:: مراقب عام ::
تاريخ التسجيل: 26 - 1 - 2008
السكن: فاس
المشاركات: 76,998
|
نشاط [ nasser ]
معدل تقييم المستوى:
7948
|
|
أستاذ "الكريدي"
22-09-2014, 13:48
المشاركة 2
أستاذ "الكريدي"
المصطفى صفر ....... الصباح ::::::: يوم 19 - 09 - 2014
لم يدر أنه بدخول عالم الاقتراض مع تنويع شركات السلف، سيضعه في آخر المطاف، في خانة الموظف خارج الإطار في سلاليم الوظيفة العمومية، الذي لا يقوى على مواجهة حتى مصاريف كراء شقة دخلها أول مرة وهو شاب لم يتجاوز عمره 26، عندما عين بمدينة البيضاء. عمر، اسم مستعار أعار قبض راتبه للبنوك لتعويض أقساطها المختلفة، التي أصبحت تطوق عنقه، ورغم أنه لا يمتلك عقارا ولا سيارة ولا حتى زوجة، يسر لها بالمعاناة التي يتخبط فيها، فإن الاقتطاع من المنبع أصبح كابوسا يهدده بالموت البطيء، وتتداعى أشرطة ماضيه ورشاقته ونشاطه يتذكر السنين التي خلت وهو على عتبة التقاعد، ويمني النفس بأزمة مالية تضرب مؤسسات القرض لتفلس بدورها وتمحى من الوجود حتى ينعم بقبض راتبه الشهري كاملا والذي يتعدى 12 ألف درهم، وبسبب كثرة المديونية وفوائدها لا يتبقى منه إلا 200 درهم.
رغم أن القوانين لا تسمح باقتطاع يفوق 40 في المائة من الراتب، فإن حالة عمر، نشاز، أغرته الإعلانات والإجراءات، فدخل دوامة لم يتقن أبجدياتها ولم يفقه تلاعباتها ولا أنظمتها، وهو الناظم للشعر المقفى الحافظ للمعلقات السبع، التي يختار منها القصيدة التي ترثي حاله والتي مطلعها: قفا نبكي من ذكرى حبيب ومنزل...».
لم يتزوج عمر وكانت السنين تمر وهو ينتظر الفرج والإفراج عن راتبه، يمني النفس بامتلاك حبيبة تشاركه حياته ومنزله يؤويهما وأن يكون له أولاد يكبرون حتى يرى حفدته، إلا أن ذلك كله ظل أحلاما حبيسة ذهن شارد لم يجد سبيلا للانعتاق من «الكريدي».
بداية القرض سلفة، ونهاية السلفة أخرى أكبر، وحين تتجمع القروض، تمتنع البنوك عن إضافة سلف، لتجاوز القدر المسموح به، فيسقط عمر في فخاخ سلفات خارج القانون أو بتحايل مع المؤسسة المقرضة، فينتهي الأمر بمساطر جديدة تجميع القروض أو اقتناؤها من مؤسسة قرض لمده بقرض آخر، وتمديد المدة، وغيرها من الأساليب التي حفظها عن ظهر قلب، وأنسته كل الأحلام، فهمه الشاغل أصبح توفير مبالغ تؤمن له الحاجيات الضرورية.
لا يلوم عمر البنوك وحدها، ولكنه يحملها جزءا من المسؤولية، فهو لم يختر طريقه إلا بسبب الإعلانات والإشهارات المغرية وأيضا طريقة تقديم العروض أمامه من قبل موظف البنك، كان بدوره مسؤولا حينما ينفق القروض في الاستهلاك وقضاء حاجياته الترفيهية، فانغمس دون شعور إلى أن استفاق على وضع خطير، فهو الآن موظف يؤدي فقط «الكريدي»، ولم تبق أمامه المخططات ولا الأحلام، يفكر في طريقة يقضي بها الجزء المتبقي من حياته، سيما أنه وحيد لا معين له ولا معيل.
تفصله الآن على التقاعد سبع سنوات، بعد أن أمضى 28 سنة مدرسا، تجده دائما يبحث عن وسيلة لتمديد سنوات القرض، فهي الوسيلة الوحيدة التي تنفخ له في ما يتبقى من راتبه لتزيده بعض مئات الدراهم.
|