات ، فهو يفترض وجود ذوات أو قوى فاعلة تساهم وتؤثر في الظاهرة الاجتماعية، ومن هذا المنطلق فلا يمكن اعتماده على النموذج الفيزيائي وبالتالي على المنهج العلمي مما يجعله يفتقر إلى الموضوعية.
إن هذا النمط من السوسيولوجيا تحضر فيه ذات الباحث بشكل كبير في موضوع البحث، لكن حضور الذات هنا ليس بالمفهوم الميتافيزيقي، فالذات تحضر بكونها أساسا بيولوجيا، هذا التغير في مفهوم الذات الذي دشنت له البيولوجيا يجعل من الإنسان موجودا يضع ذاته وسط عالمه وبالتالي فالإنسان يصبح متضمنا في الظاهرة المدروسة أي أنه يصبح ذاتا وموضوعا في آن واحد، ويتجاوز كل تعال عن عالمه الذي يعيشه .
ويخلص موران إلى أن السوسيولوجيا رغم تشبثها بالعلمية ومحاولة تطلعها للنموذج الفيزيائي فإنها تبقى مرتبطة بالذات حيث لا يمكن عزل الظاهرة أو الموضوع المبحوث ودراسته بصورة تجريبية هذا يعني أنه مهما حاولنا موضعة الظاهرة الاجتماعية فإن ذات الباحث تبقى حاضرة بشكل واع أو بدون وعي في الموضوع المدروس.
لكن هل هذا الوجود لذات الباحث في الظاهرة المدروسة قد يؤثر بشكل سلبي من الناحية الموضوعية؟ وكيف تساهم الذات في تحديد الوضع الإبستمولوجي للعلوم الانسانية؟
يعتبر كل من طولرا ووارنيي أن العلوم الانسانية حديثة النشأة (ق19) وأن مجالها اعقد من مجال العلوم الطبيعية، إذ أن هذه الأخيرة نعتمد في دراستها على التجربة الدقيقة الشيء الذي يجعلنا نخلص إلى نتائج يقينية، أما بالنسبة للعلوم الانسانية فإننا قد نجد بعض الصعوبات في ذلك، ومنه فإن حضور الذات داخل الظاهرة الانسانية أو حضورها كذات وموضوع في نفس الآن أمر يسهل علينا التعامل معها ودراستها، ذلك لان الذات تكون على علم كامل بكل ما يحيط بها وما يصيبها أحيانا من تناقض ومن تغيرات مفاجئة وتلقائية، ولذلك فإن الابستمولوجيا المعاصرة تركز بشكل كبير على حضور الذات في دراسة الظاهرة الانسانية، وذلك بهدف الإحاطة بشكل كامل بالموضوع .
لا تنسـو أن ردودكم هي أملنـا في الاستمرار والعطــاء ( ورأيكم الخاص حول الموضوع ) لكم الرابط الخاص
|