1ـ المحيط الطبيعي :
وفيه أنّ القاعدة الأساسية في تربية الطفل تتوقّف على أساس من التفهّم والطمأنينة والاهتمام بالطبيعة ، والعمل على إبعاد المخاوف عنه ، وتوجيهه إلى مواطن السرور والأمان والطمأنينة في هذا العالم ؛ لصيانته من ردود الفعل النفسية التي تؤلّمه وتضرّ به ، هذا من جهة ، ومن جهة ثانية جعله يتوجّه نحو الطبيعة ، ويستلهم منها معاني الحبّ والبهجة والجمال والأمن ، ويتشوّق إلى البحث والمعرفة والاكتشاف .
قال عزّ وجلّ : ( أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ مِن شَيْءٍ ) الأعراف : 185 .
ومن الواضح أنّ الطفل يتأثّر بالمحيط وينفعل به ، فيتساءل كثيراً عمّا يراه ويسمعه في هذا العالم ممّا يثير إعجابه ودهشته ، ويلفت نظره ، فصوت الرعد ووهج البرق ونباح الكلب ودويّ الريح وسعة البحر ووحشة الظلام ، كلّها تثير مخاوفه ، وتبعث في نفسه القلق والاضطراب والخوف ، وتجعله ينظر إليها بحذر وتردّد ، ويعدّها في عداد العدوّ والخطر ، فيتطوّر عنده هذا الشعور ، ويأخذ أشكالاً مختلفة ، وتتطوّر هذه التحوّلات مع نموّ الطفل ، فتترسّب حالات الخوف في اللاشعور ، فتنمو شخصيّته على القلق والتردّد والاضطراب والخوف والجبن .
وكما أنّ لهذه الظواهر الطبيعية وأمثالها هذا الأثر السلبي الخطر في نفسية الطفل ؛ فإنّ منها ما له تأثير كبير أيضاً وإيجابي نافع في نفسه ، فنجده يفرح ويسرّ بمنظر الماء والمطر ، وتمتلئ نفسه سروراً وارتياحاً بمشاهدة الحقول والحدائق الجميلة ، ويأنس بسماع صوت الطيور ، وترتاح نفسه باللعب بالماء والتراب والطين ، فيجب في كلتا الحالتين التعامل معه ، وتدريبه على مواجهة ما يخاف منه ، وكيفية معالجته ، فنطمئنه ونعوّده الثقة في نفسه والاعتماد عليها .
وممّا هو مهمّ جدّاً في دور التربية هو أن نجيب الطفل ـ بكل هدوء وبساطة وارتياح وحبّ ورحابة صدر ـ عن جميع تساؤلاته حول المطر والشمس والقمر والنجوم والبحر والظلام وصوت الرعد و ... ؛ بما يطمئنه ويريح نفسه ؛ فننمّي بذلك فيه روح الإقدام وحبّ الاستطلاع ، وحبّ الطبيعة وما فيها من خلق الله عزّ وجلّ البديع العجيب لينشدّ إليها ، ويعرف موقعه فيها ، ويدرك عظمة خالقه ، ومواطن القدرة والإبداع ، ودوره فيها ؛ فينشأ فرداً سليماً نافعاً ذا إرادة تجنّبه الانحراف وفعل الشرّ ، وذا عزيمة على الإقدام على فعل الخير ، ويتركّز في نفسه مفهوم علمي وعقائدي مهم ، بأنّ الطبيعة بما فيها هي من صنع الله عزّ وجلّ أوّلاً ، ثمّ أنّ الله سخّرها لخدمة الإنسان ، فيتصرّف فيها ويستفيد منها ، ويكيّف طاقاته ويستغلّها بما ينفعه وينفع الناس ، وقد قال جلّ وعلا : ( هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ) البقرة : 29 .
وقال : ( هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ) الملك : 15 .
وهذا التسخير الإلهي ما هو إلاّ تمكين للإنسان من تكييف قوى الطبيعة واستثمارها لصالحه ؛ وفق ما تقتضيه المفاهيم الإنسانية التي عالجها من خلال علاقته بالطبيعة ، مثل مفاهيم الحبّ والخير والجمال والأمن والسلام والاحترام ، وغيرها .