:: الراعي الرسمي لدفاتر ::
تاريخ التسجيل: 13 - 8 - 2007
المشاركات: 268
|
نشاط [ nizar ]
معدل تقييم المستوى:
257
|
|
رسالة من دوار بني مسلم إلى دوار أساكي
11-01-2008, 13:24
المشاركة 4
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
وبعد
فهذه المشاركة تصب في الموضوع الذي اقترحته الأخت " صفاء" ولكن هو عبارة عن رسالة كنت قد بعثها إلى ابنة اختي التي كانت وقتها حديثة العهد بميدان التعليم، وتعمل بدوار اساكي في ظروف جد صعبة، فآثرت أن أحكي لها بعض تجاربي قصد تسليتها في وحدتها فإليكم نص الرسالة بتصرف:
رسالة من دوار بني مسلم إلى دوار أساكي
بسم الله الرحمن الرحيم
لقد قرأت رسالتك المطولة ال...فذكرتني بأيامي الغابرة التي أحن إليها كما أحن إلى جدتي بسذاجتها وطيبوبتها .. أحن إلى أيامي في دوار" إحجامن" عندما كانت تتساقط علينا الثلوج ويغيب التلاميذ وأظل وحدي مع " كلينتون " – الكلب الحارس الحريص بكل إخلاص على أمن فرعيتنا – وأنا أكتب خواطري التي كانت مفعمة بالحب والحنين إلى كل جميل مّر ولن يعود إلي...مهما استرحمت الأيام واستعطفتها...أجل يا ابنة اختي الغالية...
لقد ذكرتني رسالتك بأيامي الخوالي التي أستعذب اليوم الحديث عنها وعن تلك العزلة ...بعيدا عن الصخب والمعاناة... لست أدري، كل ما هناك هو أني كنت في "دوار إحجامن" وخاصة في عزلتي أحاول الانعتاق من كل ما من شأنه أن يفسد علي لذة الاستفراد بنفسي، والبحث عن بقايا ذاتي المتشظية بين وهم الأمل وحقيقة الواقع الصعب ..كما كنت أتأمل في خبايا ما يحيط الجبال المحتجبة بقطنها المثلج الأبيض الذي حولها إلى عروس الطبيعة و هي تحتفل بزفافها و كنت أنا الشاهد على عقد القران ...يا سلام...اتدرين- يا ابنة اختي الغالية- كم اشتقت إلى تلك الأيام لدرجة أني أكاد أحسدك ...[ أقول: أغبطك ] ...فيا بشراك ...كل ما أقدر أن أقوله لك أن تستغلي هذه الفرصة و أن تستمتعي بلذة الانفراد بنفسك فلربما تكتشفين ذاتك اكثر وتستخلصين أشياء لن ينفعك بها أحد غيرك ... وربما تنتقلين فتندمين على عدم استغلال إقامتك هناك ...في" دوار أساكي..."فعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم ..." أرجو أن تدركي فحوى هذا الكلام ...
هل تريدين المزيد؟ ؟ بلا بلا بلا إن كنت تسألين عني فإني على الحال الذي أرادني الله أن أكونه عليه... روتين الذهاب و الإياب إلى" دوار بني مسلم" ...عدا الأيام الممطرة التي يستحيل فيها العبور ...
وإليك آخر نشرة أخبار طريفة لخالك الذي قرر بعد عطلة 11/ 1/ 96 أن يذهب إلى الفرعية بنية استئناف العمل كمدرس مواظب، محترم و مهذب، مرتديا ثياب أنيقة تكاد تكود جديدة، وكأنني سأخطب عروسا من" دوار بني مسلم" كان اليوم شبه مشمس، تطل علينا الشمس فيه باستحياء غريب ثم تختفي وراء ستار السحب، ...عندما وصلنا أنا وصديقي إلى الطريق المؤدية إلى الدوار ذهب هو ليستودع دراجته النارية – التي نركب دائما على متنها – في شبه مرأب قريب.. بدأت أمشي و أمشي وبعدما صعدت هضبة وجدتُني أتخطى الأوحال و بدأ حذائي العجيب ينزلق بي فتدحرجت و سقطت مني محفظتي وتلطخت بالأوحال [ الغايص أعباد الله...البلاّعة د الغايص... ] تخيّلي المشهد... وكلما حاولت أن أقاوم إلا و زاد الانزلاق حدة... والتدحرج سهولة..."ولا حبيب لا رحيم"... إلا الله تعالى – طبعا -...
أصبحتُ غيصيّ اللون ؛ حتى/ النظارات الشمسية/ أضحت زجاجاتها غيصية اللون هي الأخرى؛ أما المحفظة فلم تنجُ من هذه اللعنة . كم حمدت الله عندما تفقدت وثائقي المهنية فوجدتها قد نجت من لعنة الوحل/ الغيص..وبينما أنا كذلك إذا بصديقي عبد الحق يناديني أن أساعده على دفع دراجته النارية – التي أصبحت من جراء لعنة هذا اليوم : دراجة غيصية...ياإلهي !! كيف سأدفع وكل حركاتي تدعو إلى الانزلاق : ( هل تذكرين يا ابنة أختي يوم تدحرجت جدّتك – تغمدها الله بعفوه ورحمته-وكنت –أنت- ملازمة لها في شارع الحسن الثاني، وعندما دنا منها شيخ ليساعدها على القيام صرخت في وجهه فأضحككِ المشهد أتذكرين هههه؟؟...) ذاك المشهد لا يساوي شيئا إذا ما قورن بما حدث لي... وهذا بسبب تلبيتي لنداء- لعين- هاتفني في أعماق وعيي -الساذج- ( لا أظنه وازعا ) قائلا: اذهب إلى عملك رغم أن اليوم شبه ممطر ...
تمالكت أعصابي ووقفت على ضفة بحيرة اغسل ما علق بي وبملابسي ومحفظتي من –غيص/ وحل- حتى لا يخيف مظهري الشبحيّ التلاميذ الذين ينتظرون عودتي منذ الصباح الباكر – هذا ما توهمته - .
وبعدما تركنا الدراجة –الغيصية/ -أعني- النارية- عند أحد سكان الدوار... واقتنيت منه حذاء من لدائن / البولاينات ( البوط )... واصلنا السير، وللإشارة فإن المسافة الفاصلة بين هذا المنزل والمدرسة هو25 دقيقة في الأيام التي تكون فيها الطريق معبدة (أي الغيص يابس) .أما هذه المرة فقد استغرقت مدة العبور ما يزيد عن 45 دقيقة...بل ولكثرة الانشغال بالخطر المحدق بنا، يغيب مفهوم الزمن.. وقياسه من قواميس لغتنا ...يكاد الوحل يبتلعنا.. كلما وضعت قدما على أديم الأرض المبللة إلا وغاصت الأخرى في عمق يقدر ب: 20 سنتمترا ولا أكاد أخرجها حتى تغوص الأخرى ، ياإلهي ما العمل ؟؟ يقول لي صديقي: هل نرجع؟ فأجيبه بثقة سداجة "الدون كيشوت" – لا لا لا: يجب أن نواصل سيرنا فالتلاميذ الأبرياء ينتظروننا ..والأدهى من كل هذا هو أننا عندما وصلنا وجدنا حجرتي الفرعية مثل أرخبيل على متن الأوحال ... وأين هم التلاميذ ياترى؟؟؟ قطعا سيكونون وراء الحجرتين يلعبون ...يا ويحي أين التلاميذ ؟؟؟ إنهم ليسوا هنا، لقد قطعت كل هذه المسافة من أجلهم ... فإذا بهم يخذلونني... حتما إنهم الآن يحتفون حول " المجامر" = المدافئ الفحمية."..ونحن هنا ..وكيف سنرجع إلى الطريق المؤدية إلى الطريق المعبدة؟؟
واصلنا السير إلى دار الحارس/ الطباخ، تاركين وراءنا الحجرتين والخراب الطبيعي...ووقع أقدامنا على الطين المبلل يحدث صوتا مقرفا، يذكرني بالأصوات الغريبة التي صادفتها في حياتي ...؛أثناء هذا الوضع ال*****ي بكل المقاييس أحسست أن كفي يؤلمني جراء مقاومتي لحظة الانزلاق ..بدأ ينتفخ شيئا فشيئا: – هذا ما كان ينقصني في هذا الوضع السعيد- . !!!!
وصلنا إلى منزل الطباخ العجيب، حيّتنا كلابه " الظريفة" واستقبلتنا بحرارة ليس بعدها سوى الردى المحتوم، لكننا رددنا عليها التحية بخير منها –الحجارة وما أدراك ما هي - خصوصا عندما تأكدنا أن أنيابها البارزة لا توحي بأنها تضحك معنا...في هذه اللحظة الحرجة برز الطباخ بقامته الفارهة ووجهه الصبوح و"فرمته" العجيبة( التي تزين طاقم أسنان فكه الأسفل، التي تتوزع بينها سنتين ذهبيتين)، وجبهته البراقة...وخرجت زوجته الرشيقة هي الأخرى تستقبلنا بابتسامتها الوضاحة وتقول في أسف وأسى: أهلا بالمعلمين مساكن جاو فالغايص ... فقلت في نفسي " المعلمين دال... حاشا القارئين"، حقيقة رغم المعاناة التي كابدتها في مهنة المتاعب المشرّفة كنت أكره الشفقة، خصوصا ممن هم أحوج مني إليها.... ثم واصلت زوجة الطباخ: أدخلوا أدخلوا، تقديره أدخلا...
دخلنا ولله الحمد والمنّة ، وشعرت بارتخاء وراحة ...أحضرت لنا صينية يتوسطها إبريق الشاي الأخضر المشبشب - يشبه دجاجة -و تحوم حوله كؤوس صغيرة كأنها كتاكيت من زجاج، و صحن الزيتون والبيض السابح في فيضان مهول من الزيت الفائر كالّلافا القادمة من ملكوت بركان المقلاة... من هول المنظر همس إلي البيض قائلا: إياك أن تسرطني!! فسمعته وأطعته واكتفيت بأكل الخبز والزيتون والشاي المشبشب – المزقوم - ...وبعد سماع أخبار الدوار...من وكالة الاستخبارات الفرعية( الحارس/ الطباخ وزوجته).. بلا بلا بلا بلا وقاب قاب قاب قاب...أخبرتُهم أن كفي "منتفخ من جراء الانزلاق الذي ..." فبشرّني" السيد الطباخ" أن زوجته المصونة تحسن الدّلك ...[ الله الله يا سلام على الإسعافات الأولية؟؟؟...] فأحضرت زليفة بها قليل من الزيت وشرعت تدلك لي يدي في حركات تدل على مهنية عالية في معالجة الانتفاخات...ويا سلام على *****ية المشهد، وسخرية القدر...وبعد انتهاء طقوس الدلك بالفور.. عدنا – أنا وصديقي- إلى رحلة تطول عن 60 دقيقة من عبور الأوحال اللعينة ونحن نضحك في سخرية صاخبة مما جرى ومما نحن بصدده...ويا ويح هذا الغيص وهو "يتمسك" بقدمي محدثا صوتا غريبا محاولا التهام ساقي بين الفينة والأخرى، إنه صوت حاولت التقاطه لأعكسه في الأخير على منوال هذه الكتابة: PLOTCH/ PLOTCH/ ................
خرجنا من الدوار وكادت الدراجة النارية أن تمتطينا لولا تعاوننا على دفعها... ثم أوصلني صديقي إلى طريق الطريق، لأقف وأنتظر لمدة تكاد تكون أزلية، قدوم حافلة النقل المزدحم / أعني المزدوج وأحيانا اعتبره ناقلة الأجساد المعلبة على كراسي من حديد بارد وصلب، أجل حافلة تخلو منها كل شروط النقل البشري...حيث أن صاحبها لكثرة هلعه على جمع المال ينقل على متنها " الإنسان: الذي ضاع منه ما تبقى من إنسانية" وكذا الحيوان: الذي من كثرة ما ألفناه، ألفنا هو الآخر، بل أصبح يعقد مع الركاب صداقات بشكل سريع وملفت، حيث يقوم أحيانا بلعق / لحس كف أحدنا، في تعبير رمزي على أنه رغم الفرق في الأصل فإنه تجمع بيننا وبينه وحدة المصير.. وأحيانا أخرى يقوم أحدنا بتدريب جدْي أو خروف على تقنية النطح المباشر لوفرة الفراغ الذهني وطول الطريق...فماذا بعد هذه الألفة؟؟؟؟؟.
وصلتُ بعد رحلة شاقة...إلى محطة النقل الأخيرة، كانت حالتي النفسية متأزمة أما مظهري الخارجي- الغيصي- فيوحي أن بيني وبين التمدن عصور الزمن الضوئي الغابر..... وأخوف ما كنت أخاف ألا يتوقف لي في المحطة الطرقية ، سائق طاكسي ليوصلني إلى بر النجاة إلى "حيث تنتظرني حصة الاستحمام الساخنة ووجبة لذيذة..وكذا فنجان قهوتي الاعتيادي ...، كل هذه الأشياء كانت وقتها أماني مستحيلة لا يحققها حتى عفريت مصباح علاء الدين ...لكن ولله الحمد أسعفني الحظ وامتطيت سيارة أجرة، لكن إقامتي بها لم تخل من نظرات الفضول الاستفسارية التي كان السائق يسترقها بين الفينة والأخرى..وأخيرا وصلت إلى المنزل وعلى ملابسي بقع بُنية عجيبة ويابسة، وحذائي العجيب مكسو بالعجب ..ويا للعجب العجاب في دوار العجب..
والسلام
في انتظار ردودكم
|