لم تكن قامتها القصيرة جدا لتمنع حبا ناشئا بيني و بينها, حبا نقشناه على لحاء الشجر في ربيع السنوات الفارطة, تعرفت عليها صدفة في م*** مقهى الحرية, كنت أرتجف حينها من فرط التوثر,و أنا أنظر إلى حدقة عينيها و هي تضيق و تضيق بحجم البسمة التي ندت عن بياض أنيابها المنضدة في ترتيب متناسق.
اقتربت قليلا من عرشها معلنا عن تباشير نيتي في التقرب منها, لم استطع تجاوز خجلي دفعة واحدة, و كأنني أجر الماضي بكل ثقله و كأني أشعر بعيون تلاحقني و تترصد حركاتي الجانحة عن المسموح به.
هاي ذي أخيرا ابتسمت للمرة الثانية , قفزت على إثرها ألثم يديها ألقي قصيدة لم ينشدها جميل في حق بثينة.
العمارة الأخيرة في تلك الناصية, الطبق الثالث بعد الأربعين, الشقة الثالثة على اليمين, ستجدني هناك بعد مغيب الشمس من كل يوم.
طويت الورقة بنزق مراهق مبتدئ, قلت في تفسي لم أكن أدري أن صيدا جميلا سيكون بهذه السهولة.
في المغيب التالي قطعت الشارع متجها نحو العمارة الشاهقة, كان السلم الحلزوني مليئا بين صاعد و نازل و مغازل, شاتم و كأنها كانت نموذجا مصغرا للحياة هناك,المصعد كان معطلا, و صوت الشبق لا يزال دافعا قويا نحو اختراق الطباق و لو كانت تتجاوز الأربعين.
كنت أزاوج بين العد و التسلق و مسح العرق المتساقط و التهرب من النظرات المتلصصة خلف عدسات الأبواب,و رائحة التربة المتراكمة على السلم تزكم أنفي و تدفعني إلى عطاس شديد, طبقان و أصل إلى قمة المنى و أعانق الشفق على سرير شمس الليل المشرقة.
ضغطت على الزر ثم ابتعدت قليلا حتى لا أثير الشبهة و الشكوك, انتظرت دقيقة فأعدت الضغط من جديد, لأعود إلى الانتظار كخيار وحيد,فجأة فتح باب الشقة المجاورة مصدرا صريرا مزعجا و كأنه يفتح بعد مدة طويلة, خرج منه شاب نحيف بقامة أدونيس و بشارب نيتشوي يضع على عينيه الخضراوين عدستين سميكتين, تنبعث منهما نظرات الازدراء و الاحتقار.
فتح فمه الأدرد قائلا يا هذا مثلك كثير طرق هنا و لن يفتح لك الباب حتى ترشق إيمانك بالحجارة.