"... النقاب تقليد اجتماعي ورمز سياسي، أكثر منه التزام ديني، هذا ما أعتقده شخصيا، وهذا التقليد الاجتماعي قادم من إحساس فئات من المجتمعات العربية والإسلامية، بأن "هويتها" في خطر، وأن ثقافة الغرب تهدد كيانها، ولهذا فإنها تلجأ إلى مختلف مظاهر "الحماية" و"التميُّز" و"البعد عن التقليد"، حتى وإن سقطت في مظاهر الانعزال والغربة والقطيعة مع الآخر ...
لا بد من الرجوع إلى ظاهرة غريبة في العالم العربي، وهي تأثر مجتمعاته، في العقود الثلاثة الماضية، بتيارين دينيين قويين، الأول قادم من دول الخليج التي ساهم البترول في جعل "ثقافتها البدوية" ترتدي لبوسا دينيا وتصبح مرجعية لباقي البلدان العربية مثل مصر وسوريا والمغرب العربي، في وقت كانت هذه البلدان، قبل "طفرة النفط"، مركز إشعاع حضاري وديني قوي. والتيار الثاني الذي أصبح يفرض نموذجه، هو ذلك التيار القادم من بلدان عاش فيها المسلمون كأقليات، مثل باكستان التي كانت جزءا من الهند، وأفغانستان التي تعرضت لغزو شيوعي جعل قبائلها تتوهم الرجوع إلى أصل الإسلام . والآن هناك شيوخُ وفقهاء الجالية العربية والمسلمة في أوربا وأمريكا، الذين أصبحوا منظرين، يُفتون في شؤون الدين والدنيا، رغم أن جلهم لا يتوفر على شروطٍ مرجعية فقهية ودينية .
فقه الأقليات يركز على جوانب الاختلاف وعلى التناقض مع الآخر، وليس على جوانب الاتفاق. ولأنه مهووس "بالتميـُّز"، فإنه انزلق إلى أكثر المظاهر احتجاجا وتعبيرا عن رفض الآخر، مثل حكاية "البرقع" الذي صنع منه طالبان سجنا متحركا لنسائهم ... التياران معا يلقيان تجاوبا يتسع يوما بعد آخر، من قبل شارع عربي يائس وغاضب، في غياب الديمقراطية والتنمية والمساواة، ولهذا فإنه يعبر بالغلط عن مطالبه عن طريق الاختباء خلف رموز وشعارات وفكر يريحه نفسيا، لكنه يكبـِّله عقليا.. إنها أحد أخطر مظاهر الأزمة الحالية، أن يَفقد الإنسان بوصلة الخروج من النفق" .
توفيق بوعشرين (جريدة أخبار اليوم) .
ــــــــــــــــ