الأسرة القدوة
الأولاد ثمار القلوب وعماد الخطوب، طفل يملأ العين قرة والقلب مسرة، محروس من العيون أن تصيبه، ومصون من الألسن أن تعيبه.
ونحن الآباءَ والمربين كثيرا ما نغفل عن هذا, بل ونجهل أهمية القدوة في حياة الفرد والمجتمع, فلا نراقب أفعالنا, ولا تصرفاتنا, ولا ننظم سلوكياتنا، وخاصة أمام من نقوم بتربيتهم، وإعدادهم، فلرب تصرف
عابر غير مسؤول يودي بالعملية التربوية برمتها إلى الهاوية ... ويكون الثمن باهظا في أغلب الأحايين، ولات حين مناص.
لذا يتوجب على كل أب وأم أن يعلما بأن جميع التصرفات الصادرة عنهما تنعكس كالمرآة في طفلهما الصغير.
وبشكل خاص فإن الطفلة دائمًا ما تكون متتبعة لكل تحركات وتصرفات أمها, وتبدأ فعلا بتقليدها في حركاتها، وحتى في أسلوب تعاملها مع الآخرين، وكذلك فإن الابن يقلد والده في كل صغيرة وكبيرة.
وبما أن شخصية الطفل تكتمل وتتبلور عند سنته الثالثة, فيجب أن يمد الأبوان طفلهما في هذه المرحلة بالذات بكل ما هو جيد من القيم والأخلاق.
وبحسب ما أكدته الأبحاث العلمية من أن سلوك الأبوين يؤثر في أبنائهما أكثر من كلامهما, فيجب أن يفكر الأبوان أكثر فيما يفعلانه لأطفالهما, من خلال سلوكياتهما وتصرفاتهما.
فالطفل منذ الولادة يبدأ في الملاحظة والتعلم والاكتساب من والديه, وغالبا لا يؤثر كلام الأبوين كثيرا في سلوك الطفل وتصرفاته, إن لم يكن الأبوان يفعلان ما ينصحان به الطفل.
كما أكدت الإحصائيات بأنه عندما يكون الأبوان نموذجا إيجابيا لأطفالهما, فهذا سيساعدهم على الاختيارات المناسبة في حياتهم, وهم غالبا ما يكونون متفوقين في دراستهم, ويتمتعون بتقديرهم لأنفسهم أكثر
من غيرهم.
والجدير بالذكر أن الأم تلعب دورا كبيرا ومهما في تربية الطفل أكثر من الأب, بحكم أنها الأكثر تواجدا واحتكاكا معه, لهذا يتوجب عليها أن تكون نموذجا متحركا في أرجاء المنزل, تترجم كل ما تعلمته من
الحياة إلى سلوك مادي يلمسه ويتحسسه طفلها, وأن تعكس حقيقة السلوك الذي تنادي به, لكي لا يقع الطفل في تناقضات خطيرة, فيختلط عليه الأمر، وتلتبس عليه الحقائق والمفاهيم, فلا يستطيع وقتها، بل لن
يعود قادرا على التمييز بين الزائف والصحيح. ولذلك قالوا: ما من مجتمع راق استطاع أن يصل إلى تحقيق المثل العليا إلا اشتركت في تحقيقه ورفع صرحه أم عظيمة)، وقالوا: (أم صالحة خير من مئة
أستاذ).
لقد اهتم دين الإسلام بالإنسان صغيره وكبيره، ذكره وأنثاه، حفظ حقوقه، ورعى شؤونه من بدئه إلى منتهاه، اهتم به اهتماما بالغا من أجل إسعاده وإزالة مظاهر الظلم عنه وإبعاد ألوان الشقاء من طريقه.
ولقد امتن الله على عباده بنعمة الذرية, فرزقهم من أصلابهم بنين وحفدة يأتمرون بأمرهم, ويسعون في مرضاتهم, ويشدون بهم ظهورهم, ويحملون ذكرهم من بعدهم. ومن أعظم الدلائل على عظمة نعمة
الذرية: حال من حرمها, فجعله الله عقيما لا يولد له فتراه يهرع إلى هنا وإلى هناك, يطلب علاجا, أو رقية لعله يرزق ولدا يحمل عنه بعض أعباء الحياة, ويمد في ذكره بعد الممات. ومع أن نعمة الذرية
نعمة عظيمة, إلا أنها فتنة كبيرة, واختبار عسير, ومسؤولية شاقة , فكم من أب عقه أولاده فعصوه, وأذاقوه مرارة الحرمان, وعلقم الصبر, حتى يئس من الحياة, وتمنى أنه لم يتزوج, ولم يولد له، وتمنى لو
أنه وضع جهد الرعاية والعناية في بهيمة, خير له من ولد لصلبه. وكم من أب ساقته عواطف الأولاد والزوجة, بعيدا عن مسلك الأبرار, فألحوا عليه بالانحراف، وزينوا له الإنفاق فيما حرم الله, وجلب
المال من حلال وحرام, وقعدوا به عن القيام بواجب الدعوة إلى الله, والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فأصبح الأب يتأثر ولا يؤثر, ويقاد ولا يقود, ويأمر فيُعصـــى, في حين كان واجبه أن يكون في
بيته قائدا لا مقودا, وسيدا لا مسودا؛ قال الله تعالى: {الرجال قوامون على النساء}.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم: (الرجل راع على أهل بيته, وهو مسؤول)، فكيف يكون دور الأب في بيته؟ وهل هو تنفيذ الأوامر, وإشباع الشهوات, وتحقيق المطالب؟ فكثيرا ما يعتذر الآباء
عندما يُنكر عليهم تصرف معين, كأن يُنكر عليهم مثلا شراء شيء حرمه الله, أو أخذ أولادهم وأهلهم إلى مكان محرم, فيقول الأب معتذرا: «ماذا أفعل؟ الأولاد يريدون, وأم الأولاد تريد»، وكأنه لا
سلطـــان له, ولا كيان, ولا إرادة.
إن المسؤولية الكبرى التي حملها الله الآباء: لا مجال لأن يتفلتوا منها, أو أن يتغافلوا عنها, وقد وصف الله حال المفرطين في مسؤولياتهم تجاه أنفسهم وأهليهم فقال عز وجل: {قُلْ إِنّ الْخَاسِرِينَ الّذِينَ خَسِرُوَاْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلاَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ}.
- وإن المتأمل في أسباب انحراف كثير من الشباب وضياعهم يجد أن أعظم هذه الأسباب وأخطرها: فقدان القدوة الصالحة في الآباء والمربين. إن التربية بالقدوة تعد من أهم وسائل التربية، بل هي أهم
وسائلها على الإطلاق, وذلك لوجود تلك الغريزة الملحة في كيان الإنسان, تدفعه نحو التقليد والمحاكاة. والأولاد الصغار أشد تأثرا بالقدوة من الكبار. فهم يجدون في آبائهم المثل الأعلى, والنبراس الذي
يهتدون به. فالأطــفال الصــغار يعتقدون أن كـل ما يفعله الكبار, ويمارسونه صحيح فهم لا يدركون - في أول الأمر- الصواب من الخطأ, ولا يميزون بين الخير والشر, إنما هم ينظرون بأعين آبائهم
ويحاكون طريقتهم في الحياة.
لهذا تجد في الغالب أن الأولاد الذين لا يصلون نشأوا في بيوت لا تقام فيها الصلاة, وكذلك الأولاد الذين يدخنون, لابد أنهم يقتدون بالمدخنين في البيوت, وهكذا تجد أن النشء ثمارُ تلك البيــــوت. إن الخطر
على النشء من فقدان القدوة في البيت لا يكمن في كونهم ينشأون متلبسين ببعض الانحرافات الأخلاقية, إنما الخطر يحصل إذا كبِر هؤلاء الصغار, وعقلوا حقائق الأمور, وعلموا واقع المربين, وأن ما
كانوا يسمعونه من عبارات الفضيلة, ونصائح, وأمر بحسن الخلــــق والبر, إنما هي عبارات جوفاء, لا واقـــع لها, ولا تطبيق, فإن هذا الصنف من الأطفال في العادة ينحرف انحرافا شديدا, ويرفض
المجتمع, وتقاليده, وعاداته, وما فيه من خير وشر, ويحاول أن يبحث في مجتمعات أخرى عن قدوات, ورموز يقتدي بها في حياته الجديدة. وقد ثبت أن الأطفال الذين ينشأون في أسر متناقضة القيم
والأخلاق، وتظهر فيها علامات النفاق, ومخالفة الأقوال للأعمال, فإن هذا الصنف من الأطفال يصبحون إذا كبِروا من أكثرِ الناس بعدا عن الالتزام بالآداب والأخلاق الإسلامية, وذلك لعمق الأثر الذي
أوجده ذلك التناقض السلوكي في نفوسهم. إن الناظر في أوضاع المجتمعات الإسلامية اليوم, يجد أن عقيدتنا, وأخلاقنا, وقيمنا تكاد تكون في ناحية, وحياتنا العملية الواقعية في ناحية أخرى, نقيضان لا
يلتقيان, فكيف ينشأ مع هذا الوضع أطفال صالحون يرون ويشاهدون المتناقضات في حياة الأمة. إنهم مهما سمعوا من المربين, من عبارات الخير والفضيلة, والأخلاق الحميدة, فإنهم لن يحملوا في داخل
أنفسهم إلا الصورة التي يرونها أمامهم, من أنواع وأنماط السلوك, إن خيرا فخير, وإن شرا فشر. وقد أدرك السلف رضوان الله عليهم هذه المعاني الخطيرة, فهذا عمرو بن عتبة, ينصح معلم ولده فيقول
له: « ليكن أول إصلاحك لولدي إصلاحك لنفسك, فإن عيونهم معقودة بعينك، فالحسن عندهم ما صنعت, والقبيح عندهم ما تركت ».
كثيرا ما يعتذر الآباء بالفساد الاجتماعي, ويحمِّلون المجتمع فساد أولادهم. متخلين بذلك عن دورهم وواجبهم التربوي، إن للمجتمع ومؤسساته المختلفة دورا في التوجيه والتأثير ولا شك في هذا, ولكن ليعلم
الآباء, ويوقنوا, أن أثر البيت الصالح, أبلغ وأقوى من كل أثر, فإن ما ينقشه الآباء في نفوس أولادهم من معاني الخير والفضيلة, بالعبارات الصادقة الحارة, والسلوك القويم, مع القدوة الصالحة, له أثره
القوي الذي يبقى مع الولد، حتى وإن ظهر على الولد بعض انحراف في أول الأمر، بسبب ضغط المجتمع المنحرف, فإنه غالبا ما يرجع إلى الخير, وتكون عاقبته إلى الصلاح, فما كان الله ليضيع جهد
الأب الصادق, الذي جاهد في سبيل إصلاح ولده واستقامته. ولو افترضنا ضياع الولد وانحرافه, مع ما بذله الأب في سبيل إصلاحه فإنه لا لوم على الأب, وقد أخذ بالأسباب, فإن لله في ذلك حكمة هو
أعلم بها, وللأب الأجر والمثوبة على صلاح نيته, وبذل جهده.
فلنكن أكثر اهتماما, ولنراقب أنفسنا, ولنحاسبها قبل أن نحاسب. ولنكن أكثر جدية في بناء الأجيال، ولننظر في مرآة ذواتنا, أيها نعمل، وأيها نقول، وأيها نقدم لأولادنا وتلامذتنا ومتعلمينا, فهم الأمانة بين أيدينا,
وهم الصفحات التي نخط عليها مستقبل الأمة، وهم الرجال الذين نتطلع إليهم لإعادة مجد الأمة .ولنكن خير قدوة لأبنائنا, يتشرفون بنا ونعتز بهم . فيبنون فوق بنياننا على أسس راسخة، فلا يتداعى البنيان،
ولا تموت الأمة، ولا ينقطع الأمل, ولتكن مخافة الله نصب أعيننا وجل مبتغانا، ولنكن القدوة الحسنة، ولنكن منسجمين مع ذواتنا، مؤتلفين بين ما نقول وما نفعل, والله المستعان.
لنكن أكثر جدية في بناء الأجيال ولننظر في مرآة ذواتنا أيها نعمل وأيها نقول.
رشيد ناجي الحسن
|